ربع قرن على تأسيس حماس…ماذا بعد؟

مقدمة :
في سنة سابـقة وبمناسبة ذكرى تأسيس حركة حماس، كتب الباحث د.صالح النعامي مقالا شرح فيه أجواء اجتماع صاخب في مقر المجمّع الإسلامي في مدينة غزة مساء يوم شهد نهاره مواجهات عنيفة بين الشبان وقوات الاحتلال؛ وذلك في الأيام الأولى لانتـفاضة الحجارة التي اندلعت في 9/12/1987م ويصف النعامي كيف أن رذاذ المطر كان يبلل نافذة الغرفة التي شهدت ذاك الاجتماع الذي سيكون له ما بعده على مستوى المجمّع ومستوى القضية الفلسطينية وتاريخها، وبحسب النعامي فقد انـقسم المجتمعون إلى فريقين اثنين؛ الأول:رأى ألا يـقحم المجمّع نـفسه وأنصاره في هذه المواجهات نظرا لأن هذا العمل غير مألوف، ولأن المجمّع لم يعد العدة ويستعد بالقدر الكافي، ولأن المواجهات أصلا لا يعرف كم ستستمر وهل هي عفوية أم يقف خلفها أحد أم غير ذلك من الأسئلة المعروفة، والثاني:يرى بأنه يجب على المجمّع أن يكون له جسم تـنـظيمي خاص يشارك وبـفعالية بما يجري، وأنه آن أوان الانتقال من حالة المقاومة السلبية للاحتلال إلى المشاركة وبـقوة في المواجهة المباشرة أو الإيجابية، وقد كان على رأس هذا الفريق الشيخ أحمد ياسين الذي كان يجلس في الاجتماع على كرسيه المتحرك، وكان آنذاك في النصف الأول من خمسينيات عمره، وقد أدلى بدلوه بعد أن قال كل قادة المجمّع رأيهم،وأرى أن توصيف النعامي كان ملامسا -حد التطابق- للحقيقة التاريخية.
كان المجمّع هو الواجهة المؤسساتية لحركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة، وهنا يتضح لنا أن دور غزة وأهميتها ليست جديدة أو مفتعلة، كما أن الشيخ أحمد ياسين ومثله الشيخ صلاح شحادة لم يكونا بعيدين عن اقتناء وتخزين السلاح بما في ذلك مدفع بازوكا في ثمانينيات القرن الماضي، لكن الاحتلال تمكن من اكتشاف تنظيم الشيخ ياسين وحكم عليه بالسجن 13 سنة بتهمة التخطيط لإزالة دولة إسرائيل وإقامة دولة إسلامية مكانها، حسبما جاء في لائحة الاتهام، وقضى الشيخ منها حوالي سنة ليخرج في صفقة التبادل التي أبرمها الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة- أحمد جبريل عام 1985م، ولكن بعض المؤرخين والباحثين والمهتمين يرون أن حركة الإخوان المسلمين كانت تـفضل الابتعاد عن المواجهة المباشرة مع الاحتلال بعكس فصائل منظمة التحرير التي كانت تمارس المقاومة المباشرة ولكنها تهمل البعد الإسلامي للقضية الفلسطينية، وهو ما دفع د.فتحي الشقاقي إلى تأسيس حركة الجهاد الإسلامي لأنه رأى أن الحالة الفلسطينية هي «فلسطينيون بلا إسلام،وإسلاميون بلا فلسطين» وبأن ما قام به الشيخ أحمد ياسين-حسب هؤلاء- من تشكيل خلية مسلحة كان طفرة وخروجا عن نهج الإخوان التقليدي، وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك بتبني ما قاله ضابط صهيوني بأن الشيخ أقسم له بأن هذا السلاح لمواجهة القوى الوطنية! وقد كان الرد من الإخوان:لماذا تعتقل إسرائيل إذن من يريد قتال القوى الوطنية؟على كل لم يكن ثمة داع لتبني ما يـقوله الصهاينة خاصة المخابرات، وقد بات شعبنا يدرك الظروف المتعلقة بالمعتقلين في فترات التحقيق وملابساتها، ويعرف خبث تسريب أو نشر شيء معين، وهذا الأمر(نشر كلام نقلا عن لسان معتقل) لم يقتصر على الشيخ ياسين بل وصل إلى مروان البرغوثي مؤخرا، وهذا لا يعني أن الإنصاف قد جانب كل الباحثين من غير الإسلاميين فمثلا زياد أبو عمرو حاول تـفكيك جدلية الإخوان والمقاومة ورأى أن الإخوان مارسوا المقاومة الإيجابية حسب إمكاناتهم دون الإعلان عن تبنيهم لها لدواع أمنية وذلك في مصنّـفه«الحركة الإسلامية في الضفة والقطاع»…وبغض النظر عن الظروف المحيطة بتلك الفترة وملابساتها والاجتهادات التي تم تبنيها فإن حركة حماس التي ولدت من رحم الإخوان المسلمين بعد الجهاد الإسلامي بسنوات، وبعد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية جميعا بعقدين من الزمن تمكنت من تثبيت أقدامها وأخذ موقع متقدم ومميز على الخريطة السياسية الفلسطينية وهي تبدو بعد ربع قرن من انطلاقتها أكثر شعبية وشبابا وثـقة كبيرة بالنفس، مع قناعة جازمة لمحبيها ومبغضيها وخصومها ومنافسيها أنه لا يمكن تجاوزها.
رأي الشيخ أحمد ياسين تم تبنيه داخل المجمّع، ومع أن قيادة الإخوان في الخارج رأت في الأمر تسرّعا (كما أفاد المهندس إبراهيم غوشة في مذكراته) وأبدت شيئا من التردد إلا أن الشيخ ياسين مضى في طريقه وأبلغهم أنه لن يحمّلهم فوق طاقتهم، وهنا أنا مع الرأي القائل أن حماس بزّت كل فروع الإخوان في العالم وشبّت عن الطوق، نظرا لأن القيادة في بعض تعريـفاتها هي اتخاذ القرار الحاسم المناسب في المواقف الحاسمة المفصلية، وهنا لا نتجاهل دور الإخوان المسلمين في حرب فلسطين سنة 1948م وهو دور لم ينكره حتى خصومهم وأعداءهم، إلا أن الإخوان في الداخل قرروا –وهذا قرار صائب- أن يشمّروا عن أذرعهم ويعتمدوا على ذاتهم وألا ينتـظروا ما سيفعله الإخوان خارج فلسطين.
ولقد صدر البيان الأول موقعا باسم«حركة المقاومة الإسلامية» في 14/12/1987م ولاحقا صدر بيان يضيف بين قوسين كلمة (حماس) كاختصار للمسمّى…لقد مرّ ربع قرن على تلك الأحداث؛ مات من مات، واستشهد من استشهد، ودخل السجون من دخل، وولد من ولد والتحق بالحركة.
ولم يعد أمر حماس وشأنها يخصها وحدها؛ بل إن الاهتمام والمتابعة تشمل مجمل الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، وسائر حركات التحرر في العالم، وهذه المقالة المجزّأة لا يمكنها رصد كل كبيرة وصغيرة، إلا أنني-بعون الله- سأتوقف عند بعض المحاور والعناوين، ثم محاولة استقراء واستشراف مستقبل الحركة في ظل تـفاعلات مهمة على تطور مسار القضية الفلسطينية، وبداية ترنّح المشروع الصهيوني في فلسطين.
(1)النظام التربوي وسرّية التنظيم
 يؤكد القيادي البارز في حماس د.محمود الزهار أن تنظيم حماس في البداية لم يكن يـضم في عضويته أكثر من ألف شخص في الضفة والقطاع، وتبدو هذه المعلومة مذهلة حقا، نظرا للانـتشار السريع للحركة في أوساط الشعب الفلسطيني، ولأن الاعتقاد السائد في تلك الفترة أن الحركة أكبر من ذلك.
فقد اتبعت حماس نظاما تربويا صارما لأفرادها مأخوذ بالتأكيد عن برامج التربية للإخوان المسلمين يشمل القرآن الكريم تلاوة وحفظا، وبعض الأمور الفقهية والشرعية، وتدريس رسائل الشيخ حسن البنا، ومؤلفات سيد قطب، وأبي الأعلى المودودي، وفتحي يكن، وعبد الله عزام وغيرهم؛ وهذا النظام لم يكن مخفيا تماما عن الأعين مما أوجد نوعا من الخلط بين من هو فعلا عضو في التنظيم، ومن هو فقط ملتزم بهذه الدروس وهذا النظام التربوي، وأقول أن التمييز والفرز كان صعبا لعامة الناس، وبالتالي لأجهزة مخابرات الاحتلال لفترة استفاد منها التنظيم.
أما أمور التنظيم فقد ظلت في إطار من التكتم والسرّية الشديدة في تلك الفترة(1987-1992م) وكانت سمة التنظيم الحديدي تنطبق على حماس، ومع أن هناك تنسيقا ميدانيا محدودا مع بقية الفصائل، والنشاطات والفعاليات التي قد يسهل كشف القائمين عليها، إلا أن بنية التنظيم وآلية اتخاذ القرار فيه وكونه عنقوديا أو هرميا ظلت محل تكهنات وشائعات، خاصة أنه كان من النادر جدا أن تجد شخصا يصرّح علنا بأنه عضو في حماس حتى لو كان يتبنى في كلامه أفكارها وخطابها السياسي.
وحتى الآن وبعد مرور هذه السنين، ووجود مؤسسات سياسية وعسكرية وإعلامية وطلابية وخدماتية تتبع حركة حماس ، فإن الحركة لم تنه العمل تماما بالنظام السرّي؛ فمثلا أعلن مؤخرا أن رئيس مجلس شورى الحركة هو محمد حسن شمعة(أبو حسن) أحد المؤسسين الأوائل، وجاء الإعلان بعد أن توفي الرجل، ولم يعلن عن اسم خليفته حتى الآن!
وحقيقة يبدو كل ما يقال عن طريقة وآلية اختيار القادة، واتخاذ القرار في الحركة مجرد تأويلات وتوقعات، إلا ما يصدر عن بعض قادة الحركة من معلومات أو إضاءات، وحتى هذه قد تكون لدواع أمنية؛ إلا أن المؤكد أن حماس تعزز فيها دور المؤسسة على حساب دور الرموز والشخصيات، ولا يوجد فردية فيها، وأن الحركة وإن كشفت جزءا كبيرا من قيادتها فإن هناك ما هو طيّ الكتمان، والذين يطالبون حماس بكشف كل شيء بدعوى الشفافية هم على خطأ، بل إن حماس كشفت نـفسها أكثر مما ينبغي..
( 2)مسألة غض الطرف!    
هناك مسألة لا بد من إثارتها خاصة أن الإعلام الصهيوني ما زال يعلكها، وهناك أصوات فلسطينية تنساق وتردد نـفس النغمة، إما بدافع المناكفة، أو غير ذلك؛ وهي أن سلطات الاحتلال غضت الطرف عن حماس ولم تـقم بتوجيه ضربة قاضية لها قبل أن تكبر وتتمدد، وذلك بهدف توفير بديل سياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأود أن ألفت النظر أن ثمة أشخاص بسبب هذه القناعة يكنّون لحماس كرها شديدا، وربما اصطدموا مع أنصارها جسديا قبل ربع قرن أو أقل؛وكي لا نبقى ندور في حلقة مفرغة أرى بأن حماس ليست مسئولة عن سوء تـقديرات المؤسسة الصهيونية الأمنية حتى يكون إخفاق هذه المؤسسة وضعف قراءتها للأمور عارا يلاحق حماس، ونـقيصة تستحق الهجاء، فعلى فرض صحة هذا الكلام فالذنب ليس ذنب حماس؛ ومن ناحية أخرى فإن المخابرات الصهيونية حين اندلعت الانتفاضة وانطلقت حماس كانت في حالة إرباك، وقد عابت على إيهود باراك الذي كان على رأس مؤسسة الاستخبارات عدم توقعه لاندلاع الانتفاضة، وقد اعتادت المخابرات ملاحقة خلايا سريّة وناشطين سياسيين لهم ملفات مكتملة نظرا لأن تنظيماتهم عمرها سنين طويلة ولها فروع ومتخصصين لملاحقتها، بعكس تنظيم حماس الوليد، الذي كان يتطلب منهم جهدا وبعض الوقت لتتبلور لديهم فكرة عنه.
والأمر الأهم أن نشطاء حماس لم يسلموا من الملاحقات، وبالنسبة لعددهم وعمر حركتهم فإن وجودهم في السجون منذ البداية على خلفية الانتفاضة وفعالياتها يعتبر ربما أكثر من العادي، مع العلم أن وجود «الجماعة الإسلامية» التي تمثل الاتجاه الإسلامي داخل السجون كان قد بدأ منذ السبعينيات، وقد برز من مؤسسي الجماعة في السجون(إضافة إلى الشيخ أحمد ياسين ورفاقه) الشهيدان نصر جرار وأحمد الجعبري، والنائب المقدسي عن حماس الشيخ محمد أبو طير وغيرهم.
ولا يفوتنا أنه في العام 1988م أبعدت سلطات الاحتلال إلى لبنان كلا من الشيخ محمد صيام و الشيخ خليل القوقا على خلفية النشاط في حماس والانتفاضة، ويعتبر إبعاد رمزين لحركة عمرها أقل من عام ضربة قوية…بالنسبة لإعلام الكيان لن يتوقف حتى آخر رمق عن ترديد هذه المعزوفة السخيفة، ولكن أرجو على المستوى الفلسطيني(والعربي طبعا) الكف عن السير وراء هذا الكلام حفاظا على الموضوعية والمنطق.
(3)إصدار الميثاق 
في صيف العام 1988م أصدرت حركة حماس ميثاقها الذي وضحت فيه  أفكارها ورؤاها وتصوراتها ومستقبل علاقاتها مع الجميع، ويمكن -لمن أراد- الرجوع لنصوص الميثاق فهي متوفرة الآن وبكثرة، إلا أن نسخة قديمة من الميثاق قرأتها وقتها لفتت نظري لاحقا لأنها تعرّف حماس على أنها «الجناح العسكري للإخوان المسلمين في فلسطين» وقد سألت الأستاذ المرحوم ناجي صبحة أحد قادة العمل الإسلامي في فلسطين عن كون كتائب القسام الجناح العسكري لحماس فهل القسام جناح عسكري لجناح عسكري؟أجابني –رحمه الله- بأنهم في الإخوان لم يكونوا يتصورون أن تحظى الحركة الجديدة بكل هذا التأييد والزخم في الشارع…على كل حال النسخة المعتمدة حاليا لا يوجد بها هذه العبارة، بل  تنص المادة الثانية فيها على أن «حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة، في التصور والاعتقاد، في السياسة والاقتصاد، في التربية والاجتماع، في القضاء والحكم، في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام، في الغيب والشهادة، وفي باقي مجالات الحياة.»…وبهذه المادة زال كثير من اللغط حول الحركة ومرجعيتها لأنه قيل الكثير في الشارع، فهناك من اعتبر أنها من أذرع المنظمة، وهناك من اعتبرها من أجنحة إيران، وهناك فعلا من عرف أنها تتبع الإخوان المسلمين.
وتوجد مطالبات حاليا بتعديل الميثاق، نظرا لتطور الحركة وتغير الظروف ، ولأن إسرائيل تستغله لتشويه صورة حماس، لدرجة أنها ترجمته إلى عدة لغات من بينها اللغة الصينية، وفوجئت وأنا أحضر لهذا المقال أن موقعا باللغة العربية لوزارة خارجية الكيان ينشر مواد مختارة  بهدف تشويه الحركة،  وأرى أن الميثاق بحاجة إلى تطوير لا تعديل وأن هناك بعض العبارات والأفكار جاءت تأثرا بنظرية مسئولية اليهود عن كل مشكلات الأرض، وتضخيم لدورهم هم والحركة الماسونية، وقد دحض الراحل د.عبد الوهاب المسيري-رحمه الله- هذه النظرية أو التصور، وحماس وحزب الله يعتمدون كتابات المسيري خاصة موسوعته «اليهود واليهودية والصهيونية» كمرجعية تاريخية وفكرية وسياسية يؤخذ بها، كما أن هناك عبارات كانت صالحة زمن الحرب الباردة التي انتهت، وسآخذ عينة فقط وهي المادة الثانية والعشرين والمندرجة تحت عنوان «القوى التي تدعم العدو» حيث جاء في هذه المادة «خطَّط الأعداء منذ زمن بعيد، وأحكموا تخطيطهم كي يتوصلوا إلى ما وصلوا إليه، آخذين بالأسباب المؤثرة في مجريات الأمور، فعملوا على جمع ثروات مادية هائلة ومؤثرة، سخروها لتحقيق حلمهم، فبالأموال سيطروا على وسائل الإعلام العالمية: من وكالات أنباء، وصحافة، ودور نشر، وإذاعات، وغير ذلك. وبالأموال فجَّروا الثورات في مختلف بقاع العالم، لتحقيق مصالحهم وجني الثمار، فهم من وراء الثورة الفرنسية والثورة الشيوعية ومعظم ما سمعنا ونسمع عن ثورات هنا وهناك.وبالأموال كوَّنوا المنظمات السرية التي تنتشر في مختلف بقاع العالم، لهدم المجتمعات، وتحقيق مصالح الصهيونية، كالماسونية، ونوادي الروتاري، والليونز، وأبناء العهد وغير ذلك، وكلها منظمات تجسسية هدامة، وبالأموال تمكنوا من السيطرة على الدول الاستعمارية، ودعوها إلى استعمار كثير من الأقطار، لكي يستنزفوا ثروات تلك الأقطار وينشروا فيها فسادهم. وأما عصبة الأمم وعن الحروب المحلية والعالمية حدِّث ولا حرج، فهم من خلف الحرب العالمية الأولى، حيث تم لهم القضاء على دولة الخلافة الإسلامية، وجنوا الأرباح المادية، وسيطروا على كثير من موارد الثروة، وحصلوا على وعد بلفور، وأنشأوا عصبة الأمم المتحدة ليحكموا العالم من خلال تلك المنظمة، وهم من خلف الحرب العالمية الثانية، حيث جنوا الأرباح الطائلة من تجارتهم في مواد الحرب، ومهدوا لإقامة دولتهم، وأوعزوا بتكوين هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بدلاً من عصبة الأمم المتحدة، ولحكم العالم من خلال ذلك وما من حرب تدور هنا أو هناك إلا وأصابعهم تلعب من خلفها».
هنا لا بد من إعادة نظر في هذه المادة؛ فالثورة الفرنسية كانت ضد الظلم والاستبداد، وبهذا نمدح الأعداء إذ نجعلهم وراءها، ونشكك في ثورات العرب الحالية بأنهم وراءها، أما بخصوص قدرتهم على النفاذ إلى المنظمات الدولية فهذا أمر متعلق بضعف قدرة الآخرين فيها، وإجمالا هذه المادة تضخم من حجمهم، ومن قدرتهم على التأثير أكثر مما ينبغي.
إلا أن الدعوة إلى تعديل الميثاق لا تشمل بأي حال المواد التي تنص على أن فلسطين أرض وقف إسلامي ، وألا حق للصهاينة الغزاة فيها من بحرها إلى نهرها، أو الانتقاص من مركزية فكرة الجهاد والمقاومة، وهو ما يطالب به الأعداء، وبعض منتحلي الواقعية السياسية.
وجدير بالذكر أن حماس خطت خطوات كثيرة تعتبر تطويرا غير مكتوب لهذا الميثاق، وبقي تطوير النص المكتوب، نظرا لتطور النهج السياسي.
(4)المعركة الإعلامية 
الإعلام معركته لا تـقل عن المعركة العسكرية، بل قد تكون معركته أكثر صعوبة وتعقيدا، مع أن أصوات انفجاراتها الحناجر، ودماءها المداد، وأسلحتها الكاميرات والأقلام وأجهزة الكمبيوتر وغيرها، وقد خاضت حماس المعركة الإعلامية، وكانت البدايات صعبة للغاية؛ فحماس حركة جديدة، ونشأت من حركة الإخوان التي يوجد في المجتمع من يسخر منها ويسمي أفرادها «الإخونجية» كنوع من السخرية والتهكم والازدراء، وإمكانيات حماس المادية في البدايات كانت متواضعة جدا، وأدوات الإعلام ووسائله قبل 25 سنة لم تكن متنوعة وحرّة مثل اليوم، فلم يكن هناك إنترنت، ولا فضائيات، وكان للنصوص المطبوعة هيبتها واحترامها حدّ التصديق من عامة الجمهور، وكان الجمهور الفلسطيني مغرما بمتابعة الإذاعة الإسرائيلية العربية، والعبرية لمن يتقنها، وإذاعات مثل مونت كارلو(كانت مقرّبة جدا من منظمة التحرير)، وإذاعة لندن، ويتابع الجمهور التلفزيون الإسرائيلي بكثافة، والتلفزيون الأردني والسوري؛ وقد لعب التلفزيون الإسرائيلي دورا خبيثا بحيث أنه كان يأتي على ذكر حماس وما تصرّح به وما يصدر عنها، وهذا بالطبع له مردود سلبي، وحاول مرة الإيحاء بأن حماس تقوم بالاعتداء على الكنائس، وقد تصدت حماس لهذا الإدعاء ببيان دعا لمشاركة المسيحيين احتفالاتهم بالعيد بالزيارة والتواصل، وكان واضحا أن التلفزيون الإسرائيلي معني بخلق فتنة بين فتح وحماس، وحماس والجبهات، بأخباره المدروسة من مؤسسة الأمن التي يتبع لها، وتـقاريره الخبيثة؛ وأتذكر مرة تـقريرا بثه برنامج «الأسبوع في ساعة» وكان من أكثر البرامج متابعة محليا عن علاج الأشخاص الذين يتلبسهم الجن، وزعم التقرير أن من أسماهم «متطرفون من حركة حماس» يقومون بهذه المهمة…ومع ذلك كان على قيادة حماس ألا تـقاطع الإعلام الصهيوني لأنها أدركت أن الشعب يتابعه، وأنه يمكن من خلاله شرح بعض الأمور، مع أن هذا الإعلام كان أحيانا يبتر بعض الجمل ويخضع بعض التصريحات للتأويل.
أما الصحافة المطبوعة فهي خاضعة للرقابة العسكرية الصهيونية، وهي إما تابعة أو مقرّبة من خصوم حماس السياسيين، أو تتبع طبقة اجتماعية فلسطينية لها ارتباطاتها بهذه الدولة العربية أو تلك، كما أن عناصر الاتجاه الإسلامي كانوا يتوجهون إلى دراسة الطب والهندسة والعلوم والشريعة، وقليل منهم كان يتجه إلى الصحافة، مما جعل الصحافيين التابعين للحركة قلة، وبعضهم غير مدرب أو غير مختص.
ولهذا حرصت الحركة على إصدار بيان شهري يوضح رأيها في شتى المسائل، ويعلق على، أو ينفي ما تردده وسائل الإعلام، واعتمدت فترة على صحف الحركة الإسلامية في الداخل(صوت الحق والحرية، والصراط) حيث كانت تـقوم بقص صفحات مختارة منها وتعلقها في المساجد وبعض المؤسسات التعليمية، وكان سعرها زهيد عموما، ولكن هذا  كان له متاعبه أيضا؛ لأن الشيخ عبد الله نمر درويش(قبل انشطار الحركة) كانت له مواقف مثيرة للجدل، وقد أكد لي الأستاذ ناجي صبحة أنه(درويش) هكذا منذ زمن طويل، وكان له مقال طويل في تلك الصحف، يضاف له لقاءاته المتلفزة المثيرة للحرج الذي كان يصيب حماس أحيانا، ناهيك عن أخبار وتغطيات غير دقيقة وفيها أخطاء كبيرة محرجة، وأحيانا لم يكونوا يغطون أخبارا مهمة لحماس، مثل فوزها في بعض المواقع…وهنا كانت أيضا مجلة «فلسطين المسلمة» التي أشرف على إدارتها وتحريرها آنذاك كل من ياسر الزعاترة وخالد الحروب، وكانت تصدر من لندن، وكانت أكثر رصانة في تغطية الحدث في الضفة والقطاع، ولكن أيضا كانت فيها العديد من الأخبار غير الدقيقة، كما أنها  شهرية(عمرها حاليا 30 سنة وما زالت موجودة) والجمهور بحاجة إلى إعلام مستمر يواكب ماكينة الإعلام اليومي المتلفز…
( 5)تطور الأداء الإعلامي
ظل الإعلام العربي والدولي يتجاهل حماس كثيرا، إلى أن جاءت عملية إبعاد المئات من حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور في مثل هذه الأيام قبل عشرين سنة، فأصبح اسم حماس معروفا ومتداولا لدى كل وكالات الأنباء العالمية، ومراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية، وحتى بيل كلينتون الذي كان وقتها قد انتخب حديثا وصف حماس بأنها «مجموعة أصولية إسلامية» وبرز المتحدث باسم المبعدين د.عبد العزيز الرنتيسي ومن خلال قدرته على الحديث بالعربية والإنجليزية تمكن من شرح معاناة المبعدين مما سهل إغلاق هذا الملف، وعبارات الرنتيسي وتصريحاته النارية حببت الكثير من الجمهور الفلسطيني بحماس ورفعت المعنويات لأنه ظل يركز على المقاومة وتحدي الاحتلال، كما ساهمت عملية الإبعاد في إزالة التكتم الاجتماعي حيث ازداد بوضوح عدد المصرحين بأنهم من أعضاء حماس في المجتمع الفلسطيني.
ومع دخول السلطة إلى غزة حصل عماد الفالوجي، قبل فصله لاحقا من الحركة، على ترخيص لصحيفة «الوطن» ثم ظهرت صحيفة الرسالة الأسبوعية، وقد برز من كتبتها صلاح البردويل وغازي حمد وعطا الله أبو السبح، وقد ركزت الرسالة كثيرا على موضوع المقاومة والاحتلال إضافة إلى شئون مختلفة أخرى اجتماعية واقتصادية وثـقافية، وكانت تجري مقابلات مع مختلف المسئولين من مختلف القوى ومن السلطة كذلك، ولأنها تصدر قريبة أو من قلب الأحداث التي تغطيها كانت تمتاز بالدقة والموضوعية أكثر من الصحف التي كانت تأتي من الخارج، علما بأنها كانت تعرف نفسها بأنها تصدر عن حزب الخلاص الوطني الإسلامي الذي أسسته حماس لمواكبة الظروف المحلية الجديدة.
ومع بداية دخول الإنترنت والفضائيات أواسط التسعينيات إلى بيوت الفلسطينيين والعرب، تمكنت حماس من الدخول إلى عالم الإعلام الإلكتروني قبل الآخرين، ومع أنه حتى الآن لا يوجد للحركة موقع رسمي خاص بها، إلا أن هنالك مواقع ومنتديات وشبكات إخبارية عدة تطرح رؤية الحركة، وتقدم سيرا ذاتية للشهداء والرموز، وتقارير إخبارية متنوعة، ومقالات رأي مختلفة، ولو نظرنا مثلا إلى موقع «المركز الفلسطيني للإعلام» لوجدنا أنه لم يقتصر على اللغة العربية بل أضاف لها الإنجليزية والفرنسية والفارسية والأوردو وغيرها من اللغات وذلك لإطلاع أكبر شريحة ممكنة من المسلمين وغيرهم على الوضع الفلسطيني ورؤية حماس.
ولقد كان للفضائيات ما يمكن أن يعتبر طفرة نوعية في عالم الإعلام، خاصة قناة الجزيرة، بغض النظر عن الملاحظات العديدة، فقد تمكنت من كسر التقاليد الإعلامية التي فقط تمجد الحكام، وتجعل 90% من تغطيتها لمدحهم ورجالهم وسياستهم، فقد أصبح بالإمكان رؤية المعارضة ورؤية المقاومة على الشاشة تتحدث وتدافع عن طرحها، مما أجبر محطات التلفزة الأخرى على التقليد بما في ذلك الإعلام الرسمي إلى حد معين، وقد كان برنامج شاهد على العصر قد افتتح بتسجيل مع الشيخ الشهيد أحمد ياسين بعيد الإفراج عنه من سجون الاحتلال…ولكن هذا لا يعني أن الجزيرة لم تكن تغطي ما يتعلق بحركة فتح والسلطة فحتى وليد العمري المقرب بل المحسوب على فتح تحدث بالأرقام عن عدد ساعات تغطية الجزيرة للشأن الفتحوي، لكن الجزيرة، لا سيما في برامجها الحوارية، تحتاج متحدثين يتقنون الطرح وتوزيع الأفكار على الوقت المتاح والمحدد ويجيبون ببداهة عن الأسئلة، وقد تـفوقت حماس في ذلك.
وقد دخل الإعلام المقاوم لاحقا إلى الشاشة عبر فضائية المنار التابعة لحزب الله، والتي لا شك لعبت دورا كبيرا في الحشد للمقاومة ومع أنها لبنانية إلا أن الشأن الفلسطيني كان حاضرا فيها لساعات طويلة…ومنذ سنوات أطلقت فضائية ومرئية وإذاعة الأقصى، وهي تتبع حماس مباشرة، ومقارنة مع عمر قناة الأقصى وأدائها فإنه يتحسن، وفي الحرب الأخيرة على غزة كانت الأقصى دقيقة في نـقل الأخبار وتـفوقت على الإعلام الصهيوني وغيره، وتجري الأقصى مقابلات وحوارات مع مختلف ألوان الطيف الفلسطيني، ولكن مع صعود حماس فإن هذا لا يكفي، فالمطلوب أن تكون الأقصى فلسطينية بمرجعية حمساوية، لا أن تظل حمساوية بمرجعية حمساوية، كما أنه من المهم ما تـفعله من تغطية أمور المقاومة والشهداء والأسرى وعوائلهم، ولكن هذا لا يكفي فثمة أمور اجتماعية وتربوية حساسة ومحرجة ولكنها موجودة في مجتمعنا على القناة أن تتجرأ وتكسر التابو وتغطيها…وعلى قناة الأقصى أن تكون دقيقة في معلوماتها فمثلا هناك تـقرير بث مرات عدة في الأيام الأخيرة يضع صورة شهيد من القسام استشهد في اشتباك مسلح أثناء معركة مخيم جنين، ولكن التعليق الموجود على الصورة في القناة يقول عن الشهيد أنه منفذ عملية استشهادية ويضع اسما خطأ له، وهذه سقطة تتكرر فيما يخص العديد من المعلومات.
وإذا كان الإعلام الحديث، لا سيما بعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، لم يدع بيتا إلا ودخلته حماس، فإن الأسرى لديهم مشكلة كبيرة؛ فمنذ 2009م تم حجب قناة الجزيرة عنهم، ولا تدخل إليهم إلا جريدة القدس، وبأعداد محدودة، ويمكنهم التقاط بعض الإذاعات المعنية بشئون الأسرى وإيصال رسائل صوتية من ذويهم حسب قرب السجن من منطقة معينة، وهذه مشكلة كبيرة يجب العمل على حلها، لأن الأسرى لهم رؤيتهم، ولا يمكنهم بلورة أي رؤية ناضجة إلا بحرية تدفق المعلومات إليهم.
وقد تطور النشيد والفن، ومنذ البدايات كان الصوت يمتاز بالجمال، واللغة بالرقي والأصالة، ولكن كانت ثمة عقدة تم تجاوزها، وهي الأخذ بالرأي الذي يحرم الآلات الموسيقية حرمة مطلقة، وحتى الآن هناك عزوف عن دراسة الفنون وتحديدا الموسيقا، وهذا من التابوهات التي يجب كسرها كما كسر غيرها.
 (6) التمدد إلى الخارج
يجب ألا يغيب عنا ولو لوهلة أن ستة ملايين من أبناء شعبنا يعيشون في الخارج سواء منهم من هو لاجئ أو مقيم أو بين بين؛ لذا فإنه من الحماقة بمكان إهمال الساحات الخارجية؛ وبالنسبة لحماس فقد برزت الحاجة الملحة مبكرا لوجود مكاتب تمثيل سياسي في الخارج، وقيادة بعيدة عن الاستهداف المباشر، حيث أن استهداف شخصيات أو مقرّات خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة له تبعات سلبية كبيرة على الكيان كما ثبت بالتجربة العملية، وعموما فإن العمليات في الخارج ليست دائمة.
وبعيد اعتقال الشيخ أحمد ياسين سنة 1989م وتـفكيك التنظيم، تم تأسيس مكتب سياسي في الخارج باسم حماس، وقبل ذلك كان الشأن الحمساوي مشمولا بتنظيم الشام الإخواني في الخارج، فأصبح لحماس كينونتها الخاصة في الخارج، وباتت حماس على قناعة أن الاحتلال يمكنه الوصول للجسم التنظيمي في الداخل ولو بعد حين، ولهذا يجب أن يكون هناك جسم قيادي في الخارج بعيدا عن قهر الجغرافيا، وكان لوجود مكتب سياسي وممثليات في العديد من الدول حسنات عدة منها:-
  1. رفع الحرج عن بعض فروع الإخوان المسلمين نظرا لأن لحماس كيانها التنظيمي المنفصل؛ فمثلا خروج حماس من الأردن لم ينعكس سلبا على جبهة العمل الإسلامي وإخوان الأردن بسبب هذا الفصل التنظيمي المعروف، والذي عرّف الكل بالمعادلة الجديدة:مدرسة فكرية واحدة بأجسام تنظيمية منفصلة ومختلفة.
  2. إيجاد تواصل على المستوى الشعبي والرسمي مع العرب والمسلمين وغيرهم، وكان لهذا التواصل انعكاساته الإيجابية العديدة.
إلا أن حماس حصرت عملها العسكري والميداني في الداخل، ولم يكن إلا ثمة محاولات تسلل عبر الحدود الأردنية، انتهت باستشهاد أو اعتقال منفذيها، ويبدو بأنها محاولات فردية، كما أنه ليس لحماس قواعد عسكرية ومعسكرات تدريب معروفة، وإن وجدت فهي محدودة وسرية.
وكان وجود المكتب السياسي في الخارج وما زال محل تحليلات وتأويلات بلغت حد الشطحات الإعلامية والسياسية؛ فكلما وجد المكتب ورئيسه في بلد، أو تحسنت علاقات الحركة مع بلد، قيل بأن حماس تابعة لهذا البلد، بمتوالية زمنية تثير السخرية؛ ابتداء من الأردن مرورا بسورية(وإيران بحكم العلاقة) وليس انتهاء بتركيا ومصر وقطر التي يقال اليوم أن حماس أو خالد مشعلبات تحت عباءة حكامها؛ مع أن الواقع-وليس فقط التصريحات النافية الصريحة- ينفي ذلك تماما، فالتجربة التاريخية أثـبتت استقلالية حماس وقرارها، حتى لو كان هناك ترغيب أو ترهيب.
وقد قيل بأن القرار الحمساوي بيد قيادة الخارج لأن بيدها التمويل، ثم قيل بل في غزة لأنها «إمارة» خاصة بهنية والزهار، واستغنت عن مال الخارج بتجارة الأنفاق، ثم قيل بأن الجناح العسكري جزء منه تابع لمشعل والآخر تابع للزهار، وأن القرار الحمساوي منقسم بين القائد سين والقائد صاد والرجل القوي هو القائد عين…إلخ…وهذه التحليلات والتأويلات التي من شأنها زيادة مبيعات بعض أعداد الصحف والمجلات، وجذب عدد كبير من متصفحي موقع إلكتروني معين، تشير إلى شيء قد لا يتنبه له كثيرون؛ وهو أن أمور حماس التنظيمية ما تزال طيّ السرية والكتمان، وأن الحركة تخرج ما تشاء هي أن تخرجه أو تعلنه من هذه الأمور، ولكن المؤكد أن قرارات حماس شوروية وخطواتها مؤسساتية لا فردية..
(7)كتائب القسام…لها القول الفصل

في احتفال حماس بمرور ربع قرن على انطلاقتها ، والذي كان مميزا بحضور رئيس و أعضاء من المكتب السياسي في الخارج، وحضور وفود من الخارج رسمية وشعبية قدر عدد أفرادها بثلاثة آلاف، شاركت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، بكلمة ألقاها رجل ملثم قيل بأنه يمثل قيادة الكتائب، وجرت العادة أن يلقي بيانات القسام الناطق باسمها الملثم «أبو عبيدة» وأيضا ليس في مهرجانات الانطلاقة، ولهذا الأمر دلالات كثيرة؛ فهذا يؤكد أن كتائب القسام أصبحت أشبه بجيش نظامي في قطاع غزة، وأن القيادة السياسية وجمهور حماس يـقرّون بفضلها وفضل رجالها الشهداء منهم والأسرى ومن ما زالوا يقبضون على الزناد فيما وصلت إليه الحركة، وحتى المجسم لصاروخ (M75) على المنصة يدل على ذلك…فهذه حقيقة لا مجال لإنكارها؛ فحماس لم ولن تحقق مجدا بمؤسسات وجمعيات خيرية عمرها عشرات السنين، ولم تحصد شعبيتها من خطابات وشعارات، ولا يمكن لحماس قبل التحرير أن تتحول إلى حركة سياسية-اجتماعية، فالسياسة في خدمة البندقية وليس العكس، وحماس أدركت تماما أن رميها للسلاح يعني أنها ستنتهي وتذوي مثل غيرها، وستصبح شعبيتها كرتونية مصطنعة.
ومن المعروف أن المكتب السياسي لحماس فيه صوت لكتائب القسام، ولكن في الفترة الأخيرة كان الشهيد أحمد الجعبري هو عضو المكتب السياسي عن كتائب القسام، ولكن هذا لا يعني أن القسام لها صوت واحد في المكتب السياسي بالمعنى العددي الإحصائي، فلكتائب القسام القول الفصل في كثير من الأمور والقضايا.
وقد كان القيادي الملثم الذي ألقى كلمة القسام في الاحتفال واضحا في قضية سياسية تـثير اللغط حين وجه التحية إلى تركيا وإيران وقطر؛ في إشارة إلى أن حماس تنأى بنـفسها عن الاصطفافات الإقليمية والمذهبية الجديدة، وأن حماس والشعب الفلسطيني بحاجة إلى دعم المسلمين المالي والعسكري والسياسي والإعلامي، لأن فلسطين تحتاج إلى الجميع.
(8)بدايات العمل العسكري الحمساوي

كان العمل العسكري في البدايات الأولى مقصورا على قيادات الحركة، وخلاياها المؤسسة، و فروعها كمنظمة الجهاد والدعوة(مجد)، والمجاهدين الفلسطينيين، وقد نـفذ الجهازان عمليات مثل خطف وقتل الجنديين آفي ساسبورتاس و إيلان سعدون، وتـصفية بعض العملاء، ولم تعلن حماس مسئوليتها المباشرة عن تلك العمليات، التي تبنتها جهات أخرى، ولكن مخابرات الاحتلال تمكنت من اعتقال المنفذين وكشف خيوط الأجهزة العسكرية والأمنية الحمساوية واعتقل العديد من القادة أمثال يحيى السنوار وروحي مشتهى ومحمد شراتحة وصلاح شحادة وغيرهم…وإضافة إلى القادة، كان العمل العسكري في البدايات يكلف به أبناء قادة ورموز الحركة التاريخيين أمثال طارق(استشهد في 1992م) نجل الشيخ عبد الفتاح دخان أكبر أعضاء المجلس التشريعي سنا، ومن قيادات الإخوان التاريخية في قطاع غزة؛ والسبب الرئيس في هذه السياسة، أي قصر العمل العسكري على القادة وعلى أبنائهم، هو أمني بالدرجة الأولى، يضاف له إيجاد القدوة العملية الحسنة لدى الجمهور الفلسطيني عموما، وأعضاء الحركة خصوصا.
وأيضا كان في البداية عمليات يقوم بها أفراد أو مجموعات من الحركة باستخدام السكاكين مثل عامر أبو سرحان، وهيثم جملة وأشرف بعلوشة، أو عمليات دهس للجنود مثلما فعل ساهر تمام وراتب زيدان.
(8)بدايات متواضعة…وتوحيد العمل

يتحدث الأسير المحرر في صفقة وفاء الأحرار، زاهر جبارين، بصراحة عن بدايات العمل العسكري في الضفة الغربية بأنها كانت تـفتـقر إلى السلاح والعتاد، علما بأن جبارين هو الذي جنّد المهندس يحيى عياش في كتائب القسام.
وكان الجناح العسكري في قطاع غزة قد بدأ ينـفذ عمليات باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، ولكن دون الإشارة إلى تبعيتها لحماس، ولم تكشف تبعية القسام لحماس إلا بعد استشهاد بعض العناصر، ثم أخذت الكتائب تعلن صراحة أنها ذراع حماس العسكري، وفي الضفة الغربية انطلقت كتائب الشهيد عبد الله عزام لتكون ذراع حماس العسكري في الضفة، ولكن جرى توحيد الجناح العسكري تحت اسم القسام، ويروي د.أحمد يوسف أن صاحب تسمية «القسام» و توحيد الاسم هو د.موسى أبو مرزوق.
(9)خلايا منفصلة وضربات مؤلمة
قلة العدد وضعف الإمكانيات التسليحية لم تمنع القسام من تـنـفيذ عدة عمليات نوعية، أخرجت إسحاق رابين ورئيس أركان حربه (آنذاك) إيهود باراك عن طورهما، وكان القسام يعمل بخلايا منفصلة، لا تعرف الواحدة شيئا عن الأخرى، مما زاد من إرباك الاحتلال، وقد تزامن تصاعد عمل حماس العسكري مع تراجع ملحوظ في فعاليات الانتفاضة من رشق حجارة وغيره، وكان الاحتلال في حيرة، لأنه يواجه ما يشبه الأشباح الذين يضربون ويختفون، مما جعل كل قدراته العسكرية بلا جدوى، فهو لا يواجه عدوا له قواعد أو جيشا نظاميا، و كلما قضى على خلية أو قيادي جاء غيره، وامتاز عناصر القسام بعدم الظهور العلني في وسائل الإعلام بل كانوا يسلمون بياناتهم عبر وسيط مكتوبة أو بأشرطة فيديو، كما لم يظهروا في الشوارع وهم يطلقون النار في الهواء، فقد كانوا يعملون بسرية وحذر شديدين.
(10)عمليات الاختطاف
كانت كتائب القسام تسعى لاختطاف جنود وتبديلهم بأسرى فلسطينيين ولبنانيين خاصة الشيخ أحمد ياسين وصلاح شحادة وعبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني، وقد وقعت العديد من عمليات الاختطاف، ولكن الاحتلال لم يوافق على مبدأ التبادل داخل الأرض الفلسطينية إلا بعد سنين طويلة مقابل جلعاد شاليط…فبمناسبة ذكرى انطلاقة حماس السادسة في مثل هذه الأيام قبل عشرين سنة قامت خلية قسامية باختطاف رقيب في حرس الحدود هو نسيم توليدانو في مدينة اللد، وسلمت المجموعة بيانا إلى جمعية الهلال الأحمر في البيرة، يؤكد مسئوليتها عن العملية، ويوضح بصورة عن هوية الجندي أنه ما زال حيا، ولكنه سيقتل إذا لم يطلق سراح الشيخ أحمد ياسين(لم يطلبوا إلا هذا الطلب) خلال مدة قصيرة حددها البيان؛ ومع أن الثمن لم يكن كبيرا، إلا أن رابين رفض الإفراج عن الشيخ ياسين، وأخذ يتصرف بعنجهية وتهدد وتوعد، و عثر على جثة توليدانو بعد أيام قليلة، في منطقة بين القدس وأريحا، وزاد هذا من غيظ سلطات الاحتلال؛ فالخطف تم في مكان والإعلان في مكان آخر والجثة وجدت في مكان مختلف، وكأن الحديث يدور عن جهاز مخابرات محترف عناصره مدربة في أكاديميات عسكرية وأمنية، وليس مجموعات بسيطة في العدد والعدة والخبرة والتدريب…وكان رد رابين هو إبعاد المئات من حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور، وهي عملية خدمت حماس كما قلنا سابـقا، ولم توقف العمل العسكري الذي تصاعد.
(10)أفعى الهيدرا…اختراق الشاباك!
 تصاعدت عمليات القسام بطريقة ملحوظة بعد عملية الإبعاد الخرقاء، ومع أن مخابرات الاحتلال تمكنت من كشف منفذي عملية توليدانو، وقامت بـقتل واعتقال عناصر خلايا أخرى، إلا أن كتائب القسام ظلت تضرب في كل مكان، وقد برز من كتائب القسام عماد عقل، من مخيم جباليا، صاحب أكبر سجل قتل مباشر ضد الجنود والمستوطنين، أي قتلهم بيديه، وقد عرض رابين على شقيق عماد إبعاد عماد إلى الخارج فترة معينة، فرفض عماد بشدة، وبعد مطاردة معقدة تمكنت قوات الاحتلال من تصفيته أواخر عام 1993م وكان تعليق رابين على نجاح جيشه بقتل عماد عقل ينم عن فرح وتشف حيث وصفه بـ«مخرب حقير» ولكن فرحة رابين تدم طويلا فقد كانت عملية الثأر لعماد شعارها «جنرال مقابل جنرال» فقد قام رفيق أو وريث عقل في قيادة القسام عوض سلمي(استشهد أواخر العام 2000م) بقتل الكولونيل «مئير منير» قائد القوات الخاصة في قطاع غزة بعد أسابيع قليلة من اغتيال عماد عقل، وقد اعترف الاحتلال بأن تلك العملية هي الأخطر والأكثر دقة في تاريخ الاحتلال…ولهذا سادت في الأوساط السياسية-الإعلامية الإسرائيلية مقولة مفادها أن حماس هي مثل أفعى الهيدرا كلما قطع لها رأس نبت لها رأسان…وقد قام أحد الخطباء في مهرجان لحماس في غزة بالرد و بتــحد صاخب فقال:نـقول لرابين بأن حماس لها خمسون ألف رأس كلما قطع لها رأس نبت لها خمسون ألف رأس!
وكان من عمليات القسام النوعية التي زادت من حيرة أجهزة الاحتلال وحنـقها على حماس، قيام بعض الشباب بالتظاهر بالوقوع في العمالة للشاباك والشين بيت، وتسليمهم معلومات مدورسة لمجنديهم، ومن ثم قيامهم بقتل الضابط المشغل؛ وقد نجح الشهيد ماهر سرور من مخيم عايدة في لعب هذا الدور وقتل الضابط «حاييم نحماني» وبعده نجح الشهيد عبد المنعم أبو حميد من مخيم الأمعري بلعب نفس الدور وقتل الضابط «نوعام كوهين» المعروف باسم «الكابتن مجدي»، وهذه الاختراقات من العلامات الفارقة في تاريخ المقاومة الفلسطينية.
(11)مجزرة الحرم الإبراهيمي…والعمليات الاستشهادية
 انتهج أسلوب جديد، إضافة إلى ما سبق، وهو أسلوب العمليات الاستشهادية، وبروز ظاهرة المهندس، وهي ظاهرة جديدة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وكان أول المهندسين كما نعلم هو يحيى عياش؛وقد بدأت العمليات الاستشهادية محدودة وركزت على داخل الأراضي لمحتلة سنة 1967م(مثل عملية بيت إيل –نفذها سليمان زيدان) إلا أن مجزرة الحرم الإبراهيمي في منتصف شهر رمضان الموافق يوم الجمعة 25/2/1949م جعلت العمليات الاستشهادية الأسلوب الأبرز في عمليات القسام، حيث أعلنت أن ردها سيكون بخمس عمليات؛ وبعد أسابيع قليلة نـفذت عمليتان بـفارق أسبوع فيما بينهما في مدينتي العفولة والخضيرة، وأعلن أن المنفذين هما رائد زكارنة و عمار عمارنة، وجاء الإعلان ببيانات مكتوبة، سبقها تصريح علني من القيادي في حماس في الأردن محمد نزال…وسادت فترات متقطعة من العمليات والهدوء النسبي، وقد بات على حماس مراعاة الظرف الجيد بعد تطبيق الشق الأول من اتفاق أوسلو، حيث أن واقعا سياسيا وأمنيا جديدا قد نشأ، وأخذت سلطات الكيان تتبع العقوبات الجماعية والإغلاقات، ما اضطر حماس إلى المباعدة بين عملياتها.
(12)اغتيال المهندس…والثأر والتبعات
جدّ الاحتلال في البحث عن المهندس يحيى عياش، لتصفيته أو اعتقاله، وحاكت سلطات الاحتلال وإعلامها الأساطير حوله، نظرا لتخبطهم؛ فقالوا مرة أنه يتنكر بزي حاخام ويـقيم بينهم…إلا أن طمع شمعون بيرس في الفوز بالانتخابات بعد مقتل رابين كان كبيرا، وكان عياش مختفيا في قطاع غزة، وقد أوقف العمليات لمدة ستة أشهر، وربما كان يمكن أن تطول، ولعل وقفها جاء وفق تـفاهمات غير معلنة بين حماس والسلطة عبر وسيط أو مباشرة، لكن بيرس أراد أن يجلس على كرسي رئاسة الوزراء وعلى كفيه دماء يحيى عياش، وهي الجلسة التي لم يحصل عليها!…في مطلع العام 1996م اغتال بيرس المهندس بتفجير الهاتف النقال، كما نعلم، وهذه الجريمة استفزت حماس وعموم الشعب الفلسطيني، بل جماهير الأمة العربية والإسلامية، وكان واضحا أن رفاق السلاح وزملاء عياش من أمثال محمد الضيف ومحييى الدين الشريف وحسن سلامة، لن يسمحوا لبيرس أن يهنأ وأن تمر فعلته بلا عقاب قاس…وبعد مهرجانات واحتفالات وأناشيد وبوسترات لعياش لمدة استمرت خمسين يوما، جاء الرد عنيفا ومزلزلا، في القدس وعسقلان وتل أبيب، وسقط المئات بين قتيل وجريح، وأغلقت المناطق الفلسطينية، وبدأ التوتر بين حماس والسلطة، وانعقد مؤتمر شرم الشيخ لإدانة الإرهاب(المقصود تجريم حماس والجهاد وحزب الله) ولم يتغيب عنه آنذاك سوى سورية ولبنان، ومع أن حماس دفعت ثمنا باهظا لثأرها إلا أنها حققت مجموعة من الأهداف وأوصلت رسائل هامة؛ فقد برهنت أن لعياش تلامذة ربما يتـفوقون عليه في الإعداد والتصنيع، واستجابت لمطالبات الثأر الفلسطينية والعربية والإسلامية، وحرمت بيرس وإلى الأبد من الفوز في الانتخابات(حاول بعدها بشهور في عناقيد الغضب في لبنان وفشل بعد تنفيذ مجزرة قانا الأولى)، واقتصر التوتر بين حماس والسلطة على اعتقالات وتبادل اتهامات، ثم خف التوتر بعد شهور، وأفرج عن أغلب المعتقلين.
(13)أواخر شتاء سنة 1996م وحتى خريف 2000م
هذه فترة حرجة وصعبة، تراجع فيها العمل العسكري تدريجيا بوضوح، سواء لحماس أو للجهاد الإسلامي، الفصيلان الوحيدان المناديان بخيار الجهاد والمقاومة في تلك الفترة، حتى أنه في العام 1999م لم تنفذ إلا عملية واحدة قتل فيها صهيوني واحد، صحيح أنه نـفذت العديد من العمليات التي كان مهندسها محمود أبو هنود غالبا في 1997م و1998م، لكن الشارع الفلسطيني بدأ يشعر بالضجر، وفقدان البوصلة، وعدم الرضا عن أي فصيل، وانشغل الناس بحياتهم الخاصة.
وهنا أسجل خطأ لحماس لا سيما في الضفة الغربية، حيث أن خطابها بـقي جامدا ولا شيء فيه إلا الدعوة إلى المقاومة، وهذا طبيعي ومن حقها، ولكنها أهملت الحديث عن الأمور الحياتية والمعيشية والاجتماعية التي باتت الشغل الشاغل للناس وقتها، أكثر من انشغالهم بالسياسة، فكان من المهم أن يتحدث الخطيب على المنبر ولو لمرة في الشهر عن الفوضى في الشوارع، وعن الأقساط الجامعية، وعن البيروقراطية السائدة، وعن هموم العمال والفلاحين وخريجي الجامعات، وتذمر الناس من البلديات، لا أن يجعل كل حديثه عن الصهاينة وأحزابهم وتاريخهم وتصريحاتهم، سيما أن كلامه لن يكون تأثيره إلا دقائق معدودة…على كل أحد كتبة الأعمدة في صحيفة الرسالة أقر وقتها بوجود حالة من التراخي والفتور يسود أوساط شباب الحركة الإسلامية وقتها.
وكان ثمة شعاع أمل للمراهنة على خيار المقاومة وهو لبنان، فحزب الله كانت ظروفه مختلفة تماما عن حماس والجهاد، وقد راكم الحزب قوته، مستندا إلى تأييد من حكومة لبنان، ودعم سوري وإيراني، واشتدت ضرباته، وبدأ الخلل والانفلاش يصيب جيش العميل أنطوان لحد، وبدأ الجيش الصهيوني يفقد الأمل بالنصر وهو كل يوم يدفن له جندي أو ضابط في مواجهة مقاتلي الحزب، وبدأ الحديث على لسان قادة الكيان عن الانسحاب من الشريط المحتل في الجنوب اللبناني، وحدث الانسحاب في 25/5/2000م وكان نصرا بكل ما للكلمة من معنى، فالعدو انسحب تحت الضربات، وبلا ضمانات أو ترتيبات، وشاهد الفلسطينيون كيف أن رجال الحزب يرفعون الرايات فوق المناطق المحررة، واستوعب الفلسطينيون الرسالة، والتي أكد عليها حزب الله بأن على الفلسطينيين أن ينتهجوا نـهجه، وسارعت حماس والجهاد الإسلامي لاستخدام التجربة اللبنانية برهانا على فكرهما السياسي.
وفاز إيهود باراك صيف 1999م، وفرح كثيرون، وإعلاميون عرب بكوا فرحا يوم أعلن فوزه، ليعلن لاءاته المعروفة بعد سويعات من فوزه، وفشلت كامب ديـفيد، وانسد أفق التسوية، وكان كل شيء يوحي بأن الوضع لن يبقى على حاله فاندلعت انتفاضة الأقصى أواخر أيلول/سبتمبر 2000م لتبدأ مرحلة جديدة، وكانت الأعين تتجه إلى حماس للرد على شلالات الدم، والبيوت المملوءة بالحزن والمآتم التي لا ينتهي أحدها حتى يبدأ الآخر، وأصدرت كتائب القسام بيانا شديدا وتوعدت بالرد على جرائم الاحتلال ودعت الصهاينة أن يجهزوا الأكياس لأشلاء قتلاهم،
وكانت عودة القسام للعمل في الضفة والقطاع أشبه بمعجزة، وكأنها بدأ من الصفر تقريبا.
(14)العمليات الاستشهادية وصواريخ القسام
ومع اشتداد وتيرة انتفاضة الأقصى، استؤنفت العمليات الاستشهادية بـقوة، وشاركت بها فصائل أخرى، لكن عمليات القسام كانت مميزة، لدرجة بات المواطن العادي بات يحزر من يقف وراء العملية حين وقوعها، ولكن كتائب القسام قامت بابتكار جديد، وهو الصواريخ محلية الصنع من طراز قسام، وقد تـطورت هذه الصواريخ، ولكنها بقيت في قطاع غزة، ومع أن الاحتلال دمر عشرات الورش التي شك بأنها تنتج هذه الصواريخ، واغتال الكثير من القادة والعناصر، فإنها في غزة بقيت بل تقدمت وأضيف لها ما هو مهرب مثل الجراد، أما في الضفة الغربية فقد تعامل الاحتلال بقسوة مع أي شخص أو مجموعة لها علاقة بمحاولة نـقل تكنولوجيا الصواريخ، حيث أن هذا سيغير قواعد اللعبة تماما، فقتلت واعتقلت من حاولوا ذلك، وحكمت عليهم بأحكام مبالغ فيها، كما أن شارون وموفاز عمدا إلى إفراغ ساحة الضفة الغربية من القيادات الحمساوية المؤثرة بالقتل أو الاعتقال؛ أمثال السركجي ودروزة والجمالين وأبو الهيجا والسيد والباز والقائمة تطول…ولكن هل كان يجب وقف العمليات الاستشهادية في الداخل بعد ربطها بما يسمى الإرهاب؟الحقيقة هذا أمر مثير للجدل، لكن الجمهور الفلسطيني كان متعطشا للانتقام والثأر بسبب جرائم شارون، وكان هذا هو الأسلوب الوحيد، نظرا للتحصينات في الضفة الغربية.
(15)الاندحار عن غزة…والانتقال إلى الميليشيا
كما أي احتلال في العالم، تدخل حسابات الربح والخسارة، بات وجود الاحتلال داخل قطاع غزة مكلف للاحتلال، ولولا المقاومة لبقيت غوش قطيف ونيتساريم، فقرر شارون الانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة، بتفكيك المستوطنات، ومعسكرات ومقرات الجيش، ومع أن القطاع بقي بالتعريف الدولي محتلا، نظرا لسيطرة إسرائيل على المعابر، والبحر والجو، إلا أن هذا يعتبر إنجازا للمقاومة، لأن أي جزء يتحرر من فلسطين هو مكسب وطني كبير.
ولكن مأساة الضفة كانت كبيرة؛ فالجدار حدّ من العمليات الاستشهادية، بل جعلها شبه مستحيلة، وعمليات المداهمة والاعتقال التي لم تتوقف منذ نيسان/أبريل 2002م، والدمار الاقتصادي، واليأس والإحباط بسبب ما جرى في العراق، هيأ ساحة الضفة لتقبل بالهدوء مقابل الهدوء، وقد لوحظ أن الاحتلال لا يسمح بوجود أي قطعة سلاح بيد حماس حتى لو كانت مخبأة وغير مستخدمة، كما أن هناك ظاهرة سلبية زادت الطين بلة وهي ما عرف بالفلتان الأمني، حيث باتت مجموعة من العائلات والمجموعات المسلحة هي المتحكمة بالأوضاع، وسادت ظاهرة أخذ القانون باليد، وبات الحال أشبه بوجود كانتونات يتحكم بها أمراء حرب!
في قطاع غزة كان هناك فلتان أمني كما الضفة، لكن الاحتلال يوشك أن يغادره، وبالنسبة لكتائب القسام فقد بدأت تظهر؛ فمحمد الضيف قائد الكتائب، ظل حتى اللحظة مختفيا، ولا يظهر إلا بتسجيلات قصيرة، أو ببيان مكتوب، بفترات متباعدة، ولكن بعد الانسحاب من غزة ظهر القيادي الشهيد أحمد الجعبري، وأصبح للقسام ناطق باسمها، وانتقلت من أسلوب المجموعات والخلايا، إلى الألوية الموزعة على مناطق، وبات لها معسكرات تدريب، وفروع خاصة بها إعلاميا ولوجستيا، وانتقلت إلى العمل كمليشيا(المقصود بالميليشيا القوات غير النظامية التابعة لجهة ما) منظمة.
لكن نمو الكتائب في غزة كان على حسابه في الضفة، وباعتقال الاحتلال للقيادي إبراهيم حامد (في آذار 2006م) لم يعد للقسام وجود يذكر في الضفة الغربية، علما بأن الضفة هي بؤرة الصراع لأن فيها القدس والمستوطنات الكبرى.
(16) شاليط ومستقبل الأسرى
 كانت عملية الوهم المتبدد، ذات دلالات كبيرة، سبق وأن استعرضتها في مقالات سابـقة، لكنها أسفرت بعد بضع سنين عن تحرير مجموعة كبيرة من الأسرى مقابل الجندي جلعاد شاليط، ولكن بقي أسرى غيرهم، ولا يمكن لحماس تركهم، وهنا ثمة العديد من الخيارات أمام القسام:-
  1. عملية اختطاف جديدة من القطاع، ولكن هل يحتمل القطاع ما احتمله، وهل كتب على القطاع أن يتحمل الفاتورة وحده؟وهل يمكن توقع رد فعل الاحتلال الذي قد يشن هجوما كاسحا؟
  2. عملية اختطاف في الضفة الغربية، وإذا كانت العملية ممكنة، كما تـثبت التجربة، لكن الأرجح أن الكيان سيرفض مبدأ التبادل وستنتهي العملية كسابقاتها(لنتذكر نهايةعملية فاكسمان)، ثم إن الضفة تحت المجهر الصيهوني.
  3. أن تغير حماس أسلوبها بقصر عملها العسكري على الداخل، لأن هذه سياسة تكتيكية يمكن تغييرها، وأن تستعين هنا بالحركات الإسلامية الأخرى، بما في ذلك تلك التي تملأ الدنيا تنظيرا عن فلسطين، وترفع السلاح أحيانا ضد آمنين، صحيح أن هذا يعني إبـقاء حماس على لوائح الإرهاب، ولكن تحرير أسير واحد خير من ألف لقاء مع مسئولين غربيين، ثم أنه ثـبت أن الغرب يخضع لمن يمسك بأوراق القوة، كما أن الاحتلال بدّل أسرى بجثث جنود لأن الاحتجاز في الخارج.
 (17) الحربان ومستقبل التهدئة
كانت حرب الكوانين(الفرقان) أواخر 2008م وأوائل 2009م في ظروف معقدة سياسيا وأمنيا وعسكريا، وإذا كانت المقاومة صمدت لمدة 23 يوما، ولم يجرؤ الاحتلال على إعلان أهدافه التي بقيت قيد التكهن، إلا أن عدد الشهداء كان كبيرا، وأغلبهم من المدنيين، ودمرت مئات الألوف من المباني والمنشآت والمؤسسات والمرافق الحيوية، دون أن يـقتل عدد كبير من الجنود أو المستوطنين، ولكن يسجل أن المقاومة تعلمت من التجربة، واتخذت من الهدوء فترة إعداد وتجهيز، وبعض القوى المحسوبة على السلفية كانت تزاود بإطلاق صواريخ ضعيفة، ولم يكن لها أي نشاط حين وقعت الواقعة!
كان مؤلما الإعلان عن شهيد بمهمة جهادية، وخضع الأمر لتأويلات، و من الإعلاميين من غمز ولمز؛ ولكن جاءت معركة حجارة السجيل التي أسماه الكيان عامود السحاب، لتزيل الغبش وتوضح الصورة، وقد تبين أن دور المؤسسة في حماس لا يقتصر على السياسي، بل يتعداه إلى العسكري، فاستشهاد الجعبري، لم يحدث فوضى أو انهيارا في الكتائب، ولو لساعة واحدة، وكان الأداء جيدا، اتضح فيه استخلاص عبر المواجهات السابقة.
والآن هناك تهدئة، وكلنا يعلم أن الكيان لن يلتزم بها طويلا، بل هو يخرقها حاليا بطريقة استفزازية، وقد عرفنا أن الوضع العربي بعد الثورات أفضل منه ما قبلها، لكنه ما زال دون المأمول والمشتهى والمطلوب، ولكن هنا نطئمن أن المقاومة أثبتت أن النصر لا يسكرها، وهي بلا شك تستعد للمواجهة القادمة.
ولكن ماذا عن الضفة الغربية؟فغياب المقاومة أدى لتسارع وتيرة الاستيطان، وجرأة غير مسبوقة للمستوطنين على الأهالي، ومن نتائج الحرب الأخيرة، أن غالبية الناس باتوا يؤمنون بخيار البندقية، ولكن هناك خوف من الفلتان والفوضى، وعدم تحقيق شيء من المواجهة مع الاحتلال، وأنا على قناعة أن وقف العمل العسكري في الضفة الغربية أو كونه في السنوات الأخيرة محدودا وشبه موسمي، ليس فقط لظروف الضفة الغربية الصعبة والمعقدة، بل لأن هناك على ما يبدو قرار بذلك…على كل القدس أغلقت وتهويدها يكاد يكتمل، والمستوطنات يتم تسمينها، والناس أغرقتهم الديون، والطبقة المتوسطة تتلاشى، والشباب يعيش حيرة وغضبا، ولا ننسى الأسرى الذين يخوضون معركة الأمعاء الخاوية، ولكن، وبصراحة وواقعية، فإن الضفة الغربية لا يمكن أن تتحرك بلا رغبة أو مشاركة من قواعد فتح، ففتح هي كلمة السر لإشعال الفتيل..
(18)تراجع المشروع الصهيوني

أفول نجم المشروع الصهيوني أمر أكيد وحقيقة لا وهم، فلم تعد إسرائيل واحة ديموقراطية وسط صحراء قاحلة من الديكتاتورية، وباتـت عبئا على داعميها، وفقدت ميزة القوة الضاربة المتقدمة في المنطقة؛ فأمريكا تجنّدت مع أكثر من ثلاثين دولة لكسر القوة العسكرية العراقية، ولكن إسرائيل اندحرت أمام حزب الله، وأمريكا اضطرت لاحتلال العراق مباشرة، فما فائدة «تساهال»؟ ثم اندحر الاحتلال عن غزة، ولم تتمكن إسرائيل من كسر المقاومة في 2008/2009م وأخيرا باتت غزة تضربها بصواريخ تطال عمقها، أما الجانب الاقتصادي، فإسرائيل دولة تعيش على الدم المـنقول.
و الولايات المتحدة الداعم الأقوى والأهم للكيان، فباتت تعاني من أزمات متراكمة، وتسعى إلى تسويات، وإبرام صفقات، كانت ترفض مجرد الحديث عنها قبل سنوات، مع من كانت تنظر إليهم كإرهابيين، وواضح رفض أمريكا الحل العسكري للتعامل مع إيران، وهو ما تريده إسرائيل، ولو تورط الأمريكان في إيران فإنهم سيخرجون مثخنين بجروح عميقة لا يرجى بعدها شفاء للامبراطورية الأمريكية، وهنري كيسنجر قال بوضوح أنه لن يكون هناك إسرائيل بعد عشر سنوات، وتـقارير قدمت إلى باراك أوباما من ست عشرة مؤسسة استخباراتية مفادها أن إسرائيل ستنتهي في العام 2022م كحد أقصى…ولو وضعنا التحليل السياسي مع دراسة الأستاذ الشيخ بسام جرار القرآنية سنذهل من درجة التـطابق…وعليه فإن حماس بحواراتها وتصرفاتها يجب أن تتعامل وفق هذه الحقيقة، وتبني الخطط بناء عليها، ولا تسمع لتحليلات المرجفين، وتـقرأ بتمعن سنن الله في الكون، ومن سننه أن هذه الأرض لا يعمر فيها ظالم.
(19)العلاقة مع الجهاد الإسلامي

بصراحة أدرك صعوبة الوحدة الاندماجية بين حماس والجهاد في المدى القريب، ولكن لماذا لا يتم تـفعيل وتطوير الأطر التنسيقية وغرف العمليات الميدانية، بدل بقائها في الإطار الديكوري الإعلامي؟وهناك أمور بادر إليها أسرى الحركتين في بعض السجون الصهيونية بتوحيد جلسات التـثـقيف الشرعية والفقهية وما شابه…ولكن ذراعا الحركتين الطلابيين (الكتلة والرابطة) كانا في ما مضى يخوضان انتخابات الجامعات بقائمة واحدة، والآن كل يخوضها بمفرده، ولا أجد تبريرا مقنعا لهذا، وأعزو الأمر إلى اتباع الهوى ونزغ الشيطان!
ولا ننسى كيف أن بعض الكتبة والإعلاميين من مخلفات موسكو أرادوا الاصطياد في الماء العكر بسبب اللغط حول زيارة د.رمضان شلح إلى غزة، فوجب وجود تنسيق أعلى وأكثر تطورا…ولمزيد من الوضوح فإن هناك بعض الجهلة من قواعد الحركتين، وليس من قمة الهرم، يطلقون الشائعات، ويغمزون ويلمزون، أو يثيرون خلافات قديمة، المفروض أنه جرى تجاوزها أو حلها، وساحة هؤلاء إما نـقاشات مباشرة أو عبر العالم الافتراضي(الإنترنت)…فوجب القناعة بأن الجهاد الإسلامي يكمل حماس ويشد أزرها، وبأن حركة الجهاد الإسلامي هي قشة في مهب الريح بلا حماس، ولعلهما تذوقتا لذة الوحدة والتنسيق، وآلام الفرقة والعمل المنفرد…فهل سنسمع ما يسرنا في المرحلة القادمة؟!
(20)العلاقة مع فتح

دون الاتـفاق على برنامج سياسي ستبقى الأمور على حالها، صحيح أنه وقعت اتـفاقيات كثيرة بعضها يتضمن برنامجا سياسيا(وثيقة الأسرى مثلا) إلا أن الأمور على الأرض بقيت مختلفة؛ ولكن لو توصلت فتح إلى قناعة بما ذكرته آنـفا أي قرب نهاية إسرائيل، واعتمدت المزاوجة بين المقاومة المسلحة والتفاوض، ستكون الأمور أكثر سهولة…ومما يزيد في تعقيد الأمور وتشابكها أن فتح ليست بلون واحد، ولا مدرسة سياسية جامعة، بل هناك اختلاف على تعريف من هو العضو في فتح…ومع ذلك فإنه يفترض أن تكون الحركتان تـفهمان بعضهما جيدا، نظرا للاحتكاك والتعامل الدائم بدءا من الأسرة والبيت، مرورا بالسجون وأماكن التعليم وأماكن العمل والشارع؛ إلا أن الغريب في الأمر أن هذا الفهم ليس موجودا؛ فهناك سوء فهم واضح، أما سياسة قصر الحوار على القيادات فهذه بحاجة إلى إعادة نظر، مع أنه تبين أن القواعد يلتزمون بقرار القيادات مهما أبدوا من احتجاجات، ولكن لا مناص من الحوار الأفقي تزامنا مع العامودي، حوار صريح يعتمد المكاشفة ولا يضع القمامة تحت السجادة، وحوار لا يهدف إلى إعادة إنتاج حالة سياسية مجرّبة، بل إلى التوصل إلى برنامج مشترك لتحرير الأرض…وحتى ذلك الحين سيكون الحال هو فض اشتباك، وعلاقات عامة، وإدارة أزمة…كما أن إشعال فتيل الضفة الغربية بيد فتح دون سواها، ولعل حماس باتت على قناعة بهذه الحقيقة، وعلى فتح أن تدرك أن حماس حركة كبيرة، تختلف عن أحزاب وفصائل المكاتب والديكورات والتنظير الخالي من سند شعبي على الأرض، ولا يمكن لحماس أن تتخلى عن قناعاتها، ولكن يمكن التوصل معها لأرضية عمل مشتركة، لمصلحة الشعب أولا والحركتين المركزيتين ثانيا.
(21)حماس والانتخابات البلدية
منذ عشرين سنة أو يزيد أعلنت حماس أنها ستشارك في انتخابات البلديات، مثلما تشارك في انتخابات الجامعات والنقابات، ولكن لم تنظم انتخابات مجالس محلية إلا في أواخر العام 2005م وقد شاركت بها حماس، وخاضتها بقوائم تشمل أفرادا ليسوا منها سواء بالمعنى التنظيمي، أو بالمعنى الفكري والسياسي، وفازت حماس بالطبع، ولكن كيف قبلت حماس ولم تضغط كفاية لإجراء الانتخابات البلدية -التي جرت بالتقسيط- في المواقع التي لم تجري فيها ومنها مدينة مهمة هي الخليل؟بل اكتملت الانتخابات التشريعية دون اكتمال المحليات، واستمر هذا الأمر حتى بعد تشكيل حماس حكومة، وقبل التوتر الداخلي، فلماذا؟
و كان لبعض الكوادر وجزء من القواعد تحفظات على ترشح بعض الأشخاص، ممن لا ينتمون إلى الحركة، تدفعهم مشاعر عنصرية مقيتة، الشرع يرفضها، ولكنهم غلفوها بالعصبية للحركة وما قالوا أنه «الانتصار للدعوة» وقد لجأ بعضهم إلى الإنترنت لكتابة كلام ما كان أحد يتوقعه فيما يخص طريقة الحوار بشئون حماس الداخلية وكوادرها بحيث نشر تشهير على الملأ بأسماء مستعارة وبتفصيلات كثيرة لا يجوز نشرها للعامة، وبعضهم غضبته كانت لأنه كان يريد تكرار سياسات البلديات المعينة السابقة، ناسيا أن شعار حماس كان التغيير والإصلاح، وليس الإحلال والاستبدال…ومن الأمور المضحكة التي أثيرت في هذا السياق ، سوق أمثلة لتبرير هذه العنصرية تنم عن عقم فهم للسيرة النبوية، وسطحية ساذجة جدا؛ مثل القول بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يضع خالد بن الوليد، على قيادة الجيش الذي توجه إلى مؤتة، ولم يضعه خيارا ثانيا أو ثالثا، لأنه حديث عهد بالإسلام، ويـنسى هؤلاء أن الحديث يدور عن مؤسسة خدماتية وليس عن قيادة كتائب القسام، وأن الشأن التنظيمي قد لا يخضع للانتخابات أو لانتخابات مجموعة معينة، بينما المرشح لمنصب عام عامة الناس من سينتخبونه أو ينتخبون خصمه…ثم عن السؤال الأكثر أهمية وإلحاحا:إذا كان هناك إخفاقات في أداء البلديات، هل مرده فقط الأفراد الذين ترشحوا في قوائم الحركة وهم ليسوا منها؟الجواب «لا» كبيرة، فلعل هؤلاء كان أداؤهم خير من أعضاء الحركة في ذات المجالس…أتحدث عن هذه المسألة حتى تـقوم حماس في المرحلة المقبلة بتثقيف سياسي-اجتماعي يفصل بين ما هو تنظيمي وما هو شعبي أو خدماتي للناس، وقد تكون الحجة أن سوء أداء المرشح ينعكس على من رشحه، صحيح، ولكن هل إذا كان عضوا في الحركة يكون أداؤه أفضل؟الأمر يخضع لقدرات وأداء الشخص وليس لانتمائه السياسي…وهذا يقودني لمسألة حساسة.
(22)مؤسسات حماس الخدمية والصحية وغيرها

حماس تطالب، باستعادة هذه المؤسسات، والورقة المصرية تنص على ذلك، ولكن هل كانت تلك المؤسسات على ما يرام؟ألم يخطر في البال أن ما جرى هو عقوبة من الله، والله تعالى سبق أن عاقب صحابة رسوله؟ لقد بكى إعلام حماس وصرخ لأن أفرادا جرى فصلهم من هذه المؤسسات التي سلمتها السلطة لإدارات اختارتها هي، ونسيت حماس أن السلطة ما كان يمكن أن تـفصل أي شخص مثبت في وظيفته في المؤسسات المذكورة، فلم يا ترى كان هؤلاء الرجال والنساء من غير المثبتين، مع العلم أن كوادر أو عناصر حماس كانوا يديرون تلك المؤسسات؟ أليس هذا خللا يتطلب مراجعة ومحاسبة؟ ولا أريد الخوض في كل تـفصيلات المؤسسات الخدماتية والصحية التابعة لحماس، ولكن المؤكد أن من كانوا يديرونها ارتكبوا أخطاء متراكمة، وكثير منهم لم يكن جديرا بموقعه فاستمر فيه، وبعضهم كان يتعامل بعنصرية جهوية مناطقية منـفّرة، وكان التعامل مع كادر الموظفين، وأغلبهم من المحسوبين على الحركة والمقربين منها، أو من أبنائها فعلا، تعاملا غير مريح من نواح شتى، ولهذا كان كثير منهم يغتنم أي فرصة للتوجه إلى العمل الحر أو الوظيفة الحكومية، وهم أمامكم فاسألوهم، وأزيد على ذلك أن التوظيف في هذه المؤسسات لم يكن يراعي من هو بحاجة أكثر من أبناء الحركة وأنصارها بل خضع الأمر لمعايير دخل فيها ما كانت حماس تمتاز عن غيرها بعدم وجوده، وأقصد نعرات المخيم والقرية والمدينة وعائلة فلان أو علان.
قد تستعيد حماس هذه المؤسسات، وقد يسمح لها بإنشاء مؤسسات أخرى فهل ستبقى سياستها كما كانت؟لقد عهدنا حماس تراجع سياساتها وتتعلم من أخطائها، ولكن كان هذا يقتصر على عملها السياسي والميداني وقد آن أوان أن يشمل الاتعاظ من الخطأ كل مؤسسة حتى لو كانت ناديا رياضيا موازنته ألف شيكل!
(23)حماس ودخول السلطة
دخلت حماس السلطة بعد تشاور داخلي، وتوافق فصائلي في القاهرة، ولكن هل ظنت حماس أنه يمكنها دخول السلطة بأريحية دون اعتراف الحكومة التي تـقودها بإسرائيل؟ثم لماذا لم يكن هناك تزامن في دخول السلطة والمنظمة، حتى لا تـقع الإشكالية التي وقعت؟…ومن الخطأ الاعتقاد أن حماس لو لم تدخل السلطة، أو لو لم تنافس على الأغلبية لم يكن الاقتتال ليقع، بل كان سيقع –للأسف- تحت يافطة وعنوان آخر، ولكن هل كان على حماس تشكيل الحكومة العاشرة؟وإذا كان الأمر ضروريا، ألم يكن الأجدر قبل تشكيلها جمع مبلغ كبير استعدادا للحصار الذي ظهرت بوادره بعد نتيجة الانتخابات مباشرة؟ثم إن للحكومة متحدث رسمي ورئيس وزراء ووزراء، ومكتب إعلامي، فلماذا قام الأخ خالد مشعل بإحراج الحركة والحكومة في خطابه في دمشق في نيسان/أبريل 2006م بالحديث عن سرقة المكاتب والطاولات والشاي والقهوة من الوزارات؟فيفترض أن هذا شأن الحكومة لا الحركة!
وما دامت حماس قد فازت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وهي تدرك أن الاعتقال يتهدد النواب، فلماذا لم تـقم فورا بتمرير قانون التوكيلات للمعتـقلين؟ ووقتها ما كانت فتح لترفض لأنه كان لها أربعة نواب أسرى، ونائب مطارد، والجبهة الشعبية أمينها العام أسير وهو نائب، ولم تكن الحملة الاعتقالية قد بدأت، فلماذا لم يتم تمرير القانون وقتها حين كان إقراره سيكون بالإجماع، بل لربما تردد الاحتلال بشن تلك الحملة أو قلل من كثافتها، لأن هكذا قانون يقطع الطريق عليه.
(24)نواب الضفة…بصراحة

بما أن الضفة هي بؤرة الصراع الحالي، ومعلوماتي عن نواب غزة شحيحة، فسأتناول هنا وضع نواب الضفة الغربية بصراحة؛ فالنواب الإسلاميون مشهود لهم بالخلق الحسن، والتاريخ النضالي، والوعي والثقافة والعلم، وحسبهم من أوسمة الشرف قضاء سنين في الأسر فقط لأنهم ترشحوا في قوائم الحركة وانتخبوا من شعبهم، فهم على العين والرأس، ولكن المواطن لا يريد هذا فقط من النائب، لأننا لسنا في سويسرا أو النرويج، وإذا كان هؤلاء النواب أرادوا إيصال رسالة بأنهم يبتغون وقف سياسة التوظيف وجلب المساعدات المالية، لأنها ليست من عمل النائب، فإن وقف هذا يكون بتحسن ملحوظ لوضع الناس الاقتصادي، وليس في وقت حصارهم…وإذا كان المجلس التشريعي معطلا، وإذا كان نواب الضفة لا يتعاملون مع حكومة فياض، لأنها لم تنل ثـقة التشريعي، ولأنهم قضوا سنوات في السجون بعد انتخابهم، فإنه من الإجحاف الحكم عليهم بهذه السرعة؛ ولكن أنا لا أعفي حضرات النواب من مسئولياتهم ولدي نـقاط وملاحظات سريعة ومهمة:-
  1. عمد العديد من النواب إلى توظيف أقاربهم من الدرجة الأولى، كمرافقين ومدراء مكاتب وما شابه، وهذا أثار حفيظة القريب من حماس قبل البعيد عنها، مع العلم أن راتب النائب 2500$ ولديه مصروفات مكتب 8000 شيكل، وإذا كان حرّا فيها فلا يخصنّ بها أقاربه دون غيرهم،ولم لا يوظف شخصا متزوجا ورب أسرة بألفين وخمسمئة شيكل بدل ألف شيكل مثلا!
  2. لقد بدأت الناس تهمس، ثم تعالى الصوت بشأن رواتب نواب مجلس معطل، وكنت وما أزال أنتظر مبادرة من حضرات النواب الإسلاميين باقتطاع جزء من رواتبهم(1000$ مثلا) توضع في حساب لأمور خيرية، وما أكثر أبواب الخير، والأكثر منها حاجات الناس، وبهذا يسجل النواب نـقطة بيضاء ناصعة، قد تدفع نوابا من القوائم الأخرى لتقليدهم، وتخف حدة أصوات التذمر المتهمة، ولربما هم يتصدقون بجزء من رواتبهم سرّا، لكن حالتهم لا يفترض أن تكون «لا تعلم الشمال ما تصدقت به اليمين» ولا محاولة تـقليد جابر عثرات الكرام وزائر الليل المحسن؛ فالشخص المنتخب يجب أن يرى الناس عمله جهارا نهارا!
  3. كثير من النواب لا نحس منهم من أحد ولا نسمع لهم ركزا، علما بأن لهم حصانة لا بأس بها، وقد عكفوا على خاصة أحوالهم، وأغفلوا شئون إخوانهم، بحجج يقال عنها بأنها تبرر رغبتهم في مغانم النيابة، واجتناب مغارمها!
ولعل ثمة أمور أخرى تتعلق بوضع النواب باتت معروفة، وعليه على حماس مستقبلا تجنب إعادة ترشيح أي نائب من نواب الضفة الحاليين، إلا بعد دراسة معمقة لكل أبعاد وضعه ومحاوره الكبيرة والصغيرة، على أن تحدد الحركة سلفا عدد النواب الذين سيعاد ترشيحهم من جديد.
(25)حماس والوزارات

تتذرع حماس بتوظيف عناصرها وكوادرها، في الوزارات والمؤسسات، بأنه كان بسبب الإضرابات المسيّسة؛ ولكن هل كان من الضروري منح هؤلاء درجات مدراء وإنزالهم بالباراشوت على الوزارات؟ولماذا تم تجاهل كثير من الموظفين الذين فرحوا واستبشروا وأبدوا رغبة في التعاون مع الحكومة الجديدة وبرنامجها وحتى أنهم انتخبوها؟وهذا سهل تصاعد حنقهم، خاصة في ظل انـقطاع الرواتب، وكان من الخطأ رمي الموظفين عن قوس واحدة…والتبرير الآخر بأن فتح قد فتحت أبواب التوظيف ومنح الدرجات حتى لغير المؤهلين من عناصرها، فهل انتخب الناس حماس لاستبدال الأخضر بالأصفر؟أم أن نـقمة الناس على هذه السياسة وما نتج عنها جعلتهم يصوتون بكثافة لحماس؟ وهنا لا أقول بأنه كان على حماس عدم توظيف كوادرها وعناصرها بالمطلق، ولكن ما جرى هو عشوائية، واستحضرت فيها المثل الشعبي «هجين ووقع على سلة تين!!» وهناك أشخاص تم تعيينهم في مواقع لا يمكنهم إدارتها نهائيا، وكان الأجدر استثناء المؤسسات التي فيها أصلا موظفين مهنيين متعاونين من التوظيف، أو من جلب موظفين بدرجات عالية(مدراء) إليها…ومن فترة انتقدت في حوار عابر مع عضو مجلس ثوري فتح استخدام أي وزارة أو مؤسسة حكومية لنشاط تنظيمي، حتى لو كان تصوير ورقة، ولكن هل هذا الاستخدام اقتصر على فتح؟لا، لأن بعض العناصر فعلوا ذلك بالوزارات إبان الحكومة العاشرة؛ وهذا له مضار كثيرة، منها جلب شعور بالخيبة من التغيير والإصلاح، ومخالفة القانون(مخالفة غيرك للقانون لا تبيح لك المخالفة) والأهم جانب أمني، لأن الاحتلال وضع كل المؤسسات تحت المجهر، واستغلالها لأمور تنظيمية يسهل عليه تـقديم لوائح اتهام تدحض كونها مؤسسات لخدمة الجمهور فقط!
(26)وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم

لعل الله سبحانه وتعالى، قد جعل الأمور تسير كما سارت في بضع سنين خلت كي تـفيق حماس، خاصة الكتلة الشابة المنتجة فيها، وتتذكر أنها ما كان لها الاستـقرار في سلطة إلا بعد أن تحرر الأرض، وأن النزول عن جبل الرماة خطأ له عواقب وخيمة، ولا يـفوتنا أن حماس جلبت لنفسها حسد المعيشة، الذي أصاب قواعد الحركة في الضفة الغربية، في ظل ما عانوه من ظروف قاسية وحرمان، فبات حديثهم عن الرواتب الكبيرة، والجيبات الفخمة، والأبهة، والجاهة والوجاهة، التي توفرت للبعض من حركتهم…ومن هنا فإن الانتخابات تحت الاحتلال لا معنى لها، وسبق أن تحدثت عن مضارها على حماس، وهي لمست ذلك وعاشته، ولكن فيما يتعلق بالمجلس الوطني، ومنظمة التحرير، فلا بد من الإسراع بإنجازها، ولكن بـقانون واضح مفصل فاصل يضع النقاط على الحروف ويتجنب تداخل المؤسسات..فالمعركة الآن معركة تحرير، لا تـفاهمات على كيفية إدارة جسم يجري التلويح بحله، وهو في كل الأحوال خاضع في كثير من جوانبه لظروف الاحتلال وهذا يقودني لأمر آخر في ذات السياق، وهو أن على حماس، وقد رأت التفاف الجمهور حولها أن تشرك غيرها في إدارة قطاع غزة، خاصة من المهنيين والخبراء، ممن ليسوا منها ، وهنا أتحدث عن واقع موجود ولا أدري متى سيتغير فيما يتعلق بتشكيل حكومة وحدة وطنية، ولم تعد ذريعة رفض الآخر المشاركة في حكومة حمساوية صالحة الآن، فالظروف تجاوزتها، وبات من الضروري التخلي عن التفرّد، ولننظر كيف أن حزب الله له حصة من الوزراء لم يتردد في الإعلان عن التخلي عنها لصالح حلفائه، وقد يكون وزير معين غير حمساوي أنـفع للناس، ولو من باب قدرته على الــقـفز على الفيتو والحصار السياسي…وآمل ألا يطول الانتظار!
(27)الثورات العربية ومستقبل حماس

لا توجد لدي ذرة شك بأنه لو وقعت الحرب الأخيرة ومبارك في الحكم لقتلت آلة الحرب الصهيونية 3000 مواطن كحد أدنى، وهذه من أبرز التغيرات الواضحة في مرحلة ما بعد مبارك…وأنا لا أحب تعبير الربيع العربي لأنه يذكرنا بمحدودية الزمن وسرعته كما يقول مصطفى صادق الرافعي، وأفضل تعبير هو الثورات العربية، لأن الثورة فيها معنى للتحدي والاستمرارية أكثر، وهي ثورات كانت أشبه بوهم أو حلم جميل، لدى غالبية الناس، ولكن الفضل لله وحده في اندلاعها…فماذا استفادت حماس والقضية الفلسطينية من الثورات العربية؟
لقد انزاح عن صدر الأمة حكام ظلمة وأنظمة مستبدة شوّهت روح الإنسان وأخلاقه وقيمه، وبلا ريب فإن رحيل هذه النظم خير للعرب وبالتالي خير لفلسطين، ولقد توّجت الثورات بفوز الإسلاميين في الانتخابات، وهو ما استبشرت به حماس لا سيما في مصر، لأن نظام مبارك كان أشد وطأة عليها من الصهاينة أحيانا، إلا أن الأمور بعد الثورات، وإن كانت خيرا منها قبلها، فهي دون المشتهى والمأمول والمطلوب شعبيا، وحتى حمساويا، وإن لم تعلن حماس صراحة عن ذلك؛ فقد هرم كثير من الفلسطينيين من أجل أن يروا مواقف عربية تشد من أزرهم وتأخذ بيدهم، ولا تتعامل معهم ومع جلادهم وكأنهم من ذات المستوى والجرم…كما أن الوضع في سورية أثر على حماس، من نواح عدة، ومنها أن مجلس الشورى لا يجد مكانا يعقد فيه اجتماعه، ولا ندري إلى أين تتجه الأمور في سورية؛ ولكن من المعيب أن ينادي البعض بالتوجه إلى الجهاد ضد النظام في سورية، وينسون أن الأقصى هو الأولى بمثل هذه الدعوات والنداءات، وأرى أن حماس مقصرة في سكوتها وتغاضيها عن هذه الدعوات، سواء على مستوى القيادة، أو المستوى الإعلامي، وللصراحة فإن ضعف الدولة اللبنانية قوّى شوكة المقاومة في جنوب لبنان، وإذا كانت جبهة الجولان ستشتعل سواء بسبب ضعف النظام، أو للوضع الذي سينشأ بعده، فهذا أمر محمود، أما أن يكون حال جبهة الجولان هو التأمين، وتخريب الباقي، كما حصل لمقر وزارة النفط العراقية، فإن وضع سورية خسارة فادحة.
يضاف إلى ذلك هذا الفرز والتحريض والاصطفاف الطائفي بين السنة والشيعة، على حساب الاهتمام بفلسطين، وكل طرف يتهم الآخر بالعمالة للصهاينة، فيما يتفرج الصهاينة على الصراع بل يغذّونه بطرق مختلفة…وفي خضم هذا الوضع لعل حماس أدركت حجم الربح والخسارة فيما يجري، وباتت مقتنعة بالاعتماد على الذات، حيث تتجلى حكمة المثل الشعبي «ما بحرث الأرض إلا عجولها» وعلى حماس أن تستغل كل فرصة متاحة لتقوية نـفسها بالسلاح والمال والخبرات والعلاقات غير المشروطة، لأننا لن نرى الجيوش العربية تتحرك لو هدم الأقصى غدا، أو لو قررت إسرائيل شن عدوان جديد على غزة.
(28)العلاقة مع إيران

كان موقف حماس متوازنا وحكيما برفض الدخول في صراع مذهبي، إلا أن جزءا من القواعد، ومجموعات من نشطاء الإنترنت الحمساويين، انغمسوا في هذا الصراع، وهو صراع لن يـقود إلى تحرير القدس، وسبق بأن كتبت عن الحرب العراقية-الإيرانية التي كانت تحت يافطة الصراع العربي-الفارسي، والآن يراد أن يكون الصراع سنيا-شيعيا وترتاح إسرائيل وتتفرج على حمام دم تشتهيه!
قد يبرر البعض الانخراط بالصراع المذهبي بأمور مؤلمة؛ مثل الاعتداء على حرائر السنة، أو عمليات الإقصاء، أو التطاول على رموز السنة…إلخ وأرى بأن هناك من فرغوا أنـفسهم لهذه المعركة سواء عبر العالم الافتراضي، أو عبر استعدادهم لتفجير أجسادهم في الحسينيات، ولكن حماس بحاجة إلى جهود تـقربها من تحرير القدس ونابلس والخليل وحيفا، وليس من هدم قم أو مشهد أو النجف وكربلاء…ولعل حماس تدرك أن الإيرانيين يتمتعون بدهاء سياسي وحتى لو اختلفت معهم بشأن سورية، فهم بحاجة إليها، بل حاجتهم في ازدياد، وعلى حماس ألا تـقطع العلاقات أو تسعى لتبريدها أو تـفتيرها مع طهران، ولو حتى لاقت من الأخيرة إعراضا، مهما كان حجم الانتقاد والضغط والإغراء، لأنه ثـبت أن إيران أكثر وفاء من غيرها، وأن توعز حماس إلى قواعدها بالكف عن التدخل في الصراع الطائفي، والانكباب على قراءة ما يـفيد تحرير فلسطين بدل كتب ومواقع تـفنيد مذهب الشيعة!
(29)الرأسمالية الاحتكارية تهدد المقاومة

ظـنت حماس أن المقاومة ستجرف في طريـقها هذه العـقبة الكأداء، ولكن كان تأثير المقاومة آنيا، بل إن مشروع المقاومة اليوم مهدد بسبب الرأسمالية الاحتكارية والبرجوازية الكومبرادورية(أي المتحالفة مع رأس المال الأجنبي أو التابعة له) في الضفة الغربية، علما بأن فكر حماس ليس بعيدا عن معالجة هذه الظاهرة، بل على العكس، ويكفي أن الإخوان المسلمين اعتبروا كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام للشهيد سيد قطب-رحمه الله- هدية لهم، لكن حماس لم تولي الموضوع أهمية لأنها-شأن أغلب الناس- لم تستشعر مدى خطورته وتأثيره السلبي، كما أن أصحاب الرايات الحمراء والبرتـقالية اتضح أن مشكلتهم الحصص والمقاعد فقط، وكانت معركتهم ضجيج، بل انخرطوا في ما يسمى بالأنجزة.
وبطيخ جنين، و خياطة طولكرم، وصابون نابلس، وزجاج وعنب الخليل، مظاهر إنتاج وطني مهدد واضمحل وذوى، وبات الناس هنا رهينة البنوك وأشباهها، ورقابهم في قبضة -ناعمة وشديدة في نفس الوقت- ثلة من رجال أعمال ورأسماليين يتحكمون بمفاصل معيشتهم، في ظل غلاء فاحش وبطالة مرتـفعة؛ فهل تظن حماس أن مشروعها المقاوم في هذه البيئة سيتـقدم قيد أنملة؟إن من واجب حماس التصدي لهذه الظاهرة، خدمة لبرنامج المقاومة.
وللتوضيح فأنا لا أشكك بوطنية رجال الأعمال، ولكن طبيعة رأس المال هي الجبن، كما أن تاريخ قضيتنا يقول بأن أصحاب المصالح الكبيرة تحالفوا أو هادنوا وحاولوا بطرق ناعمة وذكية منع التصدي لأي سلطة قائمة ابتداء بأواخر عمال العثمانيين، ومرورا بسلطة الانتداب، وانتهاء بالكيان الصهيوني، لأن المقاومة تهدد مصالحهم، وتنقص أرباحهم، وتضعف نـفوذهم؛ وأقول هذا الآن ردا على تعليلات تنم عن ضعف في فهم السيرة؛ حينما يقال بأن عددا من العشرة المبشرين بالجنة أثرياء، ويأتون بذي النورين عثمان كمثال؛ يا هؤلاء:عثمان جهز جيش العسرة، وفي عهده وقعت أول المعارك البحرية، بينما تجدُّ البرجوازية في الحفاظ على مصالحها ونفوذها الاجتماعي والسياسي، وهي لم تغز ولم تجهز غازيا، وتعيق بمكر أملس أي تحرك للمقاومة، حتى لا ينقص من ربحها مدّ أو صاع، فاتركوا عنكم هذا التشبيه غير الموفق…ولا يتعلق الأمر بحقد-لا سمح الله- أو حسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، بل هو غضب من نظام مالي واجتماعي يعيق ويعطل استئناف المقاومة، لأن المقاومة تتعارض مع مصالح مالية لأفراد قلائل!
(30)المال الشحيح…معضلة تحل بالتبني

بصنابير المال الإيراني، وبحصصه من الخمس، صمد حزب الله، وتمكن من التخلص من آثار الدمار الذي خلفته الحرب، وتلقت مساكن ومنشآت قاعدته البشرية والشعبية مساعدات من قطر وغيرها، فنهض قويا عزيزا، فلا عزة –في زمننا- لمن جيوبه فارغة، ووجد المجاهدون الأفغان باكستان(للسنة) وإيران(للشيعة) تـقفان معهم تزامنا مع تـقاطع المصالح وظروف الحرب الباردة، فصمدوا وهزموا الجيش الأحمر…والفيتناميون وجدوا السوفيات والصينيين يـقفون معهم ضد العم سام فانهزم واندحر…أما نحن الفلسطينيون فأشبه بالأيتام على مائدة اللئام؛ فنحن شعب حيّ رفض أن يشطب من التاريخ، ولم يخضع لقهر الجغرافيا، ولا ينـقصنا عدالة قضية، ولا رجال أذكياء أو شبان شجعان، بل لدينا شح في الموارد المالية، وأقولها بصراحة، نحن بحاجة لمن يتبنانا ماليا، ولو بحثنا فسنجد، ولكن علينا أن نكيف حياتنا تدريجيا مع الظروف التي يفترض أن يحياها من يطلب الحرية.
يقال أن نسبة من يعتمدون في معيشتهم على التنظيمات مرتـفعة في قطاع غزة ، وهناك من ينظرون إلى عيوب ذلك، وأنا لا أراها نـقيصة، فيجب أن يبقى الشباب مستنـفرين، وطاقتهم متجمعة باتجاه واحد…وهنا على حماس التي قالت في بيانها الأخير أن ليل الضفة قريبا سيزول، أن تعي أهمية عدم تكشف الناس ماليا، فهذا معناه نصف ثورة، ونصف مقاومة، نخسر فيها شهداء، ودمار واعتقالات، وقبل أن تكتمل نطلب وقف النزيف لأن الجيوب فرغت، فندخل في نـفق مظلم بل في قعر هاوية، فوجب التنبه إلى توفير موارد مالية، مسنودة بأخرى احتياطية، وإلا فإن الليل سيصطبغ بالدماء والآهات ولن يزول…ليس لدي اقتراحات محددة، ولكنني أؤكد على الفكرة، والتي تـقتضي توفير المال، مع خطة محكمة لإنـقاذ الناس من براثن الكومبرادور، فخوض المعركة بجيوب فارغة، أو حتى نصف مملوءة خاسرة سلفا، وغني عن القول أنني لا أقصد فقط عناصر حماس؛ بل الحديث عن مجموع السكان، وأعرف أن هذا أمر لا تـقدر عليه حماس وحدها، صحيح، لذا وجب التعاون مع كل من يتبنى برنامج المقاومة من القوى والفصائل والأفراد، وحتى العائلات، وكل دولة أو مؤسسة يمكن أن يستفاد منها في ذلك، وأظن أن الظرف الدولي والإقليمي يسمح بإيجاد من يتبنى ويدفع!
(31)الخلاصة

ثلاثون عنوانا فرعيا أو محورا حاولت فيها مقاربة وضع حماس في الماضي والحاضر والمستقبل، كونها حركة منوط بها مهمات جسام، وأعرف أنني سأحتاج إلى مقالات أخرى لمحاور تـثري الفكرة أو توضح بعض الأمور…ومما لا شك فيها أن حماس اليوم حركة كبيرة وممتدة داخل فلسطين وخارجها، وأنه لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها لا من عدو أو خصم أو منافس، ولا يمكن لحماس إنجاز مهمة التحرير دون التعاون مع الآخرين، وأمام حماس مشوار صعب، ولكنه ليس طويلا، بمشيئة الله، كي تنتقل إلى العمل السياسي والاجتماعي والدعوي الخالص، فالآن كل هذا في خدمة السلاح، واستعرضت مطولا فترات مفصلية من تاريخ حماس، وفي هذا الجزء قدمت رؤية حول ما يتوجب على حماس فعله، من باب النصح، وأشرت إلى أخطاء وقعت فيها حماس، وهي أخطاء لا خطايا وقابلة للعلاج إذا وجدت الإرادة…والأهم أن حماس تكبر والمشروع الصهيوني يضمحل ويشيخ بسرعة، وأنها تعلمت أن عليها الاستفادة من الجميع، وألا تكون العلاقة مع طرف على حساب الطرف الآخر، وأثبتت أن المؤسسة أهم من الشخص مهما بلغت قدراته…،و إعلام حماس يحتاج إلى تطوير دائم، وميثاقها بحاجة إلى تنـقيح وتطوير، وحماس بحاجة إلى نـفسها وروحها التي انطلقت بها قبل ربع قرن، مثلما أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى حماس بكينونتها المذكورة دون تغيير أو تبديل إلا باتجاه مزيد من القوة والصلابة، ما دام هناك شبر محتل من الأرض أو أسير خلف القضبان أو لاجئ بعيد عن الأوطان.
* دراسة للكاتب : سري سمّور