الدولة الفلسطينية بين الرمزية والمضمون

في 29 نوفمبر/تشرين الثاني2012 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 67/19 بأغلبية 138 صوتًا ضد 9 أصوات وامتناع 41 دولة عن التصويت، وقضت بموجبه بترقية مكانة فلسطين في الأمم المتحدة إلى صفة “دولة غير عضو”.
وبالعودة تاريخيًا لتطور المكانة الفلسطينية في الأمم المتحدة، يمكن القول: إن إيقاع هذا التطور له سمتان: أولاهما: أنه بطيء إلى حد بعيد من ناحية؛ وثانيهما: أن الخطوة التي ستلي المكانة الجديدة قد تستغرق وقتًا طويلاً من ناحية ثانية، وكلا البعدين لا تفسير لهما إلا  كنتيجة للخلل في موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية لصالح الطرف الإسرائيلي.
مؤشرات التطور في المكانة الفلسطينية
تمثلت الخطوة الأولى في تعزيز مكانة فلسطين في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة بعد موافقة الأمم المتحدة في 22 نوفمبر/تشرين الثاني1974 على قبول منظمة التحرير الفلسطينية “ككيان (entity) غير عضو، وانتظر الفلسطينيون 14 سنة بعد ذلك –أي حتى ديسمبر/كانون الأول من عام 1988- لتقر الجمعية العامة للأمم المتحدة إحلال اسم “فلسطين” محل منظمة التحرير الفلسطينية على إثر قرار المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر بإعلان الدولة الفلسطينية في نوفمبر/تشرين الثاني 1988.
وشكّلت خطوة اليونسكو، بعد ذلك بحوالي 23 سنة، نقلة جديدة من خلال اعترافها بفلسطين عضوًا كاملاً (في 31 أكتوبر/تشرين الأول2011) لتكون أول وكالة متخصصة من وكالات الأمم المتحدة تمنح فلسطين هذا الاعتراف، وهو ما كلف اليونسكو وقف الولايات المتحدة مساهماتها المالية لها.
ومع أن الدولة الفلسطينية التي افترض الرئيس الأميركي باراك أوباما قيامها إلى جانب إسرائيل في سبتمبر/أيلول2011، مُنعت من التقدم خطوة نحو العضوية الكاملة بفعل الموقف الأميركي في مجلس الأمن، وعادت الرباعية لتدعو لقيامها في نهاية 2012، فإنها تقدمت نصف خطوة إلى الأمام بقرار الجمعية بالاعتراف بها ” دولة” حتى ولو لم تكن عضوًا.
ذلك يعني أن تطور المكانة الفلسطينية له طابع الاتجاه التاريخي، وهو أمر يستحق التمعن في دلالاته وفي دلالات القلق الإسرائيلي مما يترتب عليه على المدى الطويل، لكن السمة العامة لهذا التطور هو البطء الشديد الذي ترافقه آلام مخاض عسيرة في كل خطوة.
فلسطين: متى ننتقل إلى الدولة العضو؟
يرتبط الانتقال بفلسطين إلى مكانة الدولة العضو بعاملين، هما: الملابسات القانونية من ناحية والملابسات السياسية من ناحية أخرى.
الملابسات القانونية
عند النظر في تاريخ العضوية وتطورها في الأمم المتحدة، هناك 16 دولة مرت بمرحلة الدولة غير العضو وتحولت إلى “دولة عضو”، وكان أول من حصل على مركز الدولة غير العضو هو سويسرا عام 1946، أي بعد سنة من إنشاء الأمم المتحدة، لكن النظر في تطور المركز القانوني للدول الست عشرة يشير لتباين شديد في المدة التي استغرقتها عملية التطور نحو الدولة العضو كما يشير الجدول التالي:
فترة التحول من دولة غير عضو إلى دولة عضو في الأمم المتحدة
الدولة
عدد السنوات التي استغرقتها للتحول من دولة غير عضو إلى دولة عضو
 سويسرا
 1
 كوريا الجنوبية
 42
 موناكو
 37
 جمهورية فيتنام (الجنوبية)
 24
 ألمانيا الاتحادية
 21
 كوريا الشمالية
 18
 اليابان
 4
 فيتنام الديمقراطية
 3
 إيطاليا
 3
 فنلندا
 3
 النمسا
 3
 ألمانيا الديمقراطية
 1
 الكويت
 1
 إسبانيا
 نفس العام
 فيتنام الموحدة
 1
 بنغلاديش
 1
ولا شك أن ظروف كل دولة تختلف عن الأخرى لاسيما من حيث ملابسات نشوء الدولة من ناحية، وطبيعة البيئة الدولية وموازين القوى من ناحية أخرى (الاستقطاب الدولي، وتحلل ظاهرة الاستعمار، وتأثيرات الحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة في مراحل أخرى… إلخ)، لكن تاريخ التطور في المكانة يشير إلى أن الأمر ليس أمرًا قانونيًا محضًا بل هو أمر سياسي في معظمه، وهو ما سنعود له بعد مناقشة الجانب القانوني.
ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 لعام 1960 الخاص بإعلان الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة والتي يُشار لها عادة بـ “الأراضي غير المحكومة ذاتيًا”، يمكن أن يساهم بقدر ما في تعزيز الموقف القانوني للدولة غير العضو، وهو أمر سعت جمهورية الصحراء الغربية (البوليساريو) لاستثماره من هذه الناحية، ويمكن للطرف الفلسطيني التأكيد عليه بخاصة للمناطق التي لا تخضع للسلطة الفلسطينية طبقا لاتفاقية أوسلو.
أما البعد القانوني الثاني، والذي يبدو أن كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية لاسيما بريطانيا أولته اهتمامًا، فهو انضمام “فلسطين” إلى المحكمة الجنائية الدولية، واحتمال رفع دعاوى ضد بعض القادة الإسرائيليين واتهامهم “بجرائم حرب”.
ويحتاج انضمام فلسطين للمحكمة إلى تقديم طلب للأمين العام للأمم المتحدة مع تضمينه الموافقة على اتفاقية روما (Rome Statute)، وبعد الموافقة على الطلب يتم التصديق عليه في أول الشهر الذي يعقب 60 يومًا على التصديق، وهنا نجد أن بعض الفقهاء يرون أن صلاحية المحكمة هي في النظر في الموضوعات التي تُطرح عليها من قبل العضو في فترة ما بعد التصديق على عضويته فقط. لكن أغلب الفقهاء يرون أن من حق الدولة غير العضو التي تنضم للمحكمة أن “تمنح الاختصاص للمحكمة للنظر في موضوعات جرائم الحرب بأثر رجعي حتى تاريخ بدء نفاذ المعاهدة في يوليو/تموز2002″، وهو أمر يتيح لفلسطين أن تطرح جرائم الحرب الإسرائيلية للأعوام 2008-2009 والهجوم الأخير على غزة في 2012.
ما الذي نستخلصه من الشق القانوني؟
  1. هناك تطور في المركز القانوني لفلسطين.
  2. أن التطور في المركز يعزز الجهد الدبلوماسي للطرف الفلسطيني على المستويات الرسمية والشعبية في المجتمع الدولي.
 من الإقرار القانوني إلى التجسد السياسي
عند رصد مكاسب الطرف الفلسطيني سياسيًا من التطور القانوني يمكن الإشارة لما يلي:
  1. تعزيز الانطباع في البيئة الدبلوماسية الدولية بأن حدود 1967 هي حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، والانتقال بها من وضعية الأراضي المتنازع عليها إلى وضعية الأراضي المحتلة.
  2. أن تأييد كل الفصائل الفلسطينية للخطوة تقريبًا (باستثناء تصريحات لمحمود الزهار وموافقة صامتة من الجهاد الإسلامي) تشير إلى أن الخطوة تساهم في جسر بعض الفجوات في الجسد السياسي الفلسطيني، وتعزز ذلك بالأثر الإيجابي لصمود المقاومين في غزة أمام الهجوم الإسرائيلي في نهاية العام 2012.
  3. التأثير الذي سيتركه الجانب القانوني على توجهات الرأي العام الدولي الذي يجري فيه تحول هادئ منذ أكثر من عقد من السنين، وهو أمر تتحسس الدبلوماسية الإسرائيلية آثاره منذ فترة، لاسيما الرأي العام في الدول الأوروبية والولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان وبعض الدول في أميركا اللاتينية وإفريقيا.
من ناحية أخرى، ثمة مؤشرات على تحولات دولية ليست لصالح الطرف الإسرائيلي وقد تظهر آثارها تدريجيًا وهي:
  1. تنامي التوجهات الاستراتيجية الأميركية لمزيد من التحول نحو العناية أكثر بمنطقة الباسيفيكي على حساب المناطق الأخرى.
  2. آثار الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية على حرية الحركة الأميركية في الشرق الأوسط وغيرها لاسيما في مجال استخدام القوة العسكرية.
  3. تنامي دور الدول الصاعدة لاسيما الصين وروسيا في العالم، وهي دول تقف إلى جانب إسرائيل في مساحات ضيقة من المسرح الدولي.
غير أن ذلك كله لا يخفي عُسر التجسيد الفعلي للدولة الفلسطينية والذي يظهر في الآتي:
  1. أن 82% من أراضي الضفة الغربية يخضع للسلطات الإسرائيلية، وفيه حوالي نصف مليون مستوطن يعيشون في حوالي 200 مستوطنة أو مركز استيطاني، ويحظى هؤلاء بتأييد تيارات سياسية إسرائيلية تتنامى منذ 1977، بخاصة الدينية منها.
  2. أن الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية الواقعة على نهر الأردن لا وجود للسلطة الفلسطينية عليها باستثناء منطقة أريحا الصغيرة.
ذلك يعني أن تجسيد الدولة الفلسطينية يستدعي ما يلي:
  1. خلع 200 مستوطنة أو مركز استيطاني بما فيها ما تم إنشاؤه في القدس، وهو أمر يجري عكسه تمامًا؛ فالحكومة الإسرائيلية تزيد من مشاريع الاستيطان في القدس وغيرها وبوتيرة متصاعدة، وفي ظل وضع أمني تعززه سياسات التنسيق الأمني الفلسطيني-الإسرائيلي والتي جعلت سكان الضفة الغربية يتعاطفون مع ضحايا غزة بنفس الطريقة التي يتعاطف بها سكان “النرويج”. ولعل تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو تشير إلى تمسكه بمواصلة الاستيطان حيث قال: “إن القرار -في الأمم المتحدة- لا معنى له، ولن يغير شيئًا على الأرض”.
  2. تحقيق الاستقلال المالي للسلطة الفلسطينية: تعتمد السلطة الفلسطينية في مواردها الرئيسية على جانبين، هما: موارد داخلية تشكّل الضرائب والجمارك عمادها، وموارد خارجية تشكّل المساعدات الغربية أهمها، وتتحكم إسرائيل بشكل تام في المورد الأول، وهو ما لوّح نتنياهو باستخدامه من خلال منعه عن السلطة في أكثر من مناسبة، كما أن المورد الثاني أسير التوجهات الأميركية (لاسيما لجان الموازنة في الكونجرس الأميركي) والتوجهات الأوروبية، وهي توجهات بدت غير مواتية في معظمها؛ فمن أصل 27 دولة أوروبية لم يساند الموقف الفلسطيني في موضوع الدولة غير العضو سوى تسع دول، كما أن دولتين أساسيتين، هما: ألمانيا وبريطانيا امتنعتا عن التصويت.بل إن البنك الدولي -ورغم ما سبق له من تأكيد نجاعة الإدارة المالية للسلطة في حدود معقولة- عاد ليؤكد تشككه في مدى قدرة الموارد الاقتصادية للضفة الغربية وقطاع غزة على بناء دولة في المستقبل.
  3. الانشغال العربي بتداعيات “الربيع العربي”، وهو أمر سيستغرق أكثر من خمس سنوات في ظل أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، ناهيك عن أن الضغط العسكري على إسرائيل أصبح متعذرًا في ظل أوضاع عربية إقليمية (اضطراب محتدم في مصر ناهيك عن هشاشتها الاقتصادية، وحرب أهلية في سوريا يرافقها تردٍّ اقتصادي متفاقم، وعراق عاجز عن الاستقرار أو التوحد، وإيران التي بدأت أنياب الحصار الاقتصادي تترك آثارها على جسدها، ومغرب عربي مشغول بتداعيات تمدد الأطلسي ومشاريع جمهوريات إسلامية بين إفريقيا العربية وجنوبها، يضاف لذلك كله خليج عربي تخدره عوائد النفط وإرث سياسي متجذر في ثقافته التقليدية).. كل ذلك تدركه إسرائيل وتبني عليه استراتيجياتها.
  4. انقسام فلسطيني من ناحيتين: أولاهما: انقسام جغرافي، وثانيتهما: سياسية، الأولى تتمثل في أن إسرائيل تتحكم تمامًا في التواصل الفلسطيني جغرافيًا؛ فهي تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها في الضفة الغربية، وتفصل الضفة عن القطاع، وهو ما يمنحها امتيازات تفاوضية كبيرة يمكنها أن تستغلها إلى حد بعيد.
أما الانقسام السياسي، فإن التقارب بين فتح وحماس يخلق آمالاً بانتظام الصف الفلسطيني، لكن الأمر يفترض تغيرًا جوهريًا لنجاح التقارب وهو أن يتنازل أحد الطرفين عن استراتيجيته، فإما إن تتخلى حركة حماس بطريقة هادئة وتدرجية عن الكفاح المسلح كما فعلت فتح خلال الفترة من 1988-1993، أو أن تتخلى فتح عن المقاومة السلمية المستندة لتنسيق أمني مع إسرائيل. أما فكرة توزيع الأدوار فإن التركيبة السيكولوجية لأشخاص القيادة الفلسطينية، وطبيعة الثقافة السياسية السائدة، ونمط المنظومة المعرفية المجتمعية لا تؤهل الطرفين للقيام بها.
خريطة التفاوض القادم
نظرًا للتعقيدات المختلفة التي أتينا عليها، فإن الطرف الإسرائيلي سيسعى للآتي:
  1. إعادة الطرف الفلسطيني للتفاوض، وهو الأمر الذي سيعيد الخلاف الفلسطيني الداخلي لنقطة البداية.
  2. تفريغ مفهوم الدولة الفلسطينية من مضمونها لتكون “كيانًا” أكثر منها “دولة”، وهو ما يعني رفض الانسحاب من كل المستوطنات والتشبث بالقدس ونهر الأردن، ورفض فكرة الأجواء الإقليمية لـ “الكيان”، وقد يتم طرح ذلك من خلال فكرة تبادل الأراضي، فتأخذ الجزء الأكبر من الضفة الغربية مقابل الطريق الواصل بين غزة والضفة الغربية.
  3. التحلل التدريجي الفلسطيني من موضوع اللاجئين -وتصريحات محمود عباس الأخيرة تشي بذلك-، وهو ما يثير كذلك الهواجس باحتمال التعهد الضمني بعدم رفع الدعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية.
  4. ضمان أطول فترة ممكنة من عدم القيام بأية أعمال مقاومة منطلقة من غزة، وهو أمر تأمل إسرائيل أن يؤدي لمنازعات فلسطينية داخلية.
تُرى..هل يمكن لتطور المركز القانوني الفلسطيني أن ينجز كل هذه المهام؟ لا معتقد بذلك في المدى الزمني القصير والمتوسط. أما المدى البعيد ففيه بريق أمل.
____________________________________
  * الكاتب: وليد عبد الحي – أستاذ العلاقات الدولية والدراسات المستقبلية