التعددية السياسية: بين النظرية والتطبيق

هذا العنوان : سواءً كان : نظرية أو مبدءًا أو مقولة أو طريقاً أو هدفاً أو وسيلة أو غير ذلك من المرادفات التي تحمل المعنى الأسمى لإفساح المجال أمام المتطلعين إلى الحرية والتغيير وإطلاق العقل والفكر والارتقاء بالإنسان والجماعات التواقة إلى خدمة أوطانها وشعوبها خاصة في ظل الويلات التي جلبتها الأنظمة الشمولية من تقييد للحريات وحبس للطاقات ، وقتل للمفاهيم وتنكر للحقوق ، وحجر للفكر والإبقاء على تحريم التفكير والخروج على برنامج الحكومة والحزب الحاكم وإكراه الجمهور على التصفيق والهتاف ، واعتماد نظرية البطل الذي يصيغ بأجهزته ومؤسساته غير القائمة على الحد الأدنى من احترام الآخر ، وكل ما من شأنه أن يحول البلاد سجوناً لكل من يخرج على ذلك أو مجرد الظن فيه ، ولعل الكثيرين من المناضلين وأصحاب الفكر الناضج والواعي دفعوا أرواحهم وحياتهم ثمن نضالهم ، في إشاعة ما يجب أن يتسلح به الانسان أو المجموعات سواء كان ذلك عبر جمعيات أو أحزاب أو روابط أو مؤسسات حقوق الانسان ، وحتى الأوراق التي كتبت بالأيدي لوحق أصحابها ، وحتى المنادون على المنابر لوحقوا وكان مصيرهم غياهب السجون في أحسن الحالات ، وكثيرون الذين لم يعرف مصيرهم .

ليت أن هذا السلوك شكل رافعة للأوطان والإنسان ، وكان وسيلة للنماء والرفاء وبناء الاقتصاد ، والتخلص والانعتاق من الفقر والجهل والمرض ، وقاد البلاد إلى مصاف الدول حتى الصغيرة في إمكانياتها .

فكثيرة هي الدول في وطننا العربي التي امتلكت من الامكانيات المادية والبشرية الواعدة لو أتيح لها أن تكون في أيدي حكام غير أولئك الذين أداروا ظهورهم لشعوبهم ولطلائعها ويمنون عليهم أنهم أسياد نعمتهم وبدونهم لكانوا من فصيلة غير آدمية .

لقد وقف الفلسطينيون أمام هذه المشاهد بألم شديد تعتصرهم الحسرة على مصير الأمة الغنية بكل شيء ولا تفتقر إلا إلى احترام الحاكم للمحكوم .

كان على الفلسطينيين أن يجَّددوا المفاهيم الحقيقية للتعددية السياسية حتى يستحقوا أن يلقبوا بطليعة الأمة ، رغم أننا لم يكن لنا أي كيان سياسي ، وليست لنا أرض نقف عليها ، وليس بيننا تواصل أو وسائل اتصال كتلك التي أصبحت في متناول الأطفال اليوم .

فكانت الحاجة بحق أم الاختراع ، كيف لشعب مشتت ممزق متباعد غير مترابط أن يلتقي ويلتف ويصوغ حياته متطلعاً إلى مستقبل تحفه المخاطر والاستحالات كافة .

إنه استحقاق كبير ووحيد وبعيد المنال ولكن الإرادة كانت أقوى من المعوقات كافة .

كانت للفلسطينيين قراءة خاصة ومتميزة تنطلق من أن ينطلق من عقاله باتجاه كيف نحقق أهدافنا .

ولأن الوعي الفلسطيني كان أكبر من أن يوضع في إطاره من قبل الأحزاب الحاكمة خاصة ونحن نعيش على أرضها فقد كان القرار لا سدود ، ولا حدود ، ولا قيود ، وعلينا أن نملك زمام أمورنا .

بدأت الاتصالات واللقاءات والحوارات بين طلائع شعبنا حيث يتواجد ، ولم يُمْلِ فريق أو شخص أو جماعة رأيه على الآخر ، الاستماع كان سيد الموقف ، الحرص كان الدافع الحقيقي ، النظرة للآخر بعين الاحترام والتقدير قربت الكل من الكل ، والبعض من البعض ، والبعض من الآخر .

صاغ الفلسطينيون الوطنيون على اختلاف مشاربهم وأماكن تواجدهم برنامجاً وطنيا كبيراً حمل الشعار التالي :

وحدة وطنية … تعبئة قومية … تحرير ، إنه البرنامج أو الشعار الذي لم يختلف عليه أحد وشكل القاسم المشترك ، وخرجوا بالمسمى المجسد لهذا الشعار ، وهو منظمة التحرير الفلسطينية ، كجبهة وطنية عريضة لم يستطع أحد أن يطعن أو يشكك فيها ، إلا الذين كانت لهم حسابات ومصالح ارتبطت بالأنظمة الرافضة ، لأنها شعرت أن البساط سحب من تحتها ، وأن الورقة التي تاجروا بها وغطوا بها أنفسهم لم تعد في جيوبهم .

لم يقف الفلسطينيون عند التسمية ولكن لمعرفتهم أن ذلك ليس شعاراً غير قابل للتحقيق ، وأنه للاستهلاك وأنه تلويح فقط لتحسين أوضاعهم كلاجئين حيث يقيمون ، بل تعدى ذلك ، إلى ممارسة الكفاح المسلح حيث انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة تعلن للعالم أن الشعب الفلسطيني لم يمت وأنه صاحب حق في عودته إلى أرضه المنهوبة والمصادرة والمحتلة .

التقت البنادق على أرض المعركة ، وتفتحت الأزهار على أرض فلسطين وما حولها ، وبدأت القضية الفلسطينية تأخذ مساراً مغايراً وجديداً .

اعتراف عالمي بحركة التحرر ، ووصول الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة ، وعقد جلسات المجلس الوطني الذي مثل فيه الجميع ، ولم يقصَ أحد ولأول مرة يشهد العالم شكل النقاش والحوار الكبير والراقي ، وكانت الجلسات مفتوحة وشهدها العديد من سياسيي العالم ووسائل الإعلام ، وهو شكل غير مسبوق مما بهر العالم بالديمقراطية الفلسطينية ، وفتح أعين عشاق الحرية رغم أنهم يعيشون في دول شقيقة .

لقد انتزع الفلسطينيون حقهم في إقامة أول سلطة وطنية على أرضهم في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة ، عبر انتخابات رئاسية وتشريعية اعترفت بها دول العالم ، وزارها معظم قادة الدول الكبرى ، كما أصبح لنا مطار ساهمنا في تدميره .

لقد كانت لدينا سلطة تشريعية صاغت قوانين لم تَرْقَ لها دول كبرى ، وبشهادة المراقبين الدوليين وفقهاء القانون ، وتجلت على أرضنا التعددية السياسية الحقيقية .

لقد اكتشف الحكام والمحكومون كيف تكون التعددية السياسية الحقيقية .

ليست كما يريدها بعض قادة الأمة ، حيث قاموا هم بصناعة ما يسمى بالمعارضة الموجهة ، ليُضفوا على أنفسهم شرعية جديدة غير الشرعية المقامة من الصناديق المزورة .

احتضنت الثورة الفلسطينية المعارضة الحقيقية ، رغم أنها ليست على أرضها ، ما جلب لها الشقاء والتآمر وتكالبت قوى الشر والتقت كلها وتقاطعت أهدافها كلها حول التخلص من هذا الفكر الجديد ، الذي فتح عيون الشعوب على الديمقراطية الحقيقية ، والتعددية الصحيحة ، وكيفية احترام الآخر ، وعدم الإقصاء وإدارة الظهر ، مهما كان حجم هذا الفصيل أو ذاك .

اليوم يُذَكر الفلسطينيون أشقاءهم التواقين إلى الحرية والارتقاء بشعوبهم إلى مصاف الشعوب المتقدمة ، أن عليهم أن يقرأوا التجربة الفلسطينية الناضجة ، وأن يغادر ثوارهم وطلائعهم حزبيتهم الضيقة ، لينفتحوا على الآخر … لأن الآخر جزء أصيل من نسيج مجتمعاتهم ، ولم تعد الحزبية الضيقة بإمكانها أن تقود شعبا ، فلم تعد الشعوب صماء وبكماء .

وكما نذكر الأشقاء ، علينا أن نذكر أنفسنا لنبقى القدوة ، فعلينا أن لا نتنكر لتاريخنا وإنجازاتنا التي لم تتحقق إلا بتعدديتنا السياسية التي بلورت وحدتنا الوطنية التي أصابها التشرذم والتفتت بسبب الانقسام البغيض .

فيا عقلاء الوطن … أيها الغيارى … عليكم العودة إلى تجسيد الوحدة الوطنية ، وأن تحتكموا إلى صوت شعبكم الذي حقق إنجازات هزت دولاً عظمى ، وأصبحت لكم دولة ، شكل ذلك إنجازاً عظيماً وكبيراً وليس صغيراً . عليكم أن لا تقللوا من أشكال النضال كافة لأن عدوكم شعر بحجم هذا الانتصار … عليكم أن تنهوا حالة التشظي والانقسام ، وتذكروا شهداءكم وجرحاكم وأسراكم الأبطال الذين صاغوا لكم أعظم وثيقة من زنازينهم أصبحت المرجعية السياسية والعسكرية والنضالية ، وعليها يتجدد اللقاء ، ونستكمل بناء مؤسساتها ونجددها ، عبر انتخابات حرة نزيه وشفافة ، كما مارسناها قبل ذلك وشهد العالم بها وعليها . فعدوكم تسره الحالة التي نعيش ، فلا تطيلوا من فرحته وتشفيه … بل ردوا عليه بما يجب أن يكون والكل يعرف ما يجب أن يكون ، وكفانا حديثاً عن المصالحة الوطنية ، ونحن أبعد ما نكون عنها بممارساتنا مع بعضنا .

* الكاتب: ابراهيم ابو النجا