متى ينتهي مسلسل العشق الممنوع بين “حماس” و”فتح”..؟

من حق الأحزاب أن تتنافس .. أن تتعارك.. وأن يسعى كل منها لشطب الآخر والتفرد بالحكم، هذا حلم لكل القوى السياسية في العالم، لكن ذلك يتخذ شكلا متخلفا من الإقصاء وقدرا من العنف في المجتمعات الشرقية التي تعمل في السياسة وفقا لعقل العشيرة وثقافة القبيلة، ويبدو أن حداثة التجربة السياسية في فلسطين زادت من طين بلة هذا التنافس حد العظم ليدوس في طريقه كل القيم ومعايير الحكم واحترام الحد الأدنى للحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني.
لا يعنينا أن تتصالح حركة حماس مع حركة فتح، ولا يعنينا أن تتعانق فتح وحماس، ولا يعنينا أيضا أن يكونوا ممثلين جيدين أو سيئين في مسلسل العشق الممنوع، ما يهم كل مواطن فلسطيني بل من حق كل مواطن فلسطيني أن يكون له نظامه السياسي الذي يحترم حقوقه وأولها الحق في المشاركة السياسية وتداول السلطة وفقا للنصوص، أما أن يبقى النظام معلقا على صليب كراهية كل منهما للأخرى ففي هذا ليس فقط تجاوز لحقوق الناس بل إهانة يومية يتلقاها كل مواطن فلسطيني محكوم بسطوة العسكر ورعب الأجهزة الأمنية.
من حق الشعوب أن تختار من يحكمها وبالأصح من يخدمها كل فترة محددة وبالانتخابات التي تعيد توزيع النسب بما يتوافق مع تغير المزاج العام والأداء السابق، لكن حين يصر الحكام على التسيد بعد انتهاء الولاية رغما عن أنف الناس يصبح هذا احتلالا لإدارة الشعب، فالمحتل وحده لا يأتي بصندوق الاقتراع بل بقوة العسكر وسطوة أجهزته وفي هذا يتقاطع المحتل مع ممانعي إعادة بناء النظام السياسي في الساحة الفلسطينية.
عملية بناء النظام السياسي ليست أحجية عصية على الحل، ولا سحرا ينبغي استخراجه من بطن نملة ذكر ليأخذ كل تلك المحاولات الفاشلة الحوارات المطولة في القاهرة، فالنظام هو عملية توزيع للسلطة تعكسه موازين القوة في الصناديق، وحين لا يتوافقون على ذلك تبدو المسألة أبعد بكثير طالما أن الحل موجود ومحفوظ في نصوص القوانين، لكن المماحكة والمماطلة طوال هذه السنوات تعطي حكما سلبيا للأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية التي تعجز عن حل مسألة بهذا الوضوح.
على ماذا يختلف المختلفون؟ فإذا كانت المسألة على الحصص وهي كذلك فلا حل غير الانتخابات، وإذا كانت على البرنامج ففي هذا محاولة إعطاء الأزمة المستعصية بعدا سياسيا وهميا، فالعودة لوثيقة التوافق الوطني التي وقع عليها الجميع باستثناء حركة الجهاد الإسلامي وهي خارج أزمة الانقسام تكشف زيف ادعاء الخلاف السياسي، فقد تمت صياغة الوثيقة في مطبخ مشترك لـ “فتح” و”حماس” بالإضافة للفصائل الأخرى، وللتذكير فقد توافق الجانبان على دولة في حدود العام 67 بالإضافة إلى توافقهما على المفاوضات شريطة العودة بكل ما يتم التوصل إليه للمجلس التشريعي ولعرضه على الاستفتاء.
في الجولة التي سبقت لقاءات نهاية الأسبوع توقف الطرفان عند عقدة الحكومة والانتخابات وأيهما أسبق، ولا يمكن التعاطي مع هذا الخلاف إلا في إطار مبررات إدامة الانقسام، فالكل يعرف أن الانتخابات بحاجة إلى حكومة واحدة ووزارة داخلية واحدة تشرف على العملية الانتخابية، فالحكومة يجب أن تسبق الانتخابات، ولكن السؤال ما الذي يجعل حركة حماس تمنع عملية التسجيل وهي عملية إدارية إحصائية تسهل على الجانبين وتوفر الكثير من الوقت في حال تم الاتفاق، إلا إذا كان الفلسطينيون لديهم ما يكفي من الوقت لإهداره، ويبدو أن حكمة الوقت كالسيف لم تصلهم بعد وإلا لما أضاعوا كل هذه السنوات من ترف الحوار الممل.
هل من المنطقي أن يظل المستقبل الفلسطيني معلقا إلى حين إتمام المصالحة بين “فتح” و”حماس” مع الإدراك التام لحجم القوتين؟ وهل كلما اختلف فصيلان يصبح من حقهما إحداث شلل في النظام السياسي؟ هو السؤال الذي غيبه حجم الأحداث وصدمة الانقسام وفكرة الانقلاب، وهل سيبقى الفلسطينيون ينتظرون إلى ما لا نهاية عناق “حماس” و”فتح” ومصالحتهما ؟ بالرغم من اللقاءات الحميمة والحوارات الطويلة والدفء الذي يسود بين قيادتهما منذ فترة، إلا أن الأمر ظل كما هو وكأنهما أراحا نفسيهما من الاتهامات المتبادلة وانتهى الأمر وبقي مجمدا بما يتعلق بمصلحة المواطن الذي يدفع وحده فاتورة الانقسام فيما هم ينعمون بنعمة الاقتسام .. اقتسام الوطن.
ما يجري في الآونة الأخيرة مدعاة للخوف من تكريس الانقسام. أن تأتي قيادة حركة فتح لقطاع غزة وتجتمع برئيس حكومتها، وأن يهنئ الأخير الرئيس عباس بالانطلاقة، فهذا الغزل الذي يتم دون إنهاء الانقسام يعكس توافقا أو تواطؤا على إدارة الانقسام وتعزيزه، وإلا ماذا تبقى إذا كان هناك توافق سياسي وتوافق شخصي؟ وتوافق على أن الصندوق هو الحكم بين الجانبين فماذا تبقى إذا ؟ السؤال ليس مطروحاً على النظام السياسي المنقسم بل على الشعب الذي يعلق آماله على إرادة الفصائل التي تصادر إرادته لا يتحرك أو يحرك ساكناً.
المصالحة هي الكلمة الأكثر شيوعاً لدى الفلسطينيين التي تسيطر فجأة على العناوين وفجأة تنسحب من التداول، وهي الأمل الذي يعلقه كل فلسطيني يعتقد أنها ستقدم الحلول لكل مشاكله، لكنه مصطلح قديم يعكس قدراً من التخلف الذي له علاقة بالقبائل والعشائر المتناحرة، إلا إذا كانت القوى الفلسطينية هي قوى عشائرية تدير علاقاتها الخارجية كما القبيلة، فمن حق القوى أن تتنافس، أن تدير بينها معارك سياسية وإعلامية طاحنة، وليس من حق الفلسطينيين أن يطالبوها بالتصالح، ولكن من حقهم أن يطالبوها ببناء نظامهم السياسي وتداول السلطة والذهاب للصندوق، وإن لم تسمع فمن حقهم محاسبتها ومحاكمتها أيضا، لأن في ذلك اعتداءً عليهم واستهتارا وتلاعبا بمستقبلهم.
* الكاتب: أكرم عطا الله