المواطنة قبل الوطن وقبل الدولة

المواطنة هو مصطلح له العديد من التفسيرات والتي اخذت على مدار التاريخ الإنساني عدة معانى كانت تتطور شيئا فشيئا مع تطور الانسانية لكن تطور المصطلح بتطور المفهوم الإنساني عن طريق التجربة العملية اعطى مفهوما حديثا واقعى للمواطنة مفهوما تتقدم فيه الموضوعية على العواطف الانسانية وقد يبدوا هنا ان هذه الاسبقية للموضوعية قد تؤثر على العواطف الانسانية الاانها وعلى العكس زادت من تدعيم الاخيرة وزادت من اواصر التشابك والالتحام الإنساني العاطفي بالوطن.
ان مفهوم المواطنة الحديث والذى هو نتاج إنساني بامتياز يدعم مفهوم المواطنة باعتبارها حقوق وواجبات ينظمها القانون والعقد الاجتماعي المقدس وهو الدستور الذى ينظم العلاقة بين المواطنين في الوطن وبين السلطات والمواطن بما يضمن العدالة والمساواة بين كل المواطنين وتكافئ الفرص بغض النظر عن الانتماء الاثني او الطائفي او حتى القومي لكل موطني الدولة كما يضمن للجميع حرية المعتقد وحرية التعبير والفكر وكافة الحريات الشخصية والسياسية بما لا يتعارض مع ما اتفق عليه مواطني الدولة من قوانين والتي هي أي القوانين الحكم بين الجميع وسيادتها تعلوا فوق أي سيادة داخل الدولة.
لقد نجحت الدول الحديثة او ما يسمى بالعالم الجديد في القارة الامريكية واستراليا في صياغة مفاهيم عملية صحيحة لمعنى المواطنة الحقيقي مستفيدة من تجارب حضارات العالم القديم في اوروبا خاصة وافريقيا واسيا مستفيدة من اخطاء هذه الحضارات والامبراطوريات في تعريفهم لمفهوم المواطنة والذى كان سببا رئيسي في انهيارها وتمزقها استفادة كان له بالغ الاثر في جذب لابل تهافت سكان العالم القديم وخلال القرن السابق على الخصوص وحتى يومنا هذا للهجرة لذالك العالم الجديد والاستقرار هناك وهو ما أدى الى انشاء اواصر عاطفية انسانية دعمت ورسخت ترابط المهاجرين بوطنهم الجديد الذى وجدوا فيه المعنى الحقيقي والعملي للوطن والدولة والمواطنة والذى ينسجم مع الفطرة الانسانية.
على الجانب الاخر ادركت كثيرا من دول العالم القديم مبكرا فاعلية تلك التجربة الناجحة وحذت حذوها بفعل الخوف من الهدر الديمغرافي فيها فسارعت لتعديل الكثير من القوانين والمفاهيم في ما سمى بالعالم الحر وكانت المانيا الغربية والتي كانت مثالا فاضحا لتعريف المواطنة والذى اخذ ابان العهد النازي طابع التصنيف التراتبي للجنس البشرى نموذجا لهذا التحول والذى تكلل بتوحيد شطري المانيا بعد تفكك الكتلة الشرقية مع بداية التسعينات من القرن الماضي كذلك حذت الكثير من دول اوروبا الشرقية ودول شرق اسيا وحتى روسيا حديثا نفس الحذو في تغيير مفاهيم المواطنة لديها بما يتماشى مع المفهوم الحديث لها والذى اثبت فاعليته.
هنا في عالمنا العربي لم نستفد من هذه التجارب الناجحة فهناك دول بلا دساتير اصلا واخرى تحكم بمفهوم شيخ القبيلة وهناك من اكتفا بسن الدساتير لتصبح حبرا على ورق يبرز من ان لا أخر اذا ما اردنا ان يرضى عنا اسياد العالم الجديد الجميع اكتفى بالمفهوم العاطفي الإنساني للمواطنة والذى ذاب مع مرور الزمن بدون تفعيل المفهوم الموضوعي لها واصبحت كثير من شعوبنا تشعر بالاغتراب داخل وطنها لابل تفضل الموت في قوارب الهجرة الى حيث الوطن المنشود على ان تبقى في غربة وطنها الاسمى ان دولنا واوطاننا والتي خطت حدودها بأقلام المستعمر والذى رسم حدودها بدافع مصالح سياسية لدول الانتداب وبفعل نوايا ايديولوجية سيئة ذات خلفية تاريخية وثقافية لصراع حضاري شعر بخطورته على مستقبل مصالحة الاقتصادية والسياسية فيما لوبقيت هذه المساحة الجغرافية موحدة كوطن واحد فلم تستطع تلك الدول بلورة مفهوم فعلى للمواطنة لسكانها مماادى لضعف الانتماء الوطني والذى استبدله البعض بمفاهيم الانتماء العقائدي والقومي وحتى الأيديولوجي الوضعي وهو ما ظهر جليا في ظهور بعض الحركات الاسلامية والقومية واليسارية والتي تكفر بالدولة و تؤمن بان الانتماء الوطني الفعلي اكبر من حدود الوطن وان مواطنة الامر الواقع تتعارض مع افكارها.
في منطقتنا ايضا نجح اليهود في اقامة كيان لهم في قلب منطقتنا العربية في فلسطين اقاموا دولتهم على نفس النمط الأمريكي في العالم الجديد لكنهم فشلوا في تحديد مفهوم المواطنة على نفس النمط الحديث بفعل اصطدام هذا المفهوم مع المفهوم الصهيوني العنصري لتعريف المواطن في دولتهم التي استندت في قيامها على تجاهل وجود شعب على هذه الارض وتبنت سياسة التطهير العرقي للسكان الاصلين لتحويل الاغلبية الى اقلية في كيانهم وعلى الرغم من ذلك لم تستطع دولة الكيان الى يومنا هذا حل معضلة التعارض تلك بين المفهوم الحديث للمواطنة والطبيعة الصهيونية لها وهو ما تسعى له جاهدة اليوم عن طريق اتفاقية تسوية معنا يكون مضمونها الاعتراف بها كدولة يهودية بحدود استراتيجية تضمن لها اقل القليل من الفلسطينيين واكبر مساحة استراتيجية لها عن طريق تبادل الأراضي بسكانها وهو ما يفسر حركة الاستيطان المحموم في إراضي الضفة الغربية.
ان علينا اعادة النظر في مفاهيمنا عن المواطنة الفعلية وبشكل موضوعي للحفاظ على ما تبقى من مشاعر ومفاهيم انسانية عن المواطنة والوطن.
* الكاتب : طارق الثوابتة