حراك المخيمات في الضفة الغربية- اكثر من احتقان؟

تشهد الكثير من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين منذ اشهر العديد من اشكال الحراك السياسي والمجتمعي والذي تمثل باشكال عدة – بعضا منها طغت عليه المظاهرات السلمية، والبعض الآخر اتسم ببعض المظاهر المسلحة، والبعض الآخر متماثل مع اشكالا انتفاضية هي اقرب لحالة الانتفاضة الاولى وان اتسمت بجزئتها ومحدوديتها.

بغض النظر عن العناوين التي حملتها تلك الحراكات الجماهيرية وان كانت قد مثلت في بعض الاحيان صدام مع السلطة الفلسطينية كما كانت عليه الحالة في مخيمات الأمعري وبلاطة وجنين, وتلك التي عبرت عن احتقان ما بين القوى السياسية والمجمتعية كما كان عليه الحال في مخيم الدهيشة قرب بيت لحم, والحالة الاخيرة التي تبرز بوضوح اكبر في مخيمي عايدة والعزة في بيت لحم والتي تتسم بعمل انتفاضي شبه يومي مع قوات الاحتلال الاسرائيلي نظرا لتلاصق هذين المخيمين مع جدار الفصل العنصري شمال بيت لحم. وكذلك الحال في مخيم العروب شمال شرق الخليل والذي يقع على طريق يستخدمها المستوطنين الا انها بمجمعها تعكس احداثا لافتة للنظر, ودافعة للتساؤل؟

يبلغ عدد المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية 19 مخيما اقيمت جميعها على اثر نكبة العام 1948 – حيث يمثل عدد اللاجئين الفلسطيننين في المخيمات ما يقارب ربع مجموع اللاجئين العام في في الضفة الغربية والذين يمثلون ما نسبته 30% من السكان في الضفة الغربية البالغ تعدادهم ما يقارب 2.5 مليون نسمة , وبالتالي فان نسبة سكان المخيمات تقارب 8% من مجموع سكان الضفة.

على الرغم من ان النسبة اعلاه هي منخفضة مقياسا بعدد السكان العام في الضفة الغربية الا ان مقدار تأثير سكان المخيمات في الحياة السياسية الفلسطينية اكبر بكثير ويمكن اعادة ذلك لأكثر من سبب:

1- تعتبر المخيمات من المواقع الأساسية لجيوب الفقر في الضفة الغربية.
2- الاكتظاظ السكاني الهائل لهذه المخيمات ابقاها في حالة تماس اكبر بموضوع اللجوء مقارنة باللاجئين الفلسطينيين الآخرين.
3- تاريخية الحركة السياسية الفلسطينية ذات جذور اعمق بكثير مقارنة بالكثير من التجمعات المدنية والريفية.
4- الشعور المتنامي لدى قطاع واسع من اللاجئين الفلسطيين وبشكل خاص سكان المخيمات ان سناريوهات الحل السياسي التي طرحت, والبعض الذي ما يزال نقاشه جاريا محليا ودوليا لا تلبي طموحاتهم السياسية.

5- يضاف الى ذلك حالة الاحتقان والتوجس والخوف من المستقبل التي تسود عموم الضفة الغربية وقطاع غزة بسسبب انسداد الافق السياسي, وكذلك تردي الوضع الأقتصادي الناتج بشكل اساسي عن عدم الانتظام في تلقي موظفي القطاع العام الفلسطيني لمعاشاتهم الشهرية.
في شهر نيسان من العام الماضي 2012 – اجتمع ممثلين عن قطاع واسع من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وذلك في مخيم عقبة جبر قرب اريحا, ومن بين القضايا التي كانت على طاولة البحث والنقاش ما بين الحضور, الآثار الاجتماعية التي تتركها الاوضاع الاقتصادية المتردية, وارتفاع نسبة البطالة مابين الجيل الشاب خاصة في ظل تقليص خدمات وكالة الغوث – حيث عبر البعض في حينه ان ذلك سيترك تاثيرا كبيرا على النسيج الاجتماعي للمخيمات وكذلك على ادوات فعلهم السياسي.

وفي نفس السياق – يقول احد نشطاء المؤسسات الجماهيرية في مخيم الدهيشة قرب مدينة بيت لحم – “ان قطاعا واسعا ممن انهوا الدراسة الثانوية ولم يتمكنوا من الالتحاق بمؤسسات تعليمية اعلى, اما بسب المعدل المتدني لهم او بسبب اوضاع اسرهم الاقتصادية, او اولائك الذين لم يتمكنوا من اكمال مرحلة الدراسة الثانوية يجدون انفسهم في الشارع, فهم بعكس ابناء بعض القرى الفلسطينية التي لديها اراضي زراعية يمكن ان تغطي جزءا من نشاطهم”.

ان هذا القطاع المهم من العناصر الشابة يسيطر عليهم التفكير في قضيتن الاولى – ما هو المستقبل الذي ينتظرهم في ظل عدم امتلاكه لمؤهلات قد تمكنهم من الحصول على عمل في ظل اوضاع اقتصادية تتسم بالتردي ومحدودية الفرص, ويجد نفسه مدفوعا للتساؤل عن اسباب ما يحصل لهم, البعض يلقي بذلك على الاحتلال, البعض الآخر يعتبر ذلك من مسؤوليات وكالة غوث اللاجئين ألأنروا, وآخرين ان السطلة الفلسطينية هي التي تتحمل وزر وضعهم الحالي.

يقول الشاب م ,ع ” مخيم عايدة” وهو شاب في السابع عشر من عمره ان “ابيه يخرج من الصباح الباكر للعمل في اسرائيل ويعود في ساعة متأخرة من الليل وهو بالكاد قادر على اعالة اسرتنا, ويضيف انه نفس الاحتلال الذي شرد اهلنا في العام 1948 ووضعنا في سجن داخل مخيم عايدة ويجب ان نرشقه بالحجارة كل يوم مساءا ونهارا حتى يرحل”.

من الخطأ الكبير فصل ما يجري في المخيمات الفلسطينية داخل الضقة الغربية عما يجري في عموم الضفة الغربية , والاعتقاد بان الاحتقان يشتمل على المخيمات الفلسطينية فقط, خاصة ان هنالك احداث متلاحقة تقع ما بين السياسي والاجتماعي , اضرابات واعتصامات مرتبطة بعدم انتظام حصول موظفي القطاع العام على معاشاتهم الشهرية, بالمقابل انشطة وفعاليات شبه يومية ضد الاحتلال.

لكن المخيمات ونظرا لخصوصية حالة الأزدحام , وللخصوصية السياسيىة التي فرضتها قضية اللجوء بحيث ابقتها خارج دائرة الاندماج مع المدن والقرى المحيطة بها, علما ان مخيمات عديدة مثل الامعري, عايدة, والدهيشة وكثيرا غيرها تقع في قلب هذه التجمعات المدنية, حيث ان المخيمات ومنذ نشأتها رفضت ان تشارك او ان تقيم مجالس خدمية منتخبة ” مشابه للمجالس البلدية والقروية”, اعتقادا بان مثل هذه المشاركة قد تفسر بانها قبول للواقع, وتلاشي لصفة اللجوء شيئا فشيئا, كذلك ستعفي المجتمع الدولي ممثلا بوكالة غوث اللاجين من مسؤولياته السياسية والخدمية اتجاه مخيمات اللاجئين الفلسطينين.

مخيم بلاطة والذي يعتبر معقلا قويا لحركة فتح في منطقة نابلس وجد بعض نشطائه الشباب انهم في صدام مع الأجهزة الامنية, ادت الى استعراضات عسكرية هي بالاساس تعبر عن حالة عدم رضى وتوتر داخل المخيم, وهي بذلك تكرر تلك التجربة السابقة لمخيم جنين, بحيث ان السلطة الفلسطينية قد تعاطت مع مثل هذه الأحداث على قاعدة الامن والحل الأمني, ففي مخيم بلاطة وبعد ان قام بعض المسلحين بتسليم انفسهم للاجهزة الأمنية الفلسطينية ثارت احتجاجات من قبل عشرات النشطاء في المخيم بحيث اغلقوا الشارع الرئيسي باالاطارات المشتعلة”21 كانون الثاني 2013″ احتجاجا على اعتقال النشطاء العسكريين. وخلقت ايضا حالة من التضامن من قبل بعض العناصر المسلحة في مخيم جنين, ومخيم الفارعة , والتي هي بدورها قامت باستعراضات عسكرية تضامنية مع مسلحي مخيم بلاطة.

اما في مخيم الأمعري وسط مدينة رام الله, فلم يختلف الامر من حيث الجذر عما جرى في بلاطة ومن قبله جنين, خرجت اعداد كبيرة من المتظاهرين متضامنين مع الاسرى الفلسطينين في سجون الاحتلال و اغلقت الشارع الرئيس القدس رام الله ووجدت نفسها في صدام مع الامن الفلسطيني مما ادى الى اصابات واعتقالات, ايضا كان الحل الامني هو سيد الموقف.” 20 كانون الثاني 2013″.

في مخيم الدهيشة جنوب بيت لحم, الاحتقان السياسي والمجتمعي يأخذ شكلا آخر, فعلى السطح يطفو خلافا ما بين القوى السياسية , احزابا, مؤسسات شعبية جماهيرية, التمثيل السياسي والخدمي, وبقدر آخر صراع وتناقضا على مستوى الحزب السياسي الواحد, بحيث ساد عنوان خلافي وهو الاتفاق مع شركة كهرباء القدس, ينص على اعفاء سكان المخيمات من الديون التي تراكمت على مدى اكثر من عشر سنوات ماضية. لكن واقع الخلاف يعكس قضايا اكبر من الاتفاق المذكور.

بعيدا عن تضخيم ما يجري في مخيمات الضفة الغربية, وبالمقابل عدم تصغير لما يحدث في هذه التجمعات اللجوية المهمة, فان تتابع هذه الاحداث وتكراريتها في الكثير من المخيمات من شمال الضفة الغربية الى جنوبها, لابد ان يؤشر الى ان القضية عامة, وليست حكرا على مخيم دون الآخر, مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل مخيم وخارطته السياسية والمجتمعية وموقعه الجغرافي هذه العوامل التي تفرض حراكا يميز كل مخيم عن الآخر. الا انها وبمجملها تعكس احتقانا سياسيا ذو بعدين, الاول الاحتلال, وازدياد تغوله, وعدم التوصل الى حل سياسي, والثاني ان السلطة الفلسطينية غير قادرة على الاستجابة للعديد من تساؤلات اللاجئين المتعلقة بكيانيتهم السياسية, وسبل حياتهم اليومية. وليس مجرد قضايا امنية خلافية مع المركز

 * الكاتب: اكرم عطاالله العيسة