منظمة التحرير الفلسطينية الى اين ؟

إن الكلمة أمانة ومسؤولية، والحرص على نقلها بكل تجرد وشفافية وصراحة ووضوح وموضوعية، ووضعها في قالب حدثها دون زيادة أو نقصان أو تهويل، أمر ارتضيناه في ظل ما يجري من متغيرات وتحولات وإفرازات هذه المرحلة التاريخية الاستثنائية وانعكاساتها على مستقبل المنطقة العربية والقضية الفلسطينية التي نجح بعضها في احتواء آثار تلك المتغيرات التاريخية.

وامام هذه الاوضاع نتوقف امام وضع منظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلت إنجازاً وطنياً، باعتبارها إطار جامع للشعب الفلسطيني، ووقفت بكافة فصائلها بمواجهة تذويب قضية فلسطين أو تضييعها في أروقة ودهاليز السياسات الرسمية العربية أو الدولية، وحافظت على القرار الوطني الفلسطيني.
ونحن اليوم نتطلع الى اوضاع منظمة التحرير الفلسطينية ، في ظل الاطار الوطني المؤقت لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية والتي دخلته بعض الفصائل بعد حوارات وخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي. ولا بد من أن تأخذ مبادرة لتفعيل منظمة التحرير كالأولوية على الترتيبات المتعلقة بملف السلطة الفلسطينية.

إن تفعيل منظمة التحرير أولاً سيعيدها إلى حجمها ودورها الحقيقي في تمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وبعيداً عن الارتهان للإرادة الخارجية، ويمكن أن يعيد السلطة الفلسطينية إلى حجمها الطبيعي كإحدى أدوات منظمة التحرير في تحقيق الأهداف الوطنية.

علينا أن نفكر جدياً كيف نغعل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على اساس شراكة حقيقية لها برامجها وخططها السياسية والاعلامية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والحقوقية، وأن تكون هذه المؤسسات بعيدة عن المحسوبيات العشائرية، وذوي القربى، والارتزاق، وأن تعتمد فقط على الكفاءات، والقدرات المهنية، والكادر المبدع، من خلال هذه المؤسسات نستطيع إنقاذ حركة فتح، وإعادة الحيوية إليها لتأخذ دورها الريادي المعهود.
ومهما يكن من أمر، وبعيداً عن مدى جدية الأطراف الفلسطينية ومآل جهودها المتصلة بمستقبل المنظمة، والمصالحة عموماً، فإن ثمة ضرورة لإحالة ملف النقاش والجدل المتعطل بإعادة ضخ دماء جديدة في شرايين منظمة التحرير، وإعادتها إلى بؤرة الضوء كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ولعل المدخل الصحيح لهذا النقاش، هو تحديد المفهوم المطلوب إنجازه على صعيد هذا الكيان المعنوي والتعبير السياسي والإطار الجبهوي الفلسطيني. إذ على الرغم من أن العنوان الأبرز هو تفعيل المنظمة.

وتطوير دورها وأدائها، فإن معظم الاجتهادات تنصب في هذا الاتجاه الذي يقتضي التوقف أمام رزمة من المحددات والإجراءات الملحة لضمان العبور الآمن نحو عملية التفعيل المطلوب. ولعل الأهم، في هذا المضمار، هو إجراء قراءة نقدية جريئة لأداء المنظمة، على المستويات كافة، وتشخيص الواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني القائم راهناً، بحيث يتم أخذ المستجدات التي طرأت على هذا الصعيد بنظر الاعتبار، سواء من حيث ضم فصائل جديدة لم يكن لها تمثيل في منظمة التحرير، أو إضافة نخب سياسية ومنظمات مجتمع مدني جديدة إلى هياكل المنظمة والهيئات المختلفة؛ وضرورة أن يكون الخطاب السياسي والإعلامي وسواه، وأن يشيّد على أسس ديمقراطية سليمة تستند إلى مبدأ الشراكة الحقيقية البعيدة كل البعد عن التهميش أو الاحتكار أو الإقصاء، أو المحاصصة بين كل من “فتح” و”حماس”؛ فضلاً عن تقبّل الآخر، واحترام رأيه، والابتعاد عن ثقافة التكفير والتخوين في التعامل مع هذا الآخر.

على هذه الأرضية، واستناداً إلى ضرورة إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، والحفاظ على الهوية، والتأكيد على استقلال القرار الوطني الفلسطيني، والاحتكام إلى مبدأ الحوار لحل أي خلافات أو اختلافات في الرأي، مع التأكيد على تعزيز الوحدة الوطنية والمجتمعية والسلم الأهلي والالتزام بالثوابت الوطنية الفلسطينية المجمع عليها، والتوافق على برنامج وطني فلسطيني يتعلق بالأهداف الإستراتيجية والتكتيكية، ووضع الآليات اللازمة لذلك ، وتعزيز دور منظمة التحرير كمرجعية وطنية عليا، وممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

ان تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وفق آليات متفق عليها، والسعي كذلك إلى إعادة النظر في نسب تمثيل الفصائل والمنظمات الشعبية والمهنية، والجاليات في المهاجر والشخصيات الوطنية والفعاليات، في المجلس الوطني، في ضوء المتغيرات والمستجدات على الأصعدة كافة، ولمصلحة أوسع تمثيل حقيقي لملايين الفلسطينيين في الوطن والشتات، ومن ثم التحضير لإجراء انتخابات للمجلس الوطني الذي يجب تجديد شبابه بشكل دوري عن طريق هذه الانتخابات، حيث ما أمكن ذلك، وفق قانون التمثيل النسبي، ومع التوافق على نسبة الحسم، وضمان أوسع مشاركة وطنية في رسم آلية اختيار أعضاء المجلس الوطني في المناطق التي تضم تجمعات فلسطينية يصعب إجراء الانتخابات فيها. على أن يتبع ذلك انتخاب مجلس مركزي جديد يتم التوافق على عدد أعضائه، من قبل أعضاء المجلس الوطني، ومن ثم انتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية، بما يضمن أوسع مشاركة للفصائل والمنظمات والشخصيات المستقلة.

إلى جانب ذلك، وبالتوازي مع هذه المهام العاجلة التي تتطلب استنفاراً استثنائياً لورش عمل فلسطينية تصوغ آليات عمل خلاّقة لترجمتها على الأرض، لا بد من تفعيل دوائر منظمة التحرير، وفق أسس مهنية سليمة، ورفدها بطاقات شابة لضمان قيامها بواجبها تجاه كل الفلسطينيين بكفاءة عالية، وإعادة إنتاج دور وفعالية النقابات والاتحادات الشعبية، وضمان إجراء الانتخابات النزيهة والحرة فيها بشكل دوري، وتوفير الميزانيات اللازمة لها للقيام بدورها بكل مهنية وكفاءة. فضلا عن تفعيل دور السفارات الفلسطينية في الخارج، ورفدها بالكوادر والكفاءات المهنية، والتأكيد على دورية وانتظام انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني والهيئات المنبثقة عنه وفق لوائح وأنظمة م.ت.ف القائمة، وما يدخل عليها من تعديلات جديدة، وإقامة هيئات رقابية إدارية ومالية فاعلة على مؤسسات منظمة التحرير لمواجهة أي فساد أو تسيب إداري ومالي وخاصة في ظل عشوائية الراتب والرتب.

إن طريق تفعيل المنظمة بحاجة إلى إرادة واعية وعقلانية تعرف ما يمكن ومـا لا يمـكن تحقـيقه، وتـدرك أن أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة هو الحفاظ على القضية حية ووجود الشعب في وطنه ودرء الأخطار وتقليل الخـسائر إلى أن ينهض العرب مجدداً لنصرة القضية الفلسطينية، رغم ما نراه من ان لقاءات المصالحة الجارية لا يمكن نجاحها الا اذا توفرت علـى أيدي الفلسطينيين أولاً ، وليس بانتظار ما ترسمه الثورات العربية بعد تولي الإسـلام السياسي زمام امور في بعض الدول العربية للتعامل مـع القضية الفلسطينية كمجرد نقطة في محيط المشروع الإسلامي في المنطقة، وخاصة ان الشعب الفلسطيني يدرك تماما طبيعة الصراع مع الاحتلال والاستيطان.

أن التاريخ لا يمكن أن يرحم من يتاجر بعذاب الشعب الفلسطيني ولا يمكن أن يكون تاريخنا عابر او مجرد كلمات فالشعب الفلسطيني الذي قدم التضحيات في سبيل الحفاظ على هويته وكيانه وارضه من خلال تمسكه بالوحدة الوطنية الفلسطينية والعمل على انهاء الانقسام ، وقدم خيرة قادته شهداء وفي مقدمتخمك الرئيس الرمز ياسر عرفات وحكيم الثورة جورج حبش وفارس فلسطين ابو العباس والقادة ابو علي مصطفى وعبد الرحيم احمد وسمير عوشه والشيخ احمد ياسين وفتحي الشقاقي وعمر القاسم وطلعت يعقوب وابو احمد حلب ومحمود درويش وسليمان النجاب وقوافل الشهداء يرفض ان يضع اي شخص كان او دولة تسمية رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية دون انتخابه من قبل الشعب الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وخاصة ان وحدة شعبنا تخيف مستقبل الدول التي تتدخل في الشأن الفلسطيني لانها تنهي اجندتهم الشخصية .

وامام كل ذلك نرى ان المهمة الأعظم والأكبر ان تتوحد كافة القوى والفصائل في المنظومة الوطنية الأكبر والاشمل تحت عنوان واحد منظمة التحرير الفلسطينية بكل تلاوين الطيف الفلسطيني وان يبقى شعارها الاشمل هو إنهاء الاحتلال والاستيطان.

وختاما لا بد من القول ان هناك من استعد لتغيير التاريخ. ، قد يكون هناك وسطاء فيما يتعلق بتكييف الواقع مع السياسة ولكن لا يجب مصادرة المستقبل، ، وعليه ان يعلم ان الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية هما من يقرر رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية ليس هذا الزعيم ولا هذا الامير ، وان الشعب الفلسطيني متمسك بالمشروع الوطني واستمرار الصراع مع المستعمر حتى دحره عن ارض فلسطين ونيله الحرية والاستقلال والعودة .

* الكاتب: عباس الجمعة