ديناميكيات بناء الشعبية والتغيير بين: الولاء للمصالح.. والولاء للوطن!!

حفلت ساحتنا الفلسطينية بكثير من جولات المنافسة بين القوى السياسية على كسب قلوب ابناء شعبنا الفلسطيني في مناسبات مختلفة ومتنوعة.
وقد استقوت بعض القوى السياسية بالجماهير و في مناسبات مختلفة بنسبة حضور الجماهير للدلالة إما على مصداقيتها وإما على تأييد الشعب لتوجهاتها وإما لبيان أن الجماهير على الأقل ليست مع الخصم السياسي الآخر.
في بيئتنا الفلسطينية كان يمثل التمسك بالمصالح العليا لشعبنا أحد أهم عوامل جر وجذب وكسب تأييد الجماهير لهذه القوى السياسية وتوجهاتها السياسية.
فكانت الجماهير على سبيل المثال تقف بقوة بما يشبه حالة الاجماع مع كل قوى سياسية ترفض التنازل عن شبر من فلسطين وترفض التفاوض مع العدو المحتل وتتمسك بالمقاومة سبيلا، وكانت الجماهير تتغنى بالكفاح المسلح وبالبنادق والشهداء والعمليات.
ثم تدنى السقف الوطني بفعل تدهور الفعل السياسي للقوى السياسية في مواجهة العدو حتى أصبح وضع أغصان الزيتون على جيبات العدو في نهاية الانتفاضة الأولى عملا وطنيا.
وباتت الجماهير تلتف حول قوى سياسية بعينها أملا في ما ستجلبه هذه القوى لشعبنا من مصالح عاجلة ليس أقلها الوظائف وفتح أبواب العمل والرزق والتجارة وحرية الحركة…وكل ذلك مغلفا بطابع الانجاز أو العمل الوطني.
في هذه الأثناء حيث أصبح معيار المصلحة الذاتية – الراتب والوظيفة مثلا – وليست المصلحة الوطنية هو ذاته معيار ما قد تتمتع به هذه القوى السياسية أو تلك من شعبية في أوساط الجماهير.
تحول هذا المعيار ذاته إلى أحد مقاتل تلك القوى التي تحولت بقيم الجماهير من بناء الشعبية الجماهيرية بناء على مقدار ما تحققه القوى السياسية من المصلحة الوطنية العليا، إلى مقدار ما تحققه القوى السياسية من مصالح ومنافع خاصة بالجمهور وليس للوطن.
وعليه قد يقع على كاهل بناة القيم ومهندسي ابراج الفضيلة الوطنية والفضيلة الأخلاقية في مجتمعنا الفلسطيني عبئ العودة بمعاول متينة للعمل بجد على غرس القيم ولبنات الفضيلة في صفوف أبناء شعبنا ليصبح الانتماء للوطن أقوى من الانتماء الراتب أو الوظيفة أو حتى الفصيل.
وقد بات من المعروف علميا واجتماعيا وسيكولوجيا أن المدخل الديني هو أسهل وأسرع المداخل والسبل لإعادة تقويم النفوس وإعادتها الى جادة الصواب الوطني والأخلاقي سواء على الصعيد الفردي أو الصعيد الجمعي.
إن استجابة الجماهير الكبيرة لدعوة قوى سياسية تتسم عموما بالتفريط السياسي والفساد الأخلاقي والمالي وقبل ذلك الوطني تعد كارثة وطنية فضلا عن كونها مؤشر على الخلل الكبير الذي بات يعتري منظومة القيم التي يرتكز عليها الشعب في نظرته للقضايا التي تتعلق بحاضره وبمصيره ومستقبله الوطني ومستقبل أجياله.
الأمر الذي يجب أن يقرع أجراس الانذار المجللة في صفوف القوى السياسي التي تصف نفسها وتتصف عموما بأنها لدعاة القيم والفضيلة الوطنية والأخلاقية قائدا وإماما.
إذا لا يجب أن تكتفي هذه القوى السياسية بالتفاف وتأييد الجماهير العربية خارج الحدود لها ، فيما الجماهير الفلسطينية داخل الحدود منقسمة وتلتف بقوة حول قوى سياسية أخرى نظرا لسوء الأحوال الاقتصادية أو نظرا لسوء الرؤية الوطنية أو بسبب الضبابية التي تثيرها بعد التصريحات والممارسات أو السلوك اليومي لأفرادها وكوادرها وقياداتها من خلال مواقعهم الحركية أو الحكومية.
أن تقوم رعيتك بالزراعة في حقل غيرك أمر يثبت ان هناك مشكلة عميقة بين البناء القاعدي بينك كقوة سياسية وبين جماهير الشعب الفلسطيني، بين قواعدك وبين المجتمع.
الأمر الذي يلزم أي قوى سياسية تسعى لأن تتسيد قلوب شعبها العمل على صعيدين لا ينفصم احدهما عن الآخر:
أولا صعيد البناء والصف الداخلي عبر :
– إعادة تثقيف وتأهيل قواعدها كي تكون أكثر فاعلية في المجتمع، ومتكيفة أكثر معه ومع حاجته.
– إعادة تأهيل قواعدها لتكون أكثر قدرة على فهم ديناميات العمل المجتمعي.
– إعادة النظر في أدوات ووسائل التواصل المباشر مع الجماهير والبحث عن وسائل أكثر نجاعة.
– الحرص على الابتعاد عن الأعمال الاستعراضية التي باتت الجماهير خبيرة في كشفها فهي ذات مردود عكسي اجمالا.
– العمل على إعادة تأهيل وتدريب عناصرها على ثقافة احترام الآخر وتقبله والتمركز حول عناصر التجميع والعمل المشترك ونبذ التمركز حول الذات.
– أن تتخذ من قاعدة “التعاون على البر والتقوى” كقاعدة عامة لعمل الخير والعمل الطوعي الأمر الذي يحتاج اعادة منظومة التربية على قيم التسامح والتفاؤل وحب المجتمع.
– إعادة صياغة عقول ونفوس وقلوب أبناءها كي يكون متصالحاً مع الذات ومع المجتمع، وهذا يحتاج إلى استنهاض جديد ويقظة حقيقية وليست رقمية وإحصائية على اوراق التقارير الشهرية.
– التخلص من حالة العجب التي تنتاب القوى السياسية وأبنائها بعد أي انجاز، وعدم الركون إلى ما تحقق من انجازات وانتصارات على الأرض لما يسببه ذلك من ضبابية في قدرتها على قراءة الموقف وتحليل البيئة الداخلية لصفها الداخلي.
– عدم الركون لحالة العجب والمديح من جماعات المنتفعين وأصحاب المصالح أو ضعيفي العلم والمهنية بعد أي انجاز.
– العمل على تثبيت القراءة العلمية المتخصصة للوضع التنظيمي وليس القراءة الظنية عن بعد، واستخدام الوسائل الاستقصائية للتعرف على ثقافة القواعد، ومدى صلاحيتهم وأهليتهم للعمل مع جماهير الشعب، وقدرتهم على تسويق برامجها وقيمها ومفاهيمها.
– الاقرار أولا بوجود مشكلة ثم البدء بوسائل العلاج عبر البدء باعتماد استخدام كافة وسائل وأدوات الاستنفار وحالات الطوارئ العملية والفكرية مثل تشكيل فرق العمل وعقد الندوات والورش المتخصصة واعتماد الدراسات الاستقصائية لتُقَييم الشعبية والانتشار، وذلك لوضع اليد على مكامن الخلل والاجابة على سؤال :
لماذا تفشل هذه القوى السياسية رغم صدقها وصوابية مواقفها وتمسكها بالقيم والفضائل الوطنية والأخلاقية الجامعة للأمة ورغم إنجازاتها فيما تنجح قوى سياسية أخرى في إقناع الشارع رغم دجلها وكذبها وفشل خياراتها..!!.
ثانيا:على صعيد التغيير الاجتماعي:
إن لعلماء الاجتماع أشكالا متعددة للتغيير الاجتماعي، والثقافي، والحركات الإصلاحية الاجتماعية على اختلاف بينها في ذلك ، فمنها من يؤمن بالتغيير بالشكل الإصلاحي ، ومنها من يؤمن بالطريقة الثورية في التغيير ، ومنها من يقوم على الطريقة الانتقائية ، ولكن المنهج الذي نادى به صاحب الظلال الشهيد سيد قطب هو التغيير الشامل والكامل في البنية التحتية والفوقية للمجتمع القائم ، وذلك بعد إنشاء التصور الإيماني، والثقافة النابعة من الفكر الإسلامي .
حيث يقول سيد قطب : “إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد ، جاء ليحكم الحياة في واقعها، ويواجه هذا الواقع، ويغيّره من أساسه ، ومن ثم فهو لا يشرع إلا حالات واقعية فعلا، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده”.
لذلك فهو يؤمن بأن تتمثل بذور التغيير في وجود تجمع حركي ، أي في طليعة تعزم العزمة، وجماعة تمضي واضحة المعالم مستبصرة لهدفها المنشود، لا تحيد عنه قيد أنملة وكان يريد أن يبني الجماعة والحركة، بالعقيدة ، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو الصورة المجسمة للعقيدة .
فالواقع العملي للتجمع الجاهلي هو الذي يفرض واقع التغيير وإلا بقي الإسلام مجرد شعار يرفع، وطقوس تؤدى، ليس له نصيب في واقع الحياة العملية ، وهذا مما استدعى صاحب الظلال أن يكرر ذلك بقوله : “ومرة أخرى أكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي ، وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلا صحيحًا وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي”.
وأي خلل في هذه المعادلة يؤدي إلى تشويه في الحقيقة، أو تضخم في بعض الجوانب على حساب جوانب أخرى ، وبالتالي يخرج هذا المنهج عن طبيعته ويؤيد ذلك صاحب فقه الدعوة حيث يقول : “إن وسائل هذا المنهج لإنشاء آثاره في عالم الواقع ومزاولته بالفعل ، أن لا يقدم مباديء نظرية، ولا توجيهات مجردة ، ولكنه يطبق ويزاول نظرياته وتوجيهاته وبهذا يتضح أن سيد قطب رحمه الله يعلن بصراحة أن هدف الإسلام الأول بعد إنشاء التصور النقي الواضح في النفس هو تحويله لواقع عملي بوجوده في جماعة حية تغير هذا الواقع بجميع مكوناته، سواء في مجال الثقافة، أو الواقع الاجتماعي ، بمعنى أن يكون التغيير في الجانب الثقافي والاجتماعي على حد سواء وخطوة بخطوة حيث تمضي كل خطوة إلى التي تليها .
دور وسائل الإعلام في إحداث التغير الاجتماعي :
أن دور الإعلام في أي مجتمع بشري – دور عظيم وخطير، وهو في المجتمعات المعاصرة أشد أهمية وأكبر خطرًا، حيث تتعدد الاهتمامات وتتناقض الميول وتختلف الاتجاهات، وحيث يقوم الإعلام بمهمة البناء ومهمة الحماية والوقاية والتصدي للغزو الفكري الخارجي في آن واحد.
إذا استكمل مقوماته ووسائله الصحيحة وأحسن استخدامه وتوجيهه في مجتمع ما، كان قوة دافعة كبرى للبناء والتطور والنهوض بالمجتمع .
وعلى الجانب الآخر فإن الإعلام الذي يفشل في أداء دوره وتحقيق رسالته في المجتمع لا يقف أثره عند حد الفشل الذاتي، وإنما يتعدى ذلك إلى إحداث آثار سيئة في المجتمع – أدناها الشعور بالإحباط النفسي في الوجدان العام للمجتمع – وهو ما يدفع أفراد المجتمع إلى الإعراض وعدم التجاوب واللامبالاة – ثم البحث والتطلع إلى مصادر وقوى أخرى.
إن التطور السريع المتزايد لوسائل الإعلام باعتبارها أداة الاتصال مع مختلف المجتمعات جعل منها عنصراً أساسياً من العناصر التي تشكل هيكل المجتمع وبنيته الاجتماعية والثقافية ويمثل هذا التطور للمجتمعات النامية تحدياً ذا وجهين :
الأول :الإمكانيات الضخمة التي تقدمها وسائل الإعلام المتطورة لدفع حركة التنمية الشاملة للمجتمع وتحقيق أمانيه الحضارية.
الثاني : إن نقل وسائل الإعلام قد يصحبه تأثير ضار بقيم مناهضة لتطلعات المجتمعات قد تؤدي إلى تخدير الفرد والجماعة وإفساد القيم الثقافية والاجتماعية الإيجابية.
دور وسائل الإعلام في الجانب السياسي:
– غرس الشعور بالانتماء الوطني و القومي لدى المواطنين.
– التصدي لمحاولات التشكيك التي تقوم بها القوى الخارجية إضافة إلى التصدى لبعض الشائعات في الداخل .
– أن تشكل وسائل الإعلام منبر لكل الآراء الوطنية .
– تهيئة الجماهير للتغيرات التي سوف تحدث ,ومساعدتهم على فهمها والتكيف معها سواء أكانت على المستوى الداخلي أو الخارجي حتى لا يتفاجأ الجماهير بهذه التغيرات .
دور وسائل الإعلام في الجانب الاجتماعي
– وظيفة تشاورية : بحيث تقوم بخدمة القضايا العامة من خلال الوضع التشاوري .
– وظيفة تقوية العادات الاجتماعية الإيجابية : حيث تقوم بفضح الانحرافات الاجتماعية أمام الرأي العام .
– وظيفة تحديرية : عن طريق زيادة مستوى المعلومات للجمهور
– إثارة التعاون في الاهتمام بمحور الأمية السياسية والثقافية.
– بث القيم الروحية و الأخلاق الفاضلة بين الناس
– التركيز على قيمة العمل وأهميته في تنمية المواطن والوطن
– ترشيد الأنماط السلوكية السائدة الخاصة في الزواج مثلا .
– تغيير العادات الصحية السيئة وتنمية الوعي الصحي
– ترشيد البرامج التربوية والتعليمية في المدارس والجامعات بما يتفق مع تعاليم الدين .
دور وسائل الإعلام في الجانب الاقتصادي :
– تنمية الوعي الإدخاري لتوفير الاستثمارات اللازمة للمشروعات وأهمية الادخار في ترشيد عملية الاستهلاك .
– توضيح دور المواطن في تنمية الوطن من خلال دفعه للضرائب أو التبرعات وغيرها
– تقديم نماذج حية في ترشيد الاستهلاك, وخاصة في توجيه أفراد المجتمع بكيفية التعامل مع العادات الدخيلة على المجتمع والمرفوضة من قبل ديننا الإسلامي مثل (عادات التدخين والمخدرات )
– تقوم بدور إرشادي في مجال الإرشاد الزراعي والأمن الاجتماعي والاقتصادي.
دور وسائل الإعلام في الجانب الإداري:
– إبراز مظاهر التخلف في القوانين واللوائح التي تعجز عن توفير المرونة لمواجهة الظروف المتطورة وحث المنظومة التشريعية على تغييرها.
– تشجيع الحلول الذاتية التي يأخذها بعض الإداريين للتغلب على المشكلات والإجراءات البطيئة التي تعرقل سير العمل.
– تشجيع تطبيق اللامركزية في الإدارة , وتدعيم الإدارة المحلية والكشف عن الأساليب المعوقة لانسيابية العمل الإداري .
إذا لا يمكن فصل وسائل الإعلام عن أي من جوانب الحياة اليومية في المجتمع، ذلك أن الإعلام يحمل على عاتقه مهمة نقل وتطوير “الإرث الحضاري والإرث الاجتماعي “من جيل إلى جيل .
ومجمل القول أن الإعلام – بالنسبة للمجتمع الإنساني المعاصر – أشبه ما يكون بجامعة كبرى مفتوحة لها مناهجها اليومية المتجددة والمتغيرة مع الظروف والأحداث، والمتطورة بتطور الحاجات والاهتمامات، والمتسعة باتساع الوعي العام والنشاط العام للمجتمع.
كما أن الإعلام يمثل ساحة كبرى، يلتقي فيها أبناء المجتمع الواحد على اختلاف فئاتهم ومشاربهم.. يلتقون على الخبر الواحد والحدث الواحد، ويتعارفون على صعيد واحد رغم اختلاف اهتماماتهم وثقافاتهم، لكنهم رغم ذلك يتعارفون على الاهتمامات الأساسية والمشتركة بينهم، والتي تعنيهم كأبناء مجتمع واحد، ثم يتشعبون – كلٌّ إلى ما يهمه ويعنيه في تلك الحياة اليومية المتجددة.
من يصنع التغيير:
إن السؤال الذي يجب الإجابة عنه بعد تكرار المشاهد الثورية في كل من تونس ومصر وتوسع هو: هل تلعب وسائل الإعلام، دوراً داعماً في التغيير الاجتماعي عن طريق تقوية المجال الجماهيري؟
يقول الفيلسوف الألماني يورغن هيبرماس في كتابه «التحول الهيكلي للمجال العام» (1962م): ساعدت الصحافة المطبوعة على جعل أوروبا ديمقراطية عن طريق توفير فضاء للنقاش والاتفاق بين المواطنين المنخرطين سياسياً، وغالباً قبل أن تصبح الدولة ديمقراطية تماماً.
لا يمكن الجزم تماماً بصحة تلك النظرية؛ فالحرية السياسية ينبغي أن تترافق مع مجتمع متعلم مثقف بما يكفي، ومتصل بكثافة كافية ليناقش القضايا التي تقدَّم إلى الجمهور.
وما ساعد الثورة التونسية – على سبيل المثال – أن عدد مستخدمي فيس بوك في تونس يتجاوز مليونين، وهو أكبر رقم في إفريقيا ومن أعلى النِّسب في العالم العربي، و أن: 75 ? من مستخدمي موقع الـ (فيس بوك) التونسيين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة.
وفي مصر ما ميَّز الثورة الشعبية عملية التنظيم والدقة في التوقيت، فقد نظَّمها الشباب الثائر بكل حِرَفية ودقة ومسؤولية وبأبسط وسائل التعبير مستخدماً شعارات المرحلة الراهنة المعبِّرة عن طموحات الجميع: الحرية في التعبير، واحترام الرأي الآخر، والديمقراطية، والتوزيع العادل لثروات البلاد، والنزاهة، والقضاء على الفساد.
لقد أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تأصيل الثورة في تونس ومصر؛ فالجماعات المنضبطة والمنسقة تمتلك ميزة على الجماعات غير المنضبطة؛ فهي تمتلك وقتاً للانخراط في الفعل الجمعي، ولها طريقة في توجيه سلوك أفرادها، والإعلام الجديد هو جزء من الواقع الجديد الذي يجري فيه العمل السياسي؛ ولكن لو جلس الجميع صباح مساء على مواقع التواصل الاجتماعي بدون وجود مسببات لما قامت أي من الثورات.
فالإعلام لا يغير وحدَه عقول الناس؛ حتى وإن بث الآراء، بل يجـب لهذه الآراء أن تُتدَاول في وسط الجمهور، وفي الخطوة الثانية يتم تشكيل الآراء، وهذه هي الخطوة التي يستطيع بها الإنترنت بشكل عام، والإعلام الاجتماعي بشكل خاص أن يُحدِثوا فرقاً.
وكما كان حال الصحافة المطبوعة، فإن الإنترنت لا يقوم فقط بنشر الاستهلاك الإعلامي؛ وإنما يقوم بإنتاج الإعلام فهو يسمح للناس بأن يناقشوا على المستويين الخاص والعام طيفاً من القضايا المتعارضة.
لهذا أصبح من الممكن للجماعات أن تطبق نوعاً من السلوك المنسِّق للاحتجاج وإنشاء حملات جماهيرية تتطور ببطيء حيث يعتمد الرأي العام على الإعلام والحوار معاً، وفي الحالة التونسية والمصرية قامت الثقافة الشعبية بدورها في مفاقمة النزعة المحافظة عن طريق تقديم غطاء لاستخدامات سياسية أكثر لوسائل الإعلام الاجتماعي.
ولهذا يصبح من الأكثر منطقية أن يحصل الاستثمار في وسائل الإعلام الاجتماعي باعتبارها أدوات عامة للتوجيه وطرح الآراء، أكثر من كونها أدوات سياسية، مع التأكيد على أنه ليست كل حركة سياسية تستخدم هذه الأدوات سوف تنجح ، والطريقة الأكثر أهمية لمستخدمي الإعلام الاجتماعي هي المتعلقة بالكيفية التي تستطيع فيها تلك الأدوات تقوية الشعور العام ومؤسسات المجتمع.
وبعد: فإن استخدام أدوات الإعلام لا يفضي بالضرورة إلى نتيجة واحدة؛ فربما لا تسبب ضرراً على المدى القصير، وربما تفيد على المدى البعيد، ولكن يبقى القول: إن الإعلام الجديد وما يحتويه من شبكات اجتماعية سيصنع فارقاً كبيراً في صناعة الإعلام في المستقبل من خلال سرعة نشر الأخبار ومصداقيتها المدعمة بالصوت والصورة، وزيادة مستوى الوعي ورفع مستوى المعرفة.
لذلك فالثورة في كلٍّ من تونس ومصر نستطيع أن نطلق عليها ثورة الـ (فيس بوك، والتويتر، وملايين المدونات الشبابية)، بينما الثورة في فلسطين فهي أكثر واقعية لأنها ثورة الصدور العارية والقبضات الفارغة في وجه الآلة العسكرية والعربدة الصهيونية وببث مباشر أمام ناظري العالم.
ولا يمكن لنا ان ندعم ثورة الحق على الباطل وثورة الصدور العارية على مخرز الجلاد الصهيوني في فلسطين بتحشيد كل قوى الأمة وأحرار العالم حولها عبر الاستخدام الروتيني البيروقراطي التقليدي لأدوات الاعلام الجديد.
فلكي يصبح الاعلام وعلى رأسه أدوات الاعلام الجديد أداة ثورية للتجميع والتحشيد وبناء الرأي العام والتغير الاجتماعي وتوظيفه في اطار معركة التحرير، يجب على قوانا السياسية اعادة النظر في نظرة هذه القوى لأهمية ودور الاعلام أولا ولوسائل وطرق استخدام الاعلام كأدوات ثورية بخطاب ثوري واقعي مؤثر في اطار مشروع التحرير.
* الكاتب: عماد عفانة