أين نحن من عصر المشاركة؟!

في غمار الثورات العربية التي تقفز من بلدٍ لآخر متسلحة بوقود الوسائط الجديدة للإعلام وأبرزها ” الفيسبوك” نجد في الساحة العربية والفلسطينية أطراف أربعة تتقاسم فيما بينها مساحة الرأي والرؤية بخصوص تأثير هذه الوسائط في خلق عصر عربي جديد يتزايد فيه شعور الأفراد بكيانهم الذاتي وفاعليتهم في بناء مجتمعاتهم مع عدم الاكتفاء بالسباحة في العالم الافتراضي؛ بل بتولي صنع وابتكار معلومات جديدة والعمل على تداولها، ومن ثم تجسيدها على أرض الواقع عبر حراك اجتماعي وسياسي محدد في الأهداف، ومختلف في الأدوات.

الطرف الأول يرى بتوافر مقومات هذا العصر الجديد منطلقاً من فرضية مؤداها أن المشاركة هي الاستجابة المنطقية للأوضاع والتحديات السائدة في عالمنا العربي الآن، وأنها حق أخلاقي وأدبي للجميع، خصوصاً بعد سهولة التواصل والحصول على المعلومات وزيادة الإقبال على مواقع التفاعل الاجتماعي. هؤلاء يرون أن هذه المواقع ليست وسيلة للتعبير عن الرأي فقط ولكن أيضا كأداة وعامل في إرساء قواعد التفاهم واحترام الثقافات والقيم المختلفة المتباينة والتوفيق بين المصالح المتعارضة، فضلاً عن إبراز التفرد والتنوع الخلاق.

ولشرعنة ما يذهب إليه هذا الفريق من تجسيد ” مفهوم المشاركة “، فإنه يجلب نموذج الثورات العربية التي ساهمت بدرجة ٍ عالية في تحقق هذا المفهوم عبر إزالة نظامي الحكم في كل من تونس ومصر، في الوقت الذي ما زالت فيه بعض الثورات تستعر في كل من ليبيا واليمن وسوريا، إلى جانب ” الهبات” التي تبرز هنا وهناك فتخبو حيناً وتلتهب أحياناً رافعة في معظمها شعاراً واحداً وهدفاً محدداً أصبح كـ ” الأيقونة ” لدى الشعوب العربية وهو : ” الشعب يريد إسقاط النظام “.

أما الطرف الثاني فيذهب للتأكيد على أن هذه الوسائط لم يكن لها سوى مساهمة محدودة في الثورات العربية، وأن عاملي الفساد والاستبداد ـ بما افرزاه من بطالةٍ وفقر وإقصاء وحرمان ـ هما الأساس في إشعال فتيل الغضب العربي، وأن إرادة الحياة بعصرٍ جديد خالياً من الظلم والجوع هي التي أضاءت الطريق نحو الحرية.فالمشاركة ( وفق هؤلاء) مادتها إفرازات ذلك العاملين وليست أدوات الإعلام الجديد. فالقهر والفقر هما اللذين يحركان وما الإعلام الا إحدى الوسائط التي تعزز مثل هذا الحراك. دليل هذا الفريق هو خروج أكثر من 10 ملايين مصري للمطالبة بإسقاط النظام، متسائلين هنا: هل نزلت هذه الملايين إلى الشارع بفعل شبكات التواصل الاجتماعي؟. الجواب لديهم بالنفي المطلق؟

وبين هذا الفريق وذاك نعثر على طرفٍ ثالث يرى أن مثل هذه الشبكات لها تأثير ملموس في الحراك العربي كأداة تقنية، ولكن لا يمكن لهذا التأثير أن يتحصل دون الانتماء لقضية كبيرة والولاء لمستقبلٍ مشرق وحر. دليل هذا الفريق ينطلق من ” إحماء” وسائط الإعلام الحديثة لإرادة الشعوب في حراكها وثوراتها ضد أنظمتها، معتبرين أن ثمة علاقة عضوية بين أدوات العصر وأشكال التعبير السياسي.

يبقى فريق أخير لا يرى ، أصلا، في كل ما يحدث في الوطن العربي حراكا أو ثورة، بل أن توصيفه لذلك لا يخرج من إطار ” المؤامرة الخارجية ” التي تسعى للعبث بالأوطان وأنظمتها بأيدٍ داخلية تشير إليها حينا بتوابع القاعدة وحركات الإسلام السياسي، وأحيانا بمرتزقة وشخصيات تتنفس بأكسجين هذه الدولة وتلك، وما إلى ذلك من توصيفات تتكئ على الماء وتنفخ في وعاء مشبع بالثقوب.

في ظل تنافر رأي ورؤى هذه الأطراف نعتقد أن الشعوب العربية قطعت شوطاً ليس بالبسيط في مسار هذه المشاركة وإن كان الأمر يحتاج للمزيد. فبعض ثورات العرب نجحت في إزالة “قبعات الفساد والاستبداد” لكنها لم تنتصر بعد في مخاض الديمقراطية من تحت إلى أعلى وهذا يحتاج إلى وقت وإرادة وتعاون ومواجهة يقظة وفاعلة ضد التواطؤ على ثمرة هذه الثورات. نحن في عصر المشاركة الشعبية إلى حدٍ كبير لكننا ننتظر عصر المشاركة السياسية التي لا ينفرد في خيوطها حاكم يرى في نفسه ظل الله على الأرض أو عائلة تنتزع البلاد كإقطاعية لأفرادها وحاشيتها.

* الكاتب: محمود الفطافطة