الديموقراطية الفلسطينية المؤجلة

شهر بعد آخر ويقال ان الانتخابات على الابواب, وانها ستتم في كلا شطري الوطن, فلا داعي للاستعجال, بدأ الشعب الفلسطيني بالتكيف واحيانا غير مبالي اتجاه اخبار المصالحو الفلسطينية, رئيسه قد اصبح وبقي في السلطة الى اجل غير مسمى, ومجلس وزرائه يستقيل المرة تلو الاخرى ولم يعد يعرف متى استقال ومتى قبلت استقالته, او متى تحول الى حكومة تسيير اعمال. اما المجلس التشريعي فقد انتهت ولايته دون ان يشرع من القوانين شيئا يذكر, الا ان هذه القوانين قد اصبحت تسن وتعتمد وتسري المفعول ضمن مرسوم رئاسي.
اما في قطاع غزة فلقد اعتادت أذن المواطن الفلسطيني على التسمية الجديدة, او بشكل ادق التسميات الجديدة, مثال الحكومة المقالة, حكومة قطاع غزة, حكومة حماس وما شابه, والقوانين والتشريعات على قدم وساق ودون اي مسوغات قانونية, بل ان بعضا منها قد سن بحد السيف في الشوارع. واما رئيس وزراء حكومة غزة فقد تم اختياره بناءا على توازنات داخلية في حركة حماس, وليس نتاجا لرغبة شعب انتخابية, على الرغم من ذلك يصرخ الكثير من الفلسطينيون ويتشدقون باننا ديمقراطين!
يستطيع المتتبع لوسائل الاعلام الفلسطينية وكذلك لصفحات التواصل الاجتماعي ان يدرك ويلاحظ بمنتهى السهولة ان الفلسطينيين لم يعودوا مكترثين بدرجة وحماسة كبيرة فيما يتعلق باخبار المصالحة ما بين حماس وفتح, فلقد اختبروا اعلانات المصالحة والتوافق او اقتراب الوصول الى اتفاق مصالحة وطنية ما يزيد عن عشر مرات – بدءا من اتفاق مكة الذي تم برعاية سعودية وصولا الى اتفاق القاهرة برعاية الرئيس المصري مرسي بداية هذا العام, والذي مازال يراوح مكانه حتى اللحظة.
كل هذا الكم الكبير من الاعلانات لم يفضي الى اية حقائق جديدة على الارض فيما يتعلق بالمصالحة, ويبدوا انها اصبحت عبارة عن عملية تنظيمية لادراة الصراع الفلسطيني الفلسطيني لا أكثر ولا اقل. واصبح المواطن الفلسطيني المثقف والعادي واحيانا بعض القادة يتندرون ويطلقون النكات حول هذا الموضوع. ان ذلك سبب قبولا اكثر لامكانية تجذير الانقسام وتعوده. اما الامر الذي يمثل خطرا اكبر على المجتمع الفلسطيني فهو ان الانقسام اصبح عذرا وسببا لغياب الديمقراطية السياسية – خاصة بشقيها المتعلق بالانتخابات الرئاسية والتشريعية وملحقا بها رئاسة الوزراء ومجلس الوزراء كأداة عمل تنفيذي.
كانون الثاني 2005 تمت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية ونجح ابو مازن ليصبح الرئيس الفلسطيني لمدة اربع اعوام كان من المفترض ان تنتهي في كانون الثاني 2009. وفي كانون الثاني 2006 جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية وفازت حركة حماس باغلبية اعضاء المجلس التشريعي. ايضا كان من المفترض ان تنتهي مدة المجلس التشريعي في كانون الثاني 2010.
لم يكن الانقسام الفلسطيني الذي نتج عن الصراع ما بين حركتي حماس وفتح بالامر السهل خاصة انه افضى بان تقوم حماس بالسيطرة على قطاع غزة متذرعة بسببين غير وجيهين, الاول هو ان حركة فتح لم تقبل بانتقال السلطة بطريقة سلسة, والثاني ان حركة فتح وخاصة في قطاع غزة كانت تعد العدة للأنقضاض على حركة حماس. بغض النظر عما قيل حول ذلك الا ان مرور ما يقارب الخمس سنوات على هذا الانقسام يؤكد ان الانقسام هو سيد الموقف, وان المصالحة اصبحت عملية لتسويغ الانقسام اكثر من كونها اداة لحله.
اما الامر الاخطر فقد اصبحت سببا لتبرير وقف العملية الديمقراطية, او على اقل تقدير تعطيل اجزاء اسياسية منها في كل من قطاع غزة والضفة الغربية, خاصة ان الشعب الفلسطيني وعندما فوض كلا من الرئيس واعضاء المجلس التشريعي فلقد فوضهم لمدة اربع سنوات, وعندما علت بعض الاصوات مطالبة بضرورة الانتخابات في حينه, فلم تلقى الصدى المطلوب لانها جاءت في مرحلة مميزة من حيث حدة الانقسام , وتم تعليل ذلك بان الابقاء على الاوضاع كما هي, والبحث عن مخارج قانونية حتى ولو كانت ضعيفة وابقاء الرئيس في منصبه ربما افضل بكثير من ان تحل الفوضى.وو جدنا حيال ذلك الكثير من المسوغات السياسية والقانونية واقنع الفلسطينيون انفسهم بوهم ان المبرارات تبيح المحذورات, وتم فرض قانون طوارئ غير معلن رسميا ليستمر الى اجل غير مسمى, اما المجلس التشريعي فهو بحكم واقع الانقسام غير موجود من حيث الصلاحيات التي منحها له القانون, فلم يعد ممكنا ان يقوم بعقد اي من جلساته ضمن سياق قانوني متين.
لم تقف حالة التدهور عند هذا الحد بل انتقلت الى اهم جسم تنفيذي في السلطة الفلسطينية وهو رئيس الوزراء ومجلس الوزراء, على مدار الخمس سنوات الماضية توقفت الالية الاكثر قانونية من حيث المصادقة على التشريعات, لم يعد هنالك من يصادق على سياسيات الحكومة وميزانيتها, بل تم اختراع طريقة غريبة في نقاش الميزانيات مثال طرحها على مؤسسات المجتمع المدني من خلال اكثر من تجمع قامت بالاشراف عليه مؤسسة امان, وكأن هذه المؤسسات والتي بمعظمها تتواجد في مدينة رام الله قد حلت بديلا عن الوطن و المواطن وقواه المنتخبة والمنوط بها دورا رقابيا مخولا لها دستوريا.
على الرغم انه لايمكن تقزيم الديمقراطية في مجرد اجراء الانتخابات, فالديمقراطية هي حرية العمل السياسي, والاجتماعي, الحزبي, حرية الرأي والتعبير, وغير ذلك الكثير, الا الانتخابات هي الشكل الامثل الذي من خلاله تتجلى السياسات, فهي التي تتيح للمواطن ان يختار من يعبر عن طوحاته السياسية, من يستيطع عن يحمل اماله وتطلعاته في التغيير الاقتصادي والمجتمعي. هل يمكن ايقاف كل ذلك بحجة الانقسام الذي بدأ يحمل سمة الثبات والاستمرارية؟
في ظل غياب الامكانية العملية لانهاء الانقسام, خاصة ان كل القوى الاقليمية والتي كان انهاء الانقسام على اجندتها قد اصبحت منشغلة بقضايا اخرى تعتبرها اكثر اهمية, فليس من الضروري ان تبقى الديمقراطية الفلسطينية كفعل مؤجل, ولماذا لا يقوم كلا من شقي الوطن باجراء الانتخابات في مكان ولايته بدلا من استمرار التمسك بالسلطة. ربما الوطن المنقسم الذي تسود شقيه الديمقراطية افضل بكثير من وطن منقسم تغيب عن كلا شقيه الديمقراطية الانتخابية بذريعة الانقسام وغياب المصالحة. ان وجاهة اشاعة الديمقراطية كثقافة وسلوك, قد تكون وسيلة لانهاء الانقسام, وليس العكس.
 * الكاتب : اكرم عطاالله العيسة