حركة “فتح” بلا قيادة وبلا رؤية اجتماعية واضحة

يقال “عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ” ويقال “العتب على قدر المحبة”. شكلت، وما زالت تمثل، حركة “فتح” التنظيم الجماهيري الأوسع الذي قاد العمل الوطني في الثورة المعاصرة للشعب الفلسطيني، وكذلك الحكم في السلطة الفلسطينية على مدار التسعة عشر سنة الماضية، مما يعني أن شؤونها وأوضاعها الداخلية وسلوكها واهتماماتها وما يصدر عنها أو عن قيادتها وناطقيها محل اهتمام شعبي لا يقتصر على اعضائها ومناصريها بل المجتمع الفلسطيني بأطيافه المختلفة.
(1) لجنة مركزية بلا مفكرين ومنظرين
يبدو ان عصر المفكرين في حركة فقد انتهى بوفاة خالد الحسن وقبله ماجد ابو شرار، كما انتهى عصر القادة المنظرين كصلاح خلف والموحدين كخليل الوزير. هذا ليس حبا وحنينا للماضي بل الأمر يأتي في اطار المقارنة بغية اعادة النظر في الخيارات القاعدية أو اعضاء المؤتمرات الحركية عند اختيار قيادتهم والتأسيس لقواعد عقلية ناظمة للاختيارات ومحدداتها.
أغلب اعضاء اللجنة المركزية جاؤوا، في انتخابات المؤتمر السادس، من خلفية سلطوية إما من أجهزة أمنية أو مدنية في السلطة الفلسطينية، ولم يكونوا من المنخرطين في العمل الجماهيري أو الفكري الحركي أو الثقافي العام، وهم بطبعتيهم السلطوية لا يرغبون في القراءة المتعمقة؛ هنا لا نتحدث عن قراءة الصحف والإطلاع على البرامج التلفزية أحيانا أو التقارير التي تأخذ الطابعي الوصفي أو ألاستخباري، التي تأخذ بعين الاعتبار الاستشراف من ناحية وتتطلب إعمال العقل وتحتاج الى التحليل وإعادة التركيب. وهم أيضا يفضلون مستشارين من الدرجة الثالثة أو أدنى في مهنهم، ولا يرغبون أو يخافون من منتجي المعرفة أو أصحاب الرأي الحر والمنطق السليم الذي لا يضع في اعتباره ما يحب ويرضى رئيسه أو “سيد نعمته” كما يعتقد البعض.
هذا ناهيك عن اقرار أعضاء في اللجنة المركزية في تصريحات لهم؛ كعباس زكي بأن “القيادة الحالية لحركة “فتح” ليست مؤهلة على أي نحو أو على أي صعيد أن تجسد طموح الشعب الفلسطيني بالنصر، وان الوضع التنظيمي لفتح والوضع الفلسطيني بشكل عام أثبت أنه بحاجة إلى قيادة ذات حضور فاقع ومتألق تشغل العالم بقضية فلسطين كما كانت القيادة التاريخية السابقة”، فيما جبريل الرجوب يقول في احد مقابلاته أن اعضاء اللجنة المركزية حتى الان لم يستوعبوا أنهم في “الاطار القيادي الأول” للشعب الفلسطيني.
لا تأتي هذه التصريحات في اطار النقد اللاذع لطرائق عمل قيادة حركة فتح فقط وفشلها في لم شمل أبناء الحركة، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، بل في فشلها باختراق أو مواجهة التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني سواء في انهاء حالة الانقسام أو في قيادة النضال الشعبي أو في معركة المفاوضات باعتبارها اسلوبا نضاليا لإنهاء الاحتلال، أو حتى اتخاذ قرار في المواجهة السياسية والدبلوماسية على صعيد المؤسسات الدولية بعد ترفيع مكانة فلسطين الى دولة غير عضو في هيئة الامم المتحدة بالانضمام الى المواثيق الدولية والمؤسسات الدولية بحيث بات ينطبق المثل الشعبي “كأنك يا أبو زيد ما غزيت” فما الفائدة من المواجهة دون تحقيق انتصارات حقيقية.
(2) حركة فتح بلا هوية اجتماعية
بعد تسعة عشر عاما على الحكم في السلطة الفلسطينية، ما زالت حركة فتح لم تحسم أمرها في القضايا الاجتماعية المطروحة في المجتمع الفلسطيني. قد يكون صائبا في مرحلة التحرير انها لم تتبنَ موقفا من القضايا الاجتماعية باعتبارها حركة وطنية تريد صب جميع الطاقات الوطنية في بوتقة النضال الوطني، لكنها في دستورها الفكري والتنظيمي كانت منحازة لبناء مجتمع تقدمي ودولة ديمقراطية “تحفظ للمواطنين حقوقهم الشرعية على اساس العدل والمساواة”، حينها في اطار دفع “الثمن” لم يكن أحدا من النساء والرجال يبحث في القضايا الاجتماعية انما في تحقيق الهدف السياسي.
وبما أن حركة فتح بما فيها جنتها المركزية قررت، في العام 1993، خوض معركتين متوازيتين وليست متتابعتين؛ الأولى مقارعة الاحتلال وإنهائه بطرق نضالية مختلفة ومتعددة تعدد الاجنحة والاطرحات الداخلية في حركة فتح، والثانية بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع التقدمي وفقا للهدفين الثاني والثالث المرسومان في نظامها الاساسي، كان ينبغي عليها ان تُجيب على مجمل الاسئلة المطروحة في القضايا الاجتماعية خاصة تلك المتعلقة بالمساواة والحريات العامة خاصة في ظل منافس قوي يطرح نظاما وسلوكا اجتماعيا محددا وكذلك تخبط فتحاوي في الطرح الاجتماعي ونظرتهم للمجتمع بما فيه مؤسسات المجتمع المدني “NGOs” وديناميكيات التطور المجتمعي وتفعيل قواه الحية.
فقط خلال الاسبوع الماضي طرح الزميل جمال نزال موقفا من قضية تعديل قانون الاحوال الاجتماعية فيما طرح الصديق عيسى قراقع موقفا من قضايا القتل على خلفية الشرف المزعوم يتناقضان في المنطلقات الفكرية والاجتماعية؛ الأول يريد تطبيق الشريعة و”يُدين” المطالبة في تقاسم الثروة بعد الزواج باعتباره بدعة “انجوزية”، فيما يرى الثاني أن عمليات القتل هذه تهدر دماء النساء دون سبب في انتهاك صارخ ليس فقط لحق الدولة في السيادة بل بالأساس للحق في الحياة التي حبانا اياه رب العالمين.
جبن “كتلة” فتح في تمرير قانون العقوبات “معقول ومقبول” في لعام 2003 ابقى سريان قوانين للعقوبات بالية ولا تراعي تطور الحياة وعصريتها ولا مبادئ حركة فتح ذاتها. لذا اصبح طرح الموضوعات الرئيسية في القضايا الاجتماعية أمرا ضروريا للخروج من “نظرية القبيلة” الممارسة في القضايا الاجتماعية الى تبني مواقف تقدمية منفتحة لا تأخذ بعين الحسبان قوى الدفع الخلفي، رغم ادراكي لغياب قائد ملهم في القضايا الاجتماعية كالحبيب بو رقيبة ومفكر ناضج كطاهر حداد لإنتاج قانون أحوال الشخصية، وترسيخ المساواة ما بين الرجل والمرأة بشكل عملي ليس فقط في المشاركة السياسية والحياة العامة بل في الميراث ومشاركة الزوج في الثروة طبعا بعد الزواج وفي الزواج المدني وفي الحرية الشخصية وتحديد اختياراتها؛ فالمؤتمر السادس فشل في انتخاب امرأة واحدة على الاقل في اللجنة المركزية فيما لم تدرك أو تتدارك اللجنة المركزية “الجديدة” ذلك باستكمال اعضاء اللجنة المعنيين من النساء بل جاؤوا بامرأة على خلفية طرد عضو فيها والعيب هنا ليس فقط في القيادات الوسطى لحركة فتح بل أيضا في قيادتها المركزية وفي تقديراتهم لمعرفتهم بسيادة افكار الذكورية للقبيلة.
كما بات مطلوبا تحديد موقف واضح في مسألة الحريات العامة والحريات الفردية وفي مقدمتها حرية التعبير حيث لم تتخذ اللجنة المركزية، بعيدا عن سجال الانقسام، موقفا صريحا حول حرية التعبير والخروقات التي مورست بحق الصحفيين والكتاب خلال السنتين الاخيرتين.
فمن غير المعقول أو المقبول ان تبقى حركة شعبية كبيرة بحجم فتح “ذات فكر تقدمي” لا تحدد خياراتها الاجتماعية، ام أن حالة التندر الشائعة بأن حركة فتح المختلفة سياسيا مع حركة حماس لا تختلفان في القضايا الاجتماعية عند التصويت عليها في المجلس التشريعي تصيب كبد الحقيقة. وهل سنرى فصل النساء عن الرجال في الاجتماعات والاحتفالات القادمة لحركة فتح على غرار النمط الشيعي أو بعض الاحزاب الفلسطينية خوفا من الاختلاط.
* الكاتب: جهــاد حرب