من يقود الشارع !!!

منذ عدة اعوام وتحديدا خلال العامين الماضيين بدأت العديد من المظاهر تطفو على السطح بشكل مقلق وجدي وربما تحمل في طياتها نذر عواقب وخيمة على مستوى الفعل الوطني والانشطة والفعاليات التي يتم تنظيمها في مناسبات وطنية وقضايا اخرى عديدة حتى تلك التي لها علاقة بالقضايا الاجتماعية والمطلبية لفئات وقطاعات مختلفة نقابية ومهنية او تهم شرائح معينة في المجتمع الفلسطيني .

وقبل الخوض في تفاصيل تلك الظواهر لا بد من الاشارة الى حالة الانقسام الداخلي الذي تعيشه الاراضي الفلسطينية والذي خلق شقا افقيا وعموديا في بنية النظام السياسي الفلسطيني ، ووضعه امام معضلات تمس جوهره وتهدد مستقبل القضية الوطنية برمتها لشعب يعيش حالة فريدة وهي وجود الاحتلال الجاثم فوق صدورنا جميعا بادواته المباشرة الاستيطانية والعسكرية الامر الذي ينعكس سلبا ايضا على ثقة الجمهور بالفصائل والقوى والاحزاب السياسية وقدرتها على الاستقطاب والتاثير خصوصا لدى فئات الشباب والاجيال الناشئة.

من هنا تاتي اهمية تتبع وملاحظة الانزلاق الخطير المتسارع في عزوف الشباب من المشاركة والعضوية في الاحزاب التي باتت لا تشكل قوة الجذب المعهودة واخذت تفقد من بريقها شيئا فشيئا بوتيرة متسارعة ، في حين التناقض الصارخ لمجمل هذه الصورة ، ياتي من خلال معادلة في غاية البساطة تقول بوضوح الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس ومشاريعه ومخططاته المتواصلة من جهة ، وتراخي وهبوط وتراجع قوة العمل في النضال الوطني لدرجة التلاشي المفزع الا في نماذج بسيطة في بعض القرى والبلدات كاسثناءات خجولة ، هذه الصورة المؤلمة باتت احدى المسلمات في المشهد الفلسطيني اذ بدلا من ان تتصاعد الهبات الشعبية والمقاومة الشعبية لمواجهة سياسات الاحتلال بتكثيف الجهد باتجاه الفعاليات وتوسيعها والمشاركة فيها ، مع عدم اسقاط حقيقة الوضع السياسي العام فلسطينيا ، وتأثر الحالة الفلسطينية بما يجري في دول المحيط العربي والوضع الاقليمي على حد سواء ، تنحصر التحركات وتخبو جذوة النضال ، وتنحصر بدل الامتداد والتوسع .

النقطة المركزية التي تحتاج الى دراسة والتوقف عندها ان هناك بروز وظهور لمجموعات شبابية بمسميات مختلفة بدأت العمل مع وقوع الانقسام الداخلي ونشطت في العديد من الفعاليات المحلية ، وهي ترفض العمل تحت عباءة القوى ، والقوى لم تستطيع فتح نقاشات جدية معها تحت مبررات مختلفة من بينها الاجندات الخارجية احيانا ، وفي تفصيل الصورة القاتمة ازاء المشهد العام الذي يعتري ما يجري ، فاننا نلاحظ ظهور عدة قضايا تحتاج هي الاخرى للبحث الجدي والتقييم لمعظم هذه المجموعات فهي من طلبة الجامعات او الخريجين الجامعين او نشطاء المجتمع المدني ممن هم علاقة او كانوا علاقة مع بعض القوى السياسية ، ولكنهم لاسباب عديدة لم يعودوا ملتزمين رسميا بالعضوية الكاملة فيها ، بالمقابل القوى السياسية لم تعد قادرة وليس بوسعها ان تشكل قوة الفعل الاولى للعمل الوطني ، وهذا ايضا يحتاج الى فتح نقاشات صريحة لمعالجة اسبابه وتداعياته ومن اسباب ذلك التراجع انشاء السلطة الوطنية الفلسطينية التي اصبحت تمثل قوة الثقل الاولى من حيث الجمهور وقوة العمل والصلة المباشرة مع الناس ومعالجة قضاياهم الحياتية والمعيشية اليومية ، في حين ابان الانتفاضة الاولى مثلا كانت الاعباء ملقاة بالكامل في هذا الجانب على كاهل القوى الوطنية ، والجمعيات الاهلية التي كانت قليلة في حينه ولها دورها الوطني الواضح ، فالجمهور الذي شكل مادة وعنصر القوة للقوى ذاب في مؤسسات السلطة الامنية والمدنية ، بمعنى اخر جرى تحييد السواد الاعظم منهم عن المشاركة المباشرة في العملية النضالية المباشرة والانخراط في كافة الفعاليات والانشطة الا الندر اليسير والمتقطع وفي مناسبات محددة كيوم الاسير، او عيد العمال ، يوم المراة …….الخ .

اضف الى ذلك كله الاوضاع الاقتصادية وتاثيرها المباشر على حياة الناس ، والانشغال بتأمين لقمة العيش وتحمل اعباء الحياة المختلفة ، ونسب البطالة والفقر ، والهجرة سواء من القرية للمدينة او الهجرة ورحلة البحث عن فرص عمل خارج البلاد وكأن هنالك سياسة افقار للناس ، وضرب مقومات صمودهم ووجودهم في ارضهم في ظل تحديات كبيرة باتت تمس مقومات البقاء الطبيعي ، وتؤثر سلبا على ما يمكن تسميته حالة الصمود الوطني عبر توفير مقومات اقتصاد صمود مقاوم يلبي احتياجات الناس ويوفر لهم ابسط هذه الاحتياجات ، فطريقة معالجة السياسات الاقتصادية والاجتماعية من شانها ان تقود او تعيق وتؤشر لطريقة معالجة القضايا السياسية .

فتح باب النقاش على مصراعيه في هذه القضايا لا تعتبر خرقا لمحرمات ولا دخول في مناطق لا يجوز اقتحامها واثارة النقاش حولها ، فان تقتصر فعاليات لمناسبات مهمة احيانا على بضع عشرات واحيانا اقل من ذلك هذا بات يستوجب على صناع القرار من قيادة الصف الاول للقوى البحث في عمليات التدحرج الحاصلة هبوطا ، بحيث اصبحنا على شفا انهيار تام مع التذكير مرة اخرى اننا من المفترض نخوض نضالا وطنيا لتحرير ارضنا وانهاء الاحتلال عنها ، المحظور استمرار السكوت عنه هو هذه الحالة المريبة الشاذة عن مجتمعنا الى ان وصلت نسب كبيرة للاسف الى حالة من اللامبالاة وتحييد وتهميش مشاركاتها مع حرصها على الانتماء الوطني الحقيقي دون المشاركة الفعلية في اية انشطة ، وبطبيعة الحال الجهد الوطني من خلال مشاركة في هذه الدعوة او تلك او هذا الاعتصام وهذه التظاهرة او تلك ، فكل منا بموقعه وعمله ومكان وجوده بامكانه ان يعطي ويزرع ويبني ويخطط ويطور لمصلحة هذا البلد.

موضوعنا هنا تحديدا هو هذه الحالة الباهتة من المشاركات الشعبية في الانشطة التي مثلت في الماضي شريانا رئيسيا للحركة الوطنية لايصال رسائلها عبرها ، وتعبئة الجماهير من خلالها ، والعمل على تنظيم الحالة ، اما اليوم مع الاختلاف بين مرحلة المد الوطني في ذلك الزمن الجميل وبين اليوم !! تلك الايام التي كان الانتماء لاحدى الفصائل مكلفا جدا ، وكان رفع العلم الفلسطيني على سبيل المثال محفوف بالخطر الذي قد يكلف الانسان حياته ولسنا بصدد الوقوف على تلك الاطلال رغم ما عليها هي الاخرى من ملاحظات نقدية عديدة.

المبارزة والمباراة الجارية يجب ان تقود الى استيعاب كل منا للاخر ، وان الصراع والاختلاف يقود الى الامتناع عن المشاركة في فعاليات تنظمها هذه الجهة او تلك ، لم تكن هذه القاعدة وهي ولا توفر اساسا سليما للبناء والعمل ، فايام الزمن الجميل للقوى ربما لن تعود كما كانت عليه في سابق عهدها ، والمجموعات الشبابية والاجسام المجتمعية الحريصة على النضال والمشاركة ليست بديلا لقوى العمل وكلاهما لا يلغي الاخر ، بل يجمعهما معا بالاضافة للحس الوطني الحرص على التكاملية في علاقة يجب تطويرها وتعزيزها ، يجب فتح قنوات الحوار والعمل واللقاء وتوسيع نقاط الالتقاء مهما صغرت لان الضرر والتنافس السلبي والمناكفات لا يصيب القوى ولا هذه الجهة او تلك بل يصيب قلب القضية الوطنية برمتها ، ولن يفلح احد في استمرار الاستخفاف بالتغيرات الجارية في الخارطة السياسية الفلسطينية من حيث هبوط قوى وافول نجم بعضها وصعود قوى اخرى بالمقابل وزيادة نشاطها السؤال المهم بهذا الاطار هو كيف يمكن المحافظة على الارث الطويل والغني والتجربة الرائدة التي مثلتها وما زالت فصائل العمل الوطني وتفعيل دورها من جهة وقدرتها على استيعاب وجذب الاجيال الجديدة والمكونات المجتمعية من جهة اخرى !! واستمرار تبوء موقعها القيادي في صفوف الجماهير ؟

كمتابع وناشط سياسي ارى بالم الصورة ومنذ سنوات تتجه نحو سقوط مدوي لقيم شكلت مدارس تربوية فيما مضى ولم تعد للاسف تصلح للعمل بها الان ، المخيف ان المواطن العادي الانسان الوطني البسيط بات يتجه لفقدان الامل والثقة باحراز التقدم المامول ، فمناسبة وطنية واحدة مثلا تصدر بشانها عدة دعوات من عدة جهات في كل فعالية منها عدة اشخاص بتمثيل (رمزي) متواضع ، في حين تحشد القوى لمناسبة انطلاقاتها وتستجلب جحافلها باعداد كبيرة فهل يكون الخاص اعلى من العام لهذه الدرجة !! هذه الحالة لم تعد مقلقة للشارع فقط ، بل لوسائل الاعلام المختلفة ترتبك هي الاخرى في تغطية كل هذه الفعاليات المتناثرة الصغيرة .

واذا سالت اي مواطن يجيب ببساطة توحدوا وتاتي الناس معكم وخلفكم ، لا تحتكموا للاجندات الذاتية او الفئوية التي تنعكس سلبا على مجمل الصورة ، فهل بات الشارع بلا قيادة ؟؟ وهل بعض المبادرات الفردية للنشطاء الشباب تحرج القوى وترى فيها خروجا عن رؤيتها وتوجهها !!! وهل نجري عملية تدمير ذاتي لانفسنا بعلمنا او بجهلنا لما نحن فيه !!

المشكلة بل مشكلة المشاكل ان الكل لن يستطيع العمل بمفرده وان الساحة تتسع للجميع ، للعمل للانخراط الواسع ببرنامج عمل وطني يلتقي فيه الجميع بدأ من المقاومة الشعبية ، وتوسيع رقعة العمل الشعبي في مجابهة الاستيطان والجدار العنصري مرورا بقضية الاسرى في سجون الاحتلال ، وانتهاء بالقضايا الداخلية ، والسياسات الاقتصادية ، والبطالة ، والحريات العامة والصحة والتعليم وغيرها.

حتى لا نصل الى نقطة نتمنى فيها ونعض اصابع الندم حين نصحو ذات يوم نرى فيه ان كل ما جرى العمل والبناء فيه قد هدم ، الاطاحة بالقائم من اجسام وقوى لا يحل المشكلة ، وانزواء القوى لتهميش الحراك الحاصل والمعاقبة احيانا بعدم المشاركة ليس هو الحل بالتاكيد ، المحافظة على القيم والنسيج الوطني والاجتماعي بعيدا عن محاولات التخريب الحاصلة باتت مهمة اساسية وفي غاية الاهمية ، والعبث الجاري في اوساط الشباب وجرهم الى مربعات التطبيع باشكاله ، وعدم الاكتراث وافراغهم من محتواهم الوطني والانساني والاخلاقي بشتى الطرق والوسائل يجب ان يتم التصدي له بحزم وجدية وبكل ما يحتاج الى جهد على كل كافة المستويات.

لننظر معا الى مناسبات صادفت ذكراها مؤخرا كيوم الاسير, ذكرى النكبة ، يوم العمال العالمي ، يوم المرأة وهي مناسبات مرت خلال الاسابيع الماضية ، نتأمل حجم الدعوات التي ارسلت بالبريد الالكتروني او الفاكس او غيره وحجم المشاركة فيها ، حجم المصروفات والاموال التي اغدقت عليها والمردود العائد على الجمهور الفلسطينية فيها ، انا لست ضد احياء هذه المناسبات بل على العكس ادعو الى احياءها وغرسها في عقول وقلوب الاجيال لتبقى حية وبما تستحق من جهد ولكن الطريقة والادوات ووسائل العمل لم تعد مقنعة وعليها الكثير من الملاحظات.

يجب ان لا ننسى ابدا ان الاحتلال لن يترك لنا شيئا وسينازعنا بكل شيء من قطرة الماء وحتى مستقبل اطفالنا وليس هناك احد اي احد هو بمنأى عن ذلك ، كلنا سنخسر اذا ضللنا الطريق ، لا يوجد رابح ولا رهان على مستقبل لنا الا بوحدتنا باعادة الاعتبار للانتماء الوطني الحقيقي ، والتفاهم على اختلافاتنا مهما كانت التباينات بيننا باعادة تسمية الامور بمسمياتها ووقف الخلط القاتل في المفاهيم والتداخلات فيها ، تحديد موقف جدي ، فمن يقود الشارع عليه ان يكون نموذجا وقدوة للعمل والتفاني والثقة (اي طرف) لمعاني نكران الذات والتحلي بالصفات التي تقنع الجمهور الواعي اصلا بالمنطق والهدوء والمثابرة والاستقامة ، فالقائد الحقيقي شخصا كان ام تنظيميا هو من التصق بقضايا شعبه ومصارحة جمهوره ، ويكون في المقدمة في الميادين وليس في الغرف المغلقة ، والقائد الناجح هو من يضع حوله قادة حقيقين مثله وليس هو من ينفرد وتطغى النرجسية على سلوكه وعمله فلا هو يحافظ على ما عنده من اطار واعضاء ، ولا هو يجاري التغيرات الجارية فتكون النتيجة وبالا وتدميرا لكل شيء .

الامل معقود على الجيل الشاب باحداث التغيير المنشود بالوعي والحس العالي بالمسؤولية باستمرار رفع راية النضال ، المثابرة والعمل والانصهار لقضايا بلدهم ومستقبلها ، ببناء الشخصية الوطنية المتوسمة كل مثل وقيم التاريخ المشرف للحفاظ على وصايا الاوائل الذين قضوا على التمسك بالحقوق ورفض الانحناء ، الذين وضعوا الهوية والانتماء الوطني فوق اي اعتبارات او مكاسب او امتيازات كلها قد تزول بلحظة اذا هوى السقف الحامي لها شعبيا وجماهيريا .

* الكاتــب : عصام بكر