الانقسامُ مستمرٌ إلى أجلٍ غير مسمى

مرّت الذكرى السّنويّة السّادسة لوقوع الانقسام المدمر من دون اهتمام يذكر من القوى والشعب، حيث لم يلتفت أحد بشكل جدي إلى هذه المناسبة الأليمة؛ ما يعكس أن هناك غلبة لنوع من التعايش معه، خصوصًا أن بذور الانقسام نثرت منذ فترة طويلة، وتحديدًا منذ توقيع اتفاق أوسلو.

هذا التعايش ناجم عن عدة أسباب، أبرزها: إدراك صعوبة التخلص من الانقسام؛ وأن هناك أفرادًا وشرائح ازدادت نفوذًا وثروةً بوجوده، وتريد استمراره حتى تحافظ على ما حققته ومضاعفته؛ وأن طرفي الانقسام ومعظم القوى يفضلونه على الوحدة التي قد تجعلهم يخسرون ما لديهم؛ وأن قطاعات شعبية تخشى من أن تؤدي الوحدة إلى تعميم الحصار والمقاطعة، بحيث تشمل الضفة الغربية إضافة إلى قطاع غزة، أو إلى عودة الاقتتال الداخلي والفلتان الأمني والفوضى التي كانت سائدة قبل وقوع الانقسام؛ وأخيرًا، إن هناك إحباطًا ويأسًا ناجمًا عن أسباب كثيرة تتمثل في تردي الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي وجود أطراف خارجية عربية وإقليمية ودولية وعلى رأسها إسرائيل لا تريد إنهاء الانقسام الفلسطيني إلا إذا جاء وفق شروطها وبما يحقق مصالحها.

إن القضية الفلسطينية بالرغم من تهميشها في ظل الانقسام وانشغال العرب بما يجري من تغييرات وثورات وفتن داخلية ومؤامرات خارجية وتقدم ملفات أخرى عليها، مثل ما يجري في المنطقة، خصوصًا في سوريا ومصر وإيران؛ إلا أنها لا تزال مهمة وتستقطب شتى أنواع التدخلات الرامية إلى توظيفها لصالح الأطراف والمحاور المختلفة.

إن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة لن يتحولا إلى مطلب شعبي ضاغط بشدة على الأطراف المتنازعة والمستفيدة من وقوع الانقسام واستمراره، إلا إذا وُضِع في سياق مختلف عن السياق الذي وضعت فيه المصالحة والجهود الرامية إلى تحقيقها.

إن القواعد التي حكمت الحوار الرسمي لن تؤدي إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وأبرزها:

اقتصار الحوار على طرفي الانقسام وليس جعله حوارًا جماعيًا، ولا أقصد هنا المطالبة بمشاركة جميع الفصائل والأحزاب فقط فيه، وإنما بمشاركة مختلف مكونات وقوى وفعاليات وتجمعات الشعب الفلسطيني مع تمثيل مناسب، خصوصًا للمرأة والشتات والشباب.

استمرار الحوار في استبعاد معظم القضايا الجوهرية، وخصوصًا بلورة الإستراتيجية أو الإستراتيجيات الجديدة القادرة على مجابهة التحديات والمخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية والقادرة على: أولًا، الحفاظ على الصمود وما لدينا من مكاسب من دون تنازلات جديدة، والسعي لاستعادة ما خسرناه بعد مسلسل التنازلات المستمر منذ ما قبل اتفاق أوسلو حتى الآن، وإحباط المخططات المعادية؛ وثانيًا، على إنضاج الظروف الكفيلة بإيجاد ميزان القوى القادر على إنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية.

ربط المصالحة بتقدم أو تعثر الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات، بحيث تصبح المصالحة ملحقًا والمفاوضات هي الغاية، وفي هذه الحالة كما نرى يتم إحياء ملف المصالحة إذا جاءت بما يخدم الجهود لاستئناف المفاوضات، وتجميدها إذا جاءت بما يضر هذه الجهود، وهذا يعني أن المصالحة لن تكون إلا إذا جاءت على أساس استمرار الفلسطينيين في المسيرة التفاوضية التي أوصلتهم إلى الكارثة التي يعيشونها بعد عشرين عامًا على اتفاق أوسلو، لكي تكرس استسلام الفلسطينيين من خلال تعميم موافقتهم على شروط اللجنة الرباعية الدولية المجحفة التي تبنت الشروط الإسرائيلية وجعلتها جسرًا لا بد للمصالحة من أن تمر عبره حتى تحظى بالموافقة الدولية.

التركيز على تشكيل الحكومة وإهمال الاتفاق على القضايا الأخرى، أو على تطبيقها، بما فيها الاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة ويفتح الطريق لإقامة شراكة حقيقية تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وعلى إعادة بناء منظمة التحرير على أسس جديدة، ووضع السلطة في مكانها الطبيعي لخدمة المصلحة الوطنية، وكأداة في يد المنظمة، وما يقتضيه ذلك من تغيير شكلها ووظائفها والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية، ومن إعادة النظر في عدد الأجهزة الأمنية وأدوارها، والسعي لإعادة بنائها وتوحيد الضروري منها بما يتناسب مع الأولويات والاحتياجات والتحديات الفلسطينية.

التركيز على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية على أساس أنها المدخل الوحيد لإنهاء الانقسام، وتجاهل أن الانتخابات من دون توافق وطني على شراكة وبرنامج مشترك وعلى كيفية مواجهة الاحتلال والتخلص منه ستكون قفزة في المجهول، كما كانت الانتخابات السابقة التي لم تؤد إلى ترسيخ الديمقراطية ومنح الشرعية للسلطة وتعزيز الوحدة، وإنما أدت إلى الانقسام ونشوء سلطتين متنازعتين تنتهكان حقوق الإنسان وحرياته من دون رقابة ولا مساءلة ولا محاسبة، ما عزز الحكم الفردي وانتشار الفساد والقمع هنا وهناك، وتفتقران إلى أي شرعية، حتى بالمعنى القانوني، بعد مرور أربع سنوات على انتهاء الفترة القانونية للانتخابات الرئاسية وثلاث سنوات على الانتخابات التشريعية.

من دون توفير شروط الوحدة الراسخة، واستعداد الأطراف الفاعلة والمسؤولة عن استمرار الانقسام للتنازل عن مصالحها أو برامجها الخاصة لصالح المصلحة الوطنية العليا والبرنامج المشترك لن يتحقق هدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وهذا لن يتم بمبادرة من المستفيدين من استمرار الانقسام، أو من الذين يخشون الوحدة لسبب أو لآخر، أو الذين يريدون وحدة تحقق شروطهم ومصالحهم وإملاءاتهم واستمرار قيادتهم أو تمكينهم من القيادة وإلا فلا داعي لها.

إن ما يزيد الطين بلة أن طرفي الانقسام أصبحا يتفقان على إدارة الانقسام والتعايش معه، كما يظهر باتفاقهما على جداول زمنية لا تطبق، ما يعكس نوعًا من التسليم من كل طرف بصعوبة التخلص من الطرف الآخر، وأدى إلى تواطؤ متبادل وعملية لشراء الوقت يشارك فيها الطرفين.

فطرف يراهن على استئناف المفاوضات وما يمكن أن تؤدي إليه من تحسين ظروفه وقوته الفئوية، وبما يسمح له بالحفاظ على قيادته للمنظمة والسلطة، والتوجه إلى المصالحة إذا مكنته من استمرار وضعه القيادي، أو التوجه إلى إجراء انتخابات بمن حضر إذا أعتقد بفوزه فيها، ولو من دون مشاركة “حماس” والجهاد الإسلامي، وربما غيرهما أيضًا، في ظل الحديث المضلل عن الحرص على مشاركة قطاع غزة تمثيلًا وليس انتخابًا.

والطرف الآخر يراهن على المتغيرات العربية وما شهدته من صعود للإسلام السياسي؛ لعل هذا يفتح له طريق الاعتراف والشرعية العربية والدولية، والتقدم على طريق قيادة المنظمة والسلطة، وبما يجعله يحتفظ بسيطرته على قطاع غزة، والتقدم إلى المصالحة إذا توفر وضع أفضل، بحيث لا يخشى عندها من إجراء الانتخابات مع أو من دون توافق وطني. وبما أن ما يريده طرفا النزاع كل على حدة غير متوفر فسيبقى الانقسام إلى أجل غير مسمى، وسيتحول إلى انفصال يصعب تغييره.

إن الشعب الفلسطيني قادر على فرض إرادته على الأطراف المتنازعة وإنهاء الانقسام إذا شعر بأن هناك ما يستحق الكفاح والتضحية من أجله أكثر من اتفاق بين “فتح” و”حماس” على توزيع المناصب والوظائف والمكاسب والحصص، وأن هناك أملًا حقيقيًا بالانتصار على الاحتلال العدو المشترك للفلسطينيين، وهذا الأمر يحتاج إلى إجراء مراجعة عميقة وجريئة للتجارب السابقة، واستخلاص الدروس والعبر، وبلورة إستراتيجيّات جديدة قادرة على الصمود والانتصار ونقلنا من الوضع الذي نحن فيه إلى الوضع الذي نطمح أن نصل إليه.

وإلى أن يتحقق هذا الهدف يبقى الوضع على ما هو عليه في ظل استمرار تعميق الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، واستكمال تهويد القدس وأسرلتها، والجدار، والحصار، وتقطيع الأوصال، وتهميش القضية من خلال نشر الأوهام عن سلام قادم قريب، والوقوع إلى الأبد في براثن دوامة البحث عن استئناف المفاوضات التي تستهدف إلهاء الفلسطينيين بها مقابل رزمة مشاريع ومساعدات جديدة ليست أكثر من رشوة بخسة، لا تقارن بالثمن الباهظ الذي يدفعونه مقابل استمرارهم مقيدين بقيود أوسلو الغليظة وفي الرهان على “عملية سلام” لم تؤدِ إلى السلام، وإنما إلى استمرار الاحتلال بوصفه احتلالًا رابحًا، احتلال خمس نجوم.

* الكاتـب: هاني المصـري