شباب فلسطين .. آمال عريضة وواقع ضيق !!

تمثل شريحة الشباب العمود الفقري لبناء حاضر أي مجتمع من المجتمعات، وتساهم في تحديد معالم ومسار مستقبله. فهذه الفئة التي تشكل نسبة كبيرة من التعداد الإجمالي للسكان يتوجب أن يكون لها دورٌ فاعل وملموس في بلورة سياساتها العامة، وتنمية مجتمعها، إقتصادياً وثقافياً وسياسياً، واجتماعياً، وذلك عبر إتاحة المجال لها بالمشاركة في عملية صنع القرار، أو التأثير عليه.

وعلى الرغم من أهمية هذه الشريحة للدول كافة، إلا أن هناك تباين في عملية ومستويات الاهتمام بها ، فهناك بعض المجتمعات نجدها تولي قدراً وحيزاً كبيرين للشباب، بحيث تُتيح لهم الفرصة والإمكانية والتحفيز للانخراط في خدمة المجتمع، والمساهمة في تطويره وتميزه، في حين نرى مجتمعات أُخرى تقف مُعيقاً أمام جيل الشباب، فَتهمش دورهم، وتَهضم حقوقهم، فيصبحون بالتالي عبئاً على مجتمعهم، ومبعثاً لمولدات التمرد والعنف حيناً، واستنزافاً لمقدرات دولتهم وقواها أحياناً أخرى.

ومما لا يدع مجالاً للشك، أن معظم الدول التي لم تمنح شبابها الحق في التعبير عن آرائهم، أو المشاركة في ميادين العمل المختلفة، إلى جانب المساهمة في عمليات اتخاذ القرارات ذات الشأن بقضاياهم، تتعرض بين الحين والآخر إلى (تصدعات) مجتمعية وثقافية، قد تصل في أعلى مراحلها إلى التفكك الاجتماعي، عبر ما يقوم به الشباب من سلوكيات ومواقف خطيرة ضد مجتمعهم، ونظامهم السياسي، بل وضد أنفسهم في بعض الأحيان.
وعلى العكس من ذلك، فالتجارب والشواهد تُظهر بأن المجتمعات التي رأت في شبابها عنصراً يجب الاهتمام به وبحاجاته وقضاياه، حققت شوطاً لا بأس به من تحقيق طموحاتها، وتنفيذ مشاريعها وأهدافها، بحيث وفرت لهم شروط ومتطلبات الوعي والتمكين والنجاح، فضلاً عن المساهمة في دعم المؤسسات التي ينخرطون في إطارها، أو تلك التي تدافع عنهم، وتسن القوانين والتشريعات بخصوصهم.

مثل هذا التوجه هو الذي ينظر لهؤلاء الشباب على أنهم الركيزة الأساسية في تحمل المسؤولية باعتبارهم نصف الحاضر وكل المستقبل كما يُقال ، وإذا كان الشباب كذلك ، فإن هذا يعني أن يكون هناك اهتمام لافت بهذه الفئة العمرية باعتبار أنهم أمل المستقبل ، ويقع على عاتقهم التغييرُ المنشود. من هنا فإن العمل مع الشباب والشابات بات ضرورة وطنية ملحة تستدعي تضافر الجهود بين الأطراف والقطاعات المختلفة سيما صناع القرار الذين قلما تسترعي انتباه أحدهم دعم الشباب إلا بالقدر الذي يخدم توجهاً معيناً أو يُسهم في تعزيز سلطة هؤلاء الذين يتحكمون في الموارد والقدرات على مستوى الأسرة كما على مستوى المجتمع ومؤسساته.

ووفق التصورين أعلاهما ( التهميش والاهتمام) فإن الخطاب العام حول الشباب يتسم بالجمع بين التفاؤل والتخوف: التفاؤل إزاء المستقبل وإمكانيات التغيير الإيجابية التي قد تحدثها هذه الشريحة، والتخوف من عبء المسؤولية تجاه مطالبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وبين التفاؤل والتخوف فإن الخوف هو المُهيمن في واقع حياة الشباب بفلسطين، حيث يسود أوساطهم شعور عام بالإحباط والقلق من المستقبل. فمن جهة، تشل هيمنة النزعة الأبوية في مجتمع ذكوري قدراتهم على التعبير عن أنفسهم وعن طموحاتهم، كما تُقيد روح الإبداع لديهم، مع ما يواكب ذلك من قمع وكبت وتمييز تجاه الفتيات خاصة. ومن جهة ثانية يزيد تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في ظل نظام سياسي هش وصراع محتدم على السلطة، من وضع هذه الفئة سوءاً وضياعاً.

فواقع الشباب الفلسطيني شهد ولا يزال مشكلات اجتماعية عامة وأخرى خاصة تأثرت بهم وتأثروا بها ، الأمر الذي أدى الى حالةٍ من التيه وفقدان البوصلة في بعض الأحيان، وأضحت هذه المشكلات عوائق جدية أمام الشباب حالت دون تحقيقهم أهدافهم.
هذه العوائق أو تلك المشكلات تمثل حزمة كبيرة وعائقاً أمام قطاع الشباب الفلسطيني والتي تتجلى صورها بوضوح عبر الموروث الثقافي ودوره في تحجيم المشاركة العامة للشباب، ودور العشائرية والمناطقية في الحد من المبادرة والفاعلية، وتأثير القوانين السائدة ومنها قانون الانتخابات على مشاركة الشباب، فضلاً عن الدور المحدود للمجتمع المدني والمؤسسات الشبابية والأحزاب السياسية المقصرة في خدمة هذه الشريحة أو تأهيلهم لأخذ زمام المبادرة في إحداث عملية التغيير المجتمعي.

إلى ذلك؛ وفي استعراض احصائي سريع لواقع الشباب الفلسطيني يتبين أن المجتمع الفلسطيني يتميز عن غيره من المجتمعات الاخرى في كونه مجتمعاً يافعاً ، حيث تصل نسبة الافراد الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة حوالي 47,4% ، أما نسبة الشباب ما بين 15 الى اقل من 35 عاما فتصل الى 33,1% أي أن نسبة من تقل اعمارهم عن 35 عاما في فلسطين تصل الى 80,3% ، وهي واحدة من أعلى النسب في سن الشباب في العالم كله .
في تقريره الاحصائي لعام 2012 بين الجهاز المركزي للإحصاء أن نسبة الشباب (15-29) سنة بلغت في الأراضي الفلسطينية حوالي 29.6% من إجمالي السكان، منهم 40.2% في الفئة العمرية (15-19) سنة و59.8% في الفئة العمرية (20-29) سنة، أما نسبة الجنس بين الشباب فبلغت 104.3 ذكور لكل 100 أنثى. ويذكر التقرير أن التوزيع العمري للسكان يبين أن المجتمع الفلسطيني هو مجتمع فتي حيث أن الهرم السكاني هرم ذو قاعدة عريضة ورأس مدبب، مما يعني أنه ولسنوات قادمة سيبقى المجتمع فتياً.

وتبين النتائج أن 74% من الشباب يقيمون في الضفة الغربية ، و20% يعيشون في قطاع غزة و6% في القدس الشرقية . وضمن تلك المناطق الجغرافية ، هناك 50% من الشباب يعيشون في المدن و34% في القرى و 16% في المخيمات.
ووفق بعض الاستطلاعات المسحية يظهر أن 11% من الشباب المستطلعة آراؤها ، من القوى العاملة ، هم عاطلون عن العمل ، ويعمل 30% منهم بشكل جزئي ، بينما 34% يعملون بشكلٍ كامل و20% متفرغون للدراسة و6% متفرغون لاعمال المنزل وهم من الاناث. وبالنسبة لجهة العمل ، فقد بينت النتائج أن 31% يعملون في القطاع الخاص وبنفس النسبة هم موظفون لدى جهات حكومية ، أهلية، دولية، أكاديمية، أو مجالس بلدية، و7% منهم تجار أو من يملكون مشروعاً خاصاً ، و31% يعملون بأعمال حرفية. شارك 2013

وقد كان وما زال لجيل الشباب في فلسطين الدور الاساسي في تعزيز حركة التحرر الوطني والمساهمة في تحقيق الاستقلال وبناء الدولة وتعزيز قيم الديمقراطية والمساواة . فهذا الجيل هو الأكثر تعلماً وانفتاحاً على تجارب الشعوب والحضارات الأخرى، وهو بالتالي الذي كان عليه أن يتحمل عبء الهم الوطني والديمقراطي . ولا شك بأن أهمية دور الشباب الفلسطيني ، لا تكمن في قوتهم الديمغرافية فقط، بل تكمن اساساً في ما يمثله هؤلاء من مصدر للتجديد والتغيير في الابنية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية . لذلك تشكل توجهات وفاعلية الشباب عاملاً مهماً في مستقبل مسيرة التحرر والتنمية في المجتمع الفلسطيني . ولكن حتى تتشكل وتتعزز لديهم هذه التوجهات والفاعلية لا بد من توفر بيئة ملائمة تساهم في تعزيز ما يعرف بالرأسمال الاجتماعي التمكيني لهم . وما زالت هذه الفئة تساهم اليوم بحملها لحلم التغيير ورسم معالم المستقبل فهي الوسيط الاجتماعي الذي أوكلت إليه الظروف مهمة تسليط الضوء على المسافة الفاصلة بين المجتمع وذاته، بين المجتمع وصورته عن نفسه.

إلى ذلك؛ وفي مقابل الكم الكبير من أعداد الشباب الفلسطيني، فإن الواقع يبين، وبوضوح ملموس، أن هذا الكم المتنامي لا يلازمه دور فاعل للشباب في مختلف مناحي الحياة الفلسطينية، سيما المتعلقة بمشاركتهم في تنمية المجتمع، وإشراكهم في رسم السياسات التي تحدد طبيعة واقعهم، ومواقفهم وتوجهاتهم واحتياجاتهم.

فالشباب في فلسطين عامة يواجهون معيقات وتحديات داخلية وخارجية شتى، تحول دون تحقيق طموحاتهم، ما أدى بهم لأن يعيشوا في تناقضات وأزمات إجتماعية، لا تمكنهم من ممارسة دورهم بالشكل الصحيح والمأمول منهم، حيث أن دورهم قد سُلب منهم منذ أن كانوا صغاراً بحكم عوامل متعددة، لعل في مقدمتها التنشئة والتربية ، والتي تتميز بعدم ديمقراطيتها وتهميشها للفرد في كثيرٍ من الاحيان ، هذا بالإضافة الى كون المجتمع الفلسطيني مجتمعاً ابوياً تقليدياً استهلاكياً .

هذه الهشاشة المتفاقمة في واقع الشباب الفلسطيني، لم تساعدهم في أخذ دورهم، عبر مأسسة نشاطاتهم، بالشكل الذي يساهم في إيجاد عوامل أو مقومات ضاغطة على مصادر وبؤر صنع القرار، بغية التقليص من مساحة تهميشهم، وصولاً إلى توسيع حيز الحق الواجب امتلاكه.
وقد يعزو أسباب تلك الهشاشة، إضافة لأبعاد المجتمع الأبوي، إلى إقصاء أو تغييب المؤسسات الرسمية للشباب فيما يتعلق بتقلد مناصب عليا،علاوة على سبب ذاتي، كامن، في هذه الشريحة، يتمثل في ضعف المبادرة أو الجرأة التي من شأنها (ترميم) ما أصاب واقع الشباب الفلسطيني من تشظٍ عبر سنوات طويلة من تاريخهم، أو بسبب إقصائهم بشكلٍ مقصود عبر وضع العراقيل أمامهم.

وفي خضم هذا المشهد لواقع الشباب في فلسطين، تراجعت مفاعيل: الإرادة، والإمكانية، والإستمرارية لشريحة الشباب، بحيث لم تستطع التأثير، بما هو مطلوب، وفقاً لاتساعها الكمي في ميادين الحياة الفلسطينية المتعددة، وإن تمكنت من إقامة مؤسسات شبابية، لا تلبي طموحات هذه الفئة وإحتياجاتها، خصوصاً فيما يرتبط بالعدد، الدور المطلوب، التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وغيرها من الأهداف والتطلعات الشبابية.

فالصورة العامة لواقع الشباب الفلسطيني تتجسد بالتهميش والاستبعاد من مواقع الفعل القيادي ومن مواقع اتخاذ القرار ورسم السياسات . فقد اقتصرت مشاركة هذه الفئة على المجالات التنفيذية ولم تمنح الفرصة كي تثبت نفسها في مجالات التخطيط والقيادة . كما تم اهمال القضايا الخاصة بهموم الشباب ومشكلاتهم وهي عديدة وتعكس كافة جوانب الازمة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ، لذلك لا بد من اعادة الاعتبار لهذه الفئة بإيلائها المزيد من الاهتمام والرعاية ، ومشاركتها في رسم السياسات التي تخصها والمجتمع ككل. 5 كتاب مجدي وآخرون.

خلاصة الكلام… هناك مشكلات جدية يعاني منها الشباب الفلسطيني ، وفي الوقت نفسه هناك غياب لإستراتيجية وطنية شاملة متفق عليها من مختلف شركاء التنمية لا سيما الشباب انفسهم ، والتي من شأنها رسم الخطوط العامة والتفصيلية للتعامل مع واقع الشباب ومشكلاتهم وتمكينهم، وبالتالي مساعدتهم على تفعيل دورهم التنموي، وتحويلهم الى قوة رئيسية في المجتمع تضطلع بدورها التنموي المنشود، من هنا تأتي أهمية اشراك الشباب في كافة مواقع اتخاذ القرار، بدءاً بالمؤسسات الشبابية والمحلية وانتهاء بالمؤسسات الحكومية الوطنية والدولية .

يجب اعطاء الشباب الحق بادارة انفسهم بانفسهم وتمكينهم من ان يكونوا ضانعي مستقبل مجتمعهم ، بارادتهم الفاعلة وبرؤاهم النابعة من قناعاتهم وتجربتهم وتطلعاتهم نحو ذلك المستقبل.ان الشباب هو الذي يبادر الى الفعل المنطلق من الرؤية والخطة والتشاور والاتفاق في ما بين الشباب، وما على جيل الكبار الا أن ييسر لهم ( أي للشباب) مهمتهم ومسعاهم من اجل تحقيق الاهداف وبلوغ الغايات..

* الكاتب : محمود الفطافطة