صراع الشتات

مازلت مصراً على عدم المس بمكانة وصداقة سلمان أبو ستة وأنيس القاسم ومعهما منير شفيق ، سواء كنا نلتقي كما أفعل وأحرص دائماً مع أبو ستة والقاسم ، أو أن العلاقة محدودة مع منير شفيق ولكن ذلك لا يدفعني نحو تجاوز مكانته وإحترامي العميق لشخصه رغم كثرة إجتهاداته وتعددها ، ولكنها تنبع من إخلاصه في البحث عن الخلاص لشعبه الفلسطيني ولأمته العربية ولإنسانيته .

وتقديري لهم ، ولغيرهم لا يعفيهم من توجيه النقد الموضوعي لهم ، على أنهم تحولوا إلى غطاء ، تم إستعمالهم كوظيفة لقرار حركة الإخوان المسلمين ، ومنها لحركة حماس ضد حركة فتح ، وضد الإئتلاف السياسي الذي يقود منظمة التحرير مهما بدا هشاً وضعيفاً ، وإستثمار ذلك بهدف وراثتها ، ووراثة دورها ومكانتها وتمثيلها لشعبها الفلسطيني ، مستغلين حالة الأمتعاض الفلسطينية السائدة من إستفراد حركة فتح بالقرار وبالمؤسسة الشرعية الفلسطينية ولا تعطيها واجب الحرص ، والإستمرارية ، والتطوير بما يتفق مع ضرورات المواجهة ، مواجهة برنامج المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، وسياساته وقوانينه وإجراءاته الإستعمارية العنصرية سواء في تعامله مع المكون الفلسطيني في مناطق 48 ، أو مع المكون الفلسطيني في مناطق 67 ، أو مع قطاع غزة المحاصر المثقل بهموم ثلاثة حروب مدمرة شنها العدو الإسرائيلي 2008 ، 2012 ، 2014 ، وتداعيات ذلك من حرمان وقسوة وخراب ، إضافة إلى تسلط حركة حماس وتفردها ، وفرض عقليتها الرجعية ، وسلوكها الأحادي اللون والفهم والإجتهاد ، ورفضها للتعددية وللقيم الديمقراطية والإحتكام مرة أخرى إلى صناديق الإقتراع .

حركة الإخوان المسلمين وإمتدادها حركة حماس ، إستغلت رغبات المستقلين بالتغيير ، ورفض الواقع المفروض ، ونتائج إتفاق أوسلو الكارثية ، وتطلعاتهم نحو إستمرار النضال بكافة أشكاله وهم بالمناسبة ليسوا من الشرائح التي سبق لهم وأن حملوا السلاح أو إستعملوه أو حتى زاروا قاعدة من قواعد العمل الفدائي ، حيث يغلب عليهم الطابع المدني المهني السياسي ، وهم مع الكفاح المسلح نظرياً ، من خارج الحدود ، ومن خارج ثقل المسؤولية ، ولم يدفعوا ثمناً لمواقفهم السياسية ، لا ضد النظام العربي ، ولا ضد السياسة الفلسطينية ، ولكنهم أوفياء نظرياً ومعنوياً لقضيتهم الوطنية ، يرفضون سياسات التراجع والإنحسار والتنسيق الأمني ، ولكنهم لا يملكون شجاعة النطق بوجود إتفاقات التهدئة الأمنية بين العدو الإسرائيلي وحركة حماس ، ولتذكيرهم بذلك فقد كان إسماعيل هنية نائب رئيس حركة حماس ، رئيس الوزراء الأسبق أكثر شجاعة منهم وسيبقى كذلك حينما قال في خطبة الجمعة يوم 4/5/2016 ، أن حركة حماس متمسكة بإتفاق التهدئة ، وملتزمة به ، وطالب الأشقاء المصريين الذين كانوا وسطاء التوصل لإتفاق التهدئة في عهدي الرئيس محمد مرسي يوم 21/11/2012 ، والرئيس السيسي يوم 26/8/2014 ، بإلزام الطرف الأخر ” ويقصد العدو الإسرائيلي ” بمضمون إتفاق التهدئة الذي وصفه وزير الحرب الإسرائيلي السابق موشيه أرنز في مقال على صحيفة هآرتس العبرية يوم 7/3/2017 ، على أنه إتفاق يقوم على معادلة ” الهدوء مقابل الهدوء ” والتي تمنح الحصانة لقيادة حركة حماس في قطاع غزة .

قد تكون دوافع المستقلين مبررة ومشروعة ، في المطالبة بإعادة النظر بمكونات منظمة التحرير ، وبصيغ التحالف السائدة المكلسة بسبب فشل حركة فتح أمام قوة ونفوذ العدو ، وضعف مبادراتها ، وتفرد رئيسها بالقرار دون غيره ، وكبر سنه ، وإقتصار إهتمامه على العمل السياسي الخارجي الدولي ، وترك أمر الوضع الداخلي للأجهزة الأمنية المتغولة على كافة مؤسسات صنع القرار ، والمرتبطة بالتفاهم مع العدو الإسرائيلي وملتزمة بالتنسيق الأمني معه ، وبتمويل أميركي كامل .

قد تكون دوافعهم مبررة ومشروعة ، ولكن ضيق أفق تحركاتهم وتطلعاتهم وذواتهم أنهم هربوا من تحت الدلف الفتحاوي المترهل ، ليستقروا تحت المزراب الحمساوي الرجعي المتسلط ، وإذا كانوا غير ذلك ، أتحداهم زيارة قطاع غزة الذي إنحسر عنه الإحتلال ، وتحكمه سلطة حركة حماس المتحررة من توقيع إتفاق أوسلو ولا تربطها يوميات التنسيق الأمني مع العدو الإسرائيلي ، وهم حلفاء لها في مواجهة سياسات أوسلو ، وسلطة أوسلو ، وضد التنسيق الأمني ، وها هم يشكلون مؤسسات بديلة ، لكل ما يرفضونه ، فالوطن هناك في فلسطين ، وقطاع غزة جزء من فلسطين إنحسر عنه الإحتلال ، وباتت لديه وعنده سلطة ذاتية محلية تقودها حماس ، تمهيداً نحو الدولة المستقلة ، لذا ليبدأ العمل من هناك من أرض فلسطين وليس من بيروت أو إسطنبول ، تعزيزاً لصمود غزة وأهلها ودعماً لسلطتها الجهادية .

الكاتب / حمادة فراعنة