الأزمات والحلول اللغوية

الطبقة السياسية الفلسطينية اخترعت حلولاً تقليدية تراها مضمونة لكل الأزمات. إنها الحلول اللغوية، فأي معضلة تفرض عليها، لها حل في قاموس اللغة.

ورغم التجارب الغنية التي مرت بها هذه الطبقة والتي هي بالمناسبة على رأس العمل الفلسطيني منذ بدايته وفي كل مراحله، إلا ان هذه الطبقة تجاهلت خلاصات التجارب وكررت الأخطاء.

ولقد أثمرت هذه السياسة دوراناً لا متناهياً في الحلقات المفرغة، وأوضح دليل على هذا، هو اجتماعات المجلس المركزي، التي بشرت الطبقة السياسية بها كمالكة لحل سحري، وكانت النتيجة أن تم اتخاذ قرارات لغوية وصفها واضعوها في اليوم التالي على أنها من النوع الذي لا يطبق.

ماذا أفرز هذا النهج باعتماد الحلول اللغوية من نتائج وخلاصات؟.

أول وأهم هذه النتائج هو فقدان المصداقية، وأي طبقة سياسية تفقد مصداقيتها عند أهلها وعند المتعاطفين معها، تفقد جدارتها في القيادة ورهان الشعب عليها في الخروج من المآزق، وهذا ما يحدث هذه الأيام بدقة على الساحة الشعبية الفلسطينية. فالقليلون الذين صدقوا أن هنالك حلولاً وبدائل وراهنوا على رؤية هذه الحلول تتجسد على أرض الأزمة، تخلوا عن رهانهم في اليوم التالي وأدارو ظهرهم للسياسة والسياسيين وانصرفوا إلى رعاية مصالحهم الشخصية وشؤون حياتهم.

وغير فقدان المصداقية هنالك الصعود المرتجل إلى أعلى الشجرة، وما أن تمضي أيام قليلة، حتى يبدأ البحث عن من يوفر سلالم للنزول، وفي هذا العالم شديد اللؤم فإن للسلالم ثمناً أفدح وأخطر.

أي قيادة تكتسب صدقيتها من القدرة على الحسابات الصحيحة واتخاذ المواقف وانتهاج السلوك، الذي إن لم يتغلب على الازمة فإنه يقلل من آثارها، وحين نضع أداء القيادة السياسية الفلسطينية على هذا المقياس، فلا نرى غير الإخفاق والتراجع الدائم.

النتيجة الأخيرة والأخطر لاعتماد الحلول اللغوية، هي المزيد من الاغتراب عن الواقع والابتعاد عن حقائق العصر، والتغريد خارج السرب، وهذا ما يجهز على أعدل القضايا والحقوق والأهداف.

في حياتنا المليئة بالأزمات والتي يحلو لنا تسميتها بالتجارب، أضعنا فرصاً جدية للتقدم بقضيتنا وحقوقنا، وأهدرنا خطوات مهمة نحو أهدافنا، وكان الغطاء اللغوي لهذا السلوك المدمر والمكلف، يتجسد في اعتماد القول “إننا دائماً على حق وإننا ضحية مؤامرة كونية، وضحية غدر تارة يأتي من الصديق وطوراً أخرى من الخصم” وحتى حين كانت أخطاؤنا تصل الى حدود لا يقبلها عقل، كنا نخترع مبررات لغوية لهذه الأخطاء، وكان الشعب المغلوب على أمره يضطر إلى قبول تبريراتنا بفعل الهيمنة المطلقة على قراره وانفعالاته.

متى ننتهي من هذه المعضلة، ومتى ندرك فداحة أن العالم كله يتغير من حولنا إلا نحن لا نتغير؟.

ما دمنا لا نجد جواباً عن هذا السؤال فسنظل ندور في حلقة مفرغة ربما نعرف بدايتها ولكنا لا نعرف لها نهاية.

الكاتب / نبيل عمرو