التضامن مع فلسطين والنضال العابر للحدود

تأثر العمل التنظيمي الفلسطيني في الولايات المتحدة تأثراً كبيراً نتيجة اتفاقات أوسلو 1993، حيث انعكس هذا الاتفاق على المئات من النقابات والاتحادات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة والتي أوقفت أنشطتها بصورة فجائية، وانعكس هذا الامر على مشروع التحرير الفلسطيني ومشروع إعادة ترتيب المؤسسة السياسية الفلسطينية بحيث ترك فراغاً في القيادة والاستراتيجية للفلسطينيين في الشتات ولحلفائهم في النضال، كما ساهم في فصل الشتات الفلسطيني عن المجتمعات الفلسطينية العابرة للحدود الوطنية، والنضال الفلسطيني عن قضيته التاريخية ونضاله ضد الاضطهاد والعنف الممنهج.

لعبت هذه التحولات دوراً في إبعاد النضال الفلسطيني من إطار العالم الثالث وحركات العدالة الاجتماعية الاممية التي ناضلت لفترة طويلة من أجل تحرير فلسطين، وعزلتها في قضية واحدة ذات أجندة أحادية الجانب ضمَّت في معظمها نشطاء من الطبقة الوسطى ومجتمع البِيض، مثلو فلسطين في فضاءات التنظيم التضامني بما فيها فضاءات التنظيمات المناهضة للحروب التي تخوضها الولايات المتحدة الاميركية. ولكن مؤخراً بدأت تتبلور سياسات أكثر نضالا وتماسكاً من أجل تنظيم الناشطين في الولايات المتحدة الاميركية من الفلسطينيين وغيرهم من السكان الأصليين ومجتمعات الملونين الذي يجمعهم التركيز على الدور الذي تلعبه الصهيونية في القمع في السياقات العالمية، وكيف أن تحرير فلسطين هو محور اساسي ايضاً في قضايا ومجتمعات من اجل تحقيق انتصارات كبيرة.

هذا العمل بدأ يأخذ شكله بطرق جديدة أقل مركزية، وتختلف عن استراتيجية التحرير التي اتبعت سابقاً. والكثير من مجهود حركة المقاطعة اليوم يعتمد على إظهار أبعاد النضال المتنوعة في فلسطين والتي ترمز إلى القمع في السياقات العالمية. هذا المجهود ربط الفلسطينيين وناشطي التضامن مباشرةً بالمجتمعات المحلية في الولايات المتحدة المتضررة من القمع المُمنهج. وبفضل هذا المجهود تم إدرَاجَ فلسطين في سياسات العدالة الاجتماعية في الولايات المتحدة ومناقشتها بموازاة قضايا تاريخية أخرى بلغت حدَّ الغليان منذ زمن إدارة أوباما، وهذا ينطبق بشكل خاص على العلاقات التي وطدتها حركة المقاطعة مع حركة “من أجل حياة السود”، وكفاح الشعوب الأمريكية الأصلية، والحركة “من أجل حقوق المهاجرين”.

انتصارات كبيرة حقَّقها الفلسطينيون والمتضامنون مع فلسطين في الولايات المتحدة الاميركية في السنوات الأخيرة لا سيما حملات المقاطعة الأكاديمية والثقافية للمؤسسات الإسرائيلية، ومن أبرز تلك الانتصارات مصادقة ما لا يقل عن تسع جمعيات أكاديمية وطنية كبرى على حملة المقاطعة، والتزم المئات من الفنانين والكُتاب والمثقفين وعدد من الرياضيين بعدم المشاركة في تطبيع الاحتلال، كما وتوسعت حركة المقاطعة لتشمل مقاطعة المنتجات الاستهلاكية والشركات التجارية المنتجة والمتربّحة من الاحتلال.

عززت حركات سحب الاستثمار الطلابية في الولايات المتحدة الاميركية جهودها بشكل كبير، وفي منتصف شهر آذار/مارس الحالي أطلق طلاب من المناصرين للحقوق الفلسطينية حملة في مختلف الجامعات التابعة لولاية كاليفورنيا للضغط على مجلس أمناء منظومة الجامعات الحكومية في الولاية لاحترام القرارات التي صوتت لها المجالس الطلابية في ولاية كاليفورنيا والتي دعت الى سحب الاستثمارات الجامعية من الشركات الإسرائيلية المتورطة في الانتهاكات الإسرائيلية. وسبق هذه الحملة تصويَت ما يقرب من 40 مجلسا طلابيا في جامعات أمريكا الشمالية لصالح سحب الاستثمارات من اسرائيل، كما بذل ممثلو الطلاب ايضاً في شتى ارجاء العالم جهوداً كبيرة في إطار الاتحادات الجامعية لسحب استثمارات الجامعات من الشركات المتربّحة من الاحتلال الإسرائيلي. ويأتي التقرير الذي أصدرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أواخر شهر شباط/فبراير والذي يتعلق بـالكشف عن 206  شركات تجارية تتعامل مع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وترتبط بعلاقة ربحية معها، ليؤكد على مدى تقاطع مطالب حركة المقاطعة العادلة مع قرارات مجلس حقوق الانسان.

تأتي هذه الانجازات بعد التحولاتٍ الكبيرةً في أنشطة التضامن مع فلسطين والفلسطينيين في الولايات المتحدة الأمريكية التي حصلت في العقد المنصرم، حيث ساهمت هذه التحولات في تفتح الوعي المتسارع بالكفاح الفلسطيني والذي ظل لفترة طويلة بعيداً عن المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي في الولايات المتحدة، ولعب الطلاب والشباب، لا سيما فلسطينيو الاصل منهم، الذين ولدوا وترعرعوا في الولايات المتحدة، دوراً مهماً في نشر الوعي بأهمية إحقاق العدالة وفي الحث على إدراج فلسطين في أجندات العدالة الاجتماعية والحركات التقدمية

وتشمل أمثلة أطر النضال المشترك الجديدة زيارات وفود مختلفة تمثل قضية أو مجتمعًا ما إلى فلسطين، والتي زادت في العقد الماضي، ونُظمت لتسليط الضوء على النضال الفلسطيني المتعدد. وعلى نطاق مماثل، ارتفع مستوى التنظيم الذي تمارسه النقابات من أجل فلسطين، حيث ربطت استغلال الاحتلال الإسرائيلي للعمالة الفلسطينية بنضال منتسبي النقابات العمالية في الولايات المتحدة من أجل العدالة في الأجور وظروف العمل، فالنقابات الأمريكية لديها تاريخٌ من التضامن مع فلسطين، فعلى سبيل المثال، اعترفت رابطة العمال السود الثوريين في ديترويت رسميًا في 1969 باضطهاد الفلسطينيين كانعكاس للعنصرية والاستعمار الذي يعانيه السود في جنوب أفريقيا، والفيتناميون، وأبناء أمريكا اللاتينية، والسود الأمريكيون في الولايات المتحدة. وقد شهدت السنوات الأخيرة سلسلةً من الانتصارات العمالية، ففي العام 2014، بات اتحاد الطلاب العاملين في جامعة كاليفورنيا وهو اتحاد يمثل 14000 طالباً ومدرّسا في جامعة كاليفورنيا، أول نقابة عمالية في الولايات المتحدة تصادق على حملة المقاطعة بالكامل وبتصويت الأغلبية، وقد حذت حذوها “اتحادات محلية للطلاب العاملين في الجامعات” متحديةً الضغوط التي فرضها الاتحاد الدولي للطلاب العاملين في الجامعات والرامية إلى إبطال تصويتها.

ساعدت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي الحديثة في اطلاع العالم على شدة الإجحاف الواقع على الفلسطينيين جراء استشراء الاحتلال وانتشار الحروب في المنطقة، وسمحت التكنولوجيا الجديدة بتعزيز التثقيف الشعبي، ولا سيما بين أبناء الجيل الصاعد، واستطاع الشباب ان يسرد روايته عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويُخبر عن قسوةَ الحياة في ظل الاحتلال في فلسطين وعلاقتها بالمساعدات الأمريكية لإسرائيل وبالنضالات المستمرة داخل الولايات المتحدة من أجل العدالة الاجتماعية والإنصاف العرقي والحقوق المدنية وحقوق الإنسان، كما أفرزت العلاقات التعاونية الجديدة نمطًا تضامنيًا أكثر تبادلية، حيث أخرجت نشاطات التضامن مع فلسطين من عزلتها، ووضعت فلسطين في قلب النضالات مع المجتمعات الأخرى التي تحارب الاستعمار الاستيطاني، والتدهور البيئي، والحرب العرقية، والاستغلال في العمل، وحقوق المهاجرين واللاجئين، وقمع الدولة، والعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي.

مازالت حركة التضامن مع فلسطين تتحرى النهج الأفضل لتوظيفه كعامل محفِّز للتعبئة في سبيل مناهضة الاحتلال والصهيونية وايضاً في سبيل التضامن، فحملات المقاطعة عززت النقاشات حول فلسطين وكسرت الصمت المؤسسي الطويل حيال القضية الفلسطينية، كما ان النجاحات التي تتحقق هي ثمرةَ العمل الجماعي الفلسطيني في الولايات المتحدة وحركة التضامن المتنامية مع فلسطين في الولايات المتحدة. وبالرغم من أن التغير السياسي الأخير في العديد من فضاءات التضامن قد سَمحَ بنشوء حركة متضامنة مع فلسطين متعددة القطاعات وأكثر قوة وذات إمكانيات جيدة في الولايات المتحدة، فإن ذلك لا يخلو من التحديات، فلا تزال هذه الهياكل والاستراتيجيات إلى حدٍ كبير غير متاحة – وغير ممثِّلة – للعديد من المجتمعات الفلسطينية في الولايات المتحدة الذين يعتقدون أن على الشتات أن يضطلع بدورٍ في جسم جماعي عابر للحدود الوطنية يسترشد بفلسفة التحرر وعدم التضحية بحق العودة.

الكاتبة / لبنى قطامي