سياسة التدجين في المجتمعات الشرقية

 في المجتمع كما في الدين والسياسة، تتلقى الشعوب الشرق أوسطية ثقافةً مُسبَقة الصنع، مُمَنهَجة، لتتوافق مع ثقافة السلطات السياسية والدينية والأنظمة الشمولية التي تحصر كل شيء في المجتمع ضمن أُطُر وقوالب جامدة تدخل في خدمة السلطة الحاكمة التي فرضت على الأفراد والمجتمعات ثقافةً هي نتيجة للقمع المُمَنهَج الذي تلقَّتْهُ على مرّ عقود من قِبل تلك السلطات؛ تلك الثقافة هي ثقافة الطاعة والولاء الأعمى.

عملَت كل المؤسسات الإجتماعية مع الأنظمة الشمولية والسلطات الدينية لعقود طويلة على مفهوم أهمية الطاعة، واعتبارها قيمة أخلاقية وضرورة إيديولوجية لعلاقة الإنسان بالإنسان والإنسان بالنظام السياسي وبالسلطة الدينية بكلّ تجاوزاتهم؛ حيث كانت وما زالت تلك المجتمعات تُقيم الطاعة على أنها الحالة المثالية والحل الصالح لنجاح هذه العلاقات، وتضع الفِكر النقدي في موضع الفِكر الهدّام ليصبح أي مَطلَب تغييري موصوم بروح سلبية وأهداف مَشبوهة.

وحيث تُبَجَّل الطاعة في تلك المجتمعات – والتي تَكثُر فيها الرّقابة الإجتماعية والدينية والسياسية نتيجة غِياب الحُرية النّقدية؛ يزداد التشدُّد والتطرّف بالآراء والإنحياز لشخص أو لفِكرة أو لظاهرة ما قد تكون إجتماعية، سياسية أو دينية، أو لها أشكال أخرى – لتتحول لمنظومة مُتكاملة أقرب ما تكون بين ثقافة العصا والجزرة أو الترهيب المُمارس بقمع اقتصادي وفكري؛ حيث يُحرَم الفرد المواطن من كل شيء ليكون آلة قابلة للبَرمجة والعيش في روتين لا أُفُق للمستقبل فيه. وبالتالي يتحول المواطن بدوره لقامع ذاتي لنفسه وأفكاره التي تمنحه الخوف لمجرد فكرة التأمل في المحيط من حوله بفعل سنوات القمع والكبت والإرهاب الطويلة. فنجد كيف يتطرّف الناس في تأليه الأشخاص وتقديس بعض العادات والظواهر خوفاً من العقاب من جهة، ووسيلة لكسب رضا السلطات من جهة أخرى وضمانة للعيش بأقل الخسائر، فيقوم الناس بنبذ أي فكرة تُعارِض تصوّراتهم، بل ويعتبرها البعض مُوَجَّهة شخصياً لهم وطعناً في وَلائِهم للنموذج السلطوي الشمولي.

فالروح المُطيعة بشكل عام شخصية موالية للمصدر المُطاع بالمُطلَق، وهي شخصية ارتكاسية انهزامية في الأغلب؛ تبني الولاء بعد الطاعة كقيمة مجتمعية إنسانية وتقدّمه بشكل تلقائي يرفض بعده الفرد أي بديل للأفكار أو الأشخاص بانحياز شَرس لا يقبل فيه أي دعوة لفِكر جديد حيث لا بَديل لديه لأي شيء فكرة كانت أم شخص، كتاب كان أم حاكم، حتى في العلاقات الإجتماعية أو في القضايا الشخصية نجد الفرد مُكبَّلاً بقضية التغيير وبدء حياة بفِكر جديد أو شخص جديد قد يكون ذلك “البديل”!

من هنا، فإنّ الفِكر المُنحاز هو فِكر قاصر وفاقد للقدرة على الإحتواء والإنفتاح على الآخر أو أي نَهج جديد وهو تماماً ما يخدم تلك الأنظمة السياسية والمؤسسات الدينية ويساهم بشكل مباشر باستمراريتها آخدة هي دور الرقيب الدائم على أي تغيير ملحوظ.

تِباعاً، ومع انعدام الحرية الإعلامية والنقدية وقمع الرأي الحُر، تحوّلَ بفضل هذه الممارسات حتى الكثير من الكُتّاب والمحسوبين على الحقل الثقافي إلى مُروِّجين لهذه الأفكار وناشرين لهذه الثقافة. فالمشكلة أنّ الكثير من الأصوات من متناولين الديمقراطية في البلدان العربية اليوم يطرحونها بشكلها السياسي فقط وبما يرتبط هذا الشكل مع كينونة نظام الحكم والسلطة الدينية وليس بشكلها الفلسفي الإنساني المُرتبِط بوجود الإنسان وقيمته وهذا يعود لأنّ المثقفين والمُبدِعين محكومون بقيود الحاكم والرقيب والسلطة الدينية، وحيث “لا يوجد خَلْق حيث لا توجد حرية”؛ فالحرية والديمقراطية شرط لبناء الإنسان السليم عقلاً وجسداً وشرط للإنسانية، ولا إنسانية أو مجتمع أخلاقي بدون حرية.

من هنا، لا يمكن بناء مجتمع سليم يُحارب الحرية والفِكر النّقدي ويقدّس بالمقابل الطاعة ويعتبرها قيمة إنسانية. فالنّقد سمة المجتمعات الإنسانية المتحضرة والتي تجاوزَت مفهوم الطاعة بهذا الشكل المريض منذ عقود طويلة، واستُعمِلَ النقد في المجتمعات المتقدمة كقيمة فِكرية وإنسانية وحاجة للتقدم والإرتقاء بالبشرية للأعلى، وبدون النّقد تخلق الأنظمة جيلاً كاملاً من القطيع يقدّس الطاعة والولاء كما حصل في المجتمعات الشرقية.

الطاعة والولاء كما تطرحهما وتمارسهما شعوب الشرق الأوسط، هما أحد آفات المجتمعات هناك وسبب مهم لما آلَت إليه الأمور من التدهور والتطرُّف بعد التهجين والتهميش الذي مارسَتْه معظم السلطات على الفرد الشرقي بكافة هويّاته القومية والإثنية والعقائدية من كل النواحي، حتى فقَد ذاته الجامعة لمعنى ومفهوم الإنتماء بين التاريخ والحاضر وأُفُق المستقبل. كلها تسببت في ضياع للهوية وللروح الوطنية ونمو الفِكر المتطرّف.

فالفِكر المُتطرّف لا يأتي من العَدَم، بل ينمو في بيئة تتبنّى معتقداتها من تلك الخُطُب الدينية وفروض الطاعة والولاء؛ من الكبت الإجتماعي والتّهميش الفكري والسياسي. هو يُغَذَّى بأفكار ٍمن شأنِها استغلال حالة الفِكر المُرهَق المُهَيّأ أصلاً لاستقبال واحتواء وتبنّي هذه الأفكار.

التّهميش السياسي والفِكري والإجتماعي والضّخ الديني وقطع طريق النّقد وقمع الحريات كان لهم دوراً مهماً في تنمية الفِكر المُتطرّف وإضعاف الروح الوطنية تِباعاً. فالتهميش الفِكرِيّ هو أخطر أنواع التهميش؛ هو القتل للعقل والمَنطِق والتفكير السليم وإبطال التحليل والنقد، فتصبحُ الشّعوبُ كالقطيع تَهُزُّ رُؤوسَها حين تسمع صوتَ الرّاعي، ويصبحُ الراعي هو ذلك الآلِهة العالِم بكلّ شيء فلا يأتي الخلاصُ سوى به ومن خلاله؛ تتبعهُ أينما ذهب، ولا تحملُ أيَّ انتماء للأرض التي تعيش فيها، ولا تعرفها سوى بإسمه! هي كحال الشعوب التي أصبح يقودها رجال الدين وفارضين القوانين والعقوبات بإسم الله أو كل مَن جعلَ نفسه مُقدَّساً ويستوجب الطاعة المُطلَقة والولاء الأعمى.

إنها عولمة واحدة اللون والطعم والرائحة، عولمة السلطات السياسية والدينية وما تريده من رقابات مُؤدلجة تحوِّل الفرد المواطن إلى آلة تفتقد لحقوق الانسان وحرياته. ولهذا نجد ثقافة الدول البوليسية تنتقد النزوع للحريات وحكم الشعوب لنفسها.

يقول المفكر والثائر الأميركي البريطاني توماس بين: [من ينكر على الآخرين حقهم في إبداء رأيهم إنما هو عبد لرأيه الحالي لأنه يسلب نفسه حق تغيير هذا الرأي]. هذا الفعل هو أحد أشكال الإرهاب الفِكري والذي يُمثّل كل أنواع الإرهاب الأخرى عند العرب. من هنا، فإنه من حق الشعوب محاربة ذلك الإرهاب الفِكري ونَزع تلك الوصاية عنها من السلطة الدينية أولاً والنظام السياسي والنُّظُم الإجتماعية، ونقد التاريخ المُزوَّر للشرق واعتبار الحرية والديمقراطية هما القِيَم التي تتفرّع منها وتُبنى على أساسها كل القِيَم الإنسانية الأخرى. كما أنّ التمرُّد على تلك النُّظُم والأعراف الإجتماعية السائدة التي تدعو للطاعة بشكلها المُتداوَل في الشرق والذي لا يندرج في قانون العدل والمساواة الإنسانية لهو مَطلَب إنساني اليوم. إنّ الطاعة الوحيدة المقبولة هي فقط الطاعة المُرتبِطة بالحِسّ الإنساني وبالقانون، وفقط حين يكون هذا القانون مُرتكِزاً على العِلم؛ مفصولاً عن الدين، ومبنياً على الفِكر الإنساني واحترام حريات الفرد وخدمة الإنسان.

 

الكاتبة / ريم شطيح