مسيرات غزة: استرجاع للحق الوطني أم تغريبة فلسطينية جديدة؟!

بعيداً عن الايمان بأحقية نضال الشعوب لنيل حريتها وحقوقها المسلوبة من قبل المُستعمر، والتي أقرّتها كافة المواثيق والأعراف الدولية والتي تتعدد أشكالها وأدواتها في إطار سعيها الجاد للتخلص من الاستعمار، سواء كانت وسائل مسلحة أو سلمية… جاءت المسيرات التي أطلق عليها بداية مسيرات العودة ثم أضيف إليها عنصر كسر الحصار، والتي انطلقت في شهر آذار/ مارس الماضي في قطاع غزة، في إطار نهج جديد سعت من خلاله منظمات المجتمع المدني ومختلف القوى الفلسطينية لإبراز الوجه القبيح للاحتلال، واستعادة الحضور للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية، خصوصاً عقب الاحداث الدموية التي هيمنت على المشهد السياسي في الشرق الأوسط، في سوريا واليمن والعراق.

انطلقت مسيرات العودة في ضوء واقع فلسطيني منقسم ومتشرذم، شهد فشلاً مدوياً لجهود المصالحة برعاية مصرية، عقب تفجير موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله خلال زيارته الأخيرة لغزة مطلع مارس الماضي، والذي ترتّب عليه مزيد من الإجراءات العقابية التي اتخذتها السلطة في رام الله بحق القطاع، في إطار ما أطلق عليه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالإجراءات الضرورية لحماية المشروع الوطني. بقيت هذه المسيرات أسيرة جغرافيا القطاع ولم تتمدد في إطار شامل إلى كافة أماكن الوجود الفلسطيني في الضفة الفلسطينية. وفي حين تشهد القدس حملة تهويد شرسة بمباركة من الإدارة الأميركية، أجريت مراسم الافتتاح الرسمي للسفارة الأميركية في القدس قبل يوم واحد من الذكرى السبعين لنكبة الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه وتشتيته في تجمعات فلسطينية منفصلة جغرافيا وسياسياً.

إزاء هذا الواقع المأزوم فلسطينياً وعربياً، قُدّم العديدُ من المبادرات لوقف التظاهرات السلمية التي تخوضها الجماهير الفلسطينية في غزة ومنع تدحرج الأمور تجاه مواجهة مسلحة قد يفرضها الميدان، أو اختراق الجماهير للحدود، ما قد يشكل تحولاً دراماتيكياً في المواقف لاحقاً. فكانت الجهود المصرية والقطرية على اختلاف مساعيها في إطار وقف الاحتجاجات أو على الأقل ضبطها ضمن الخطوط المسموح بها. وفي الإطار ذاته، كانت هناك محاولات أوروبية أعلنت عنها جريدة «الأخبار» اللبنانية ضمن توجّه دولي لفصل المسار الإنساني في قطاع غزة عن المسار السياسي، في إطار منع الأمور من التدهور (انظر العدد 3443، 16/4/2018)، والحفاظ على الأوضاع ضمن الحدود ذاتها التي تمنع حدوث الانفجار، الذي قد لا تستطيع إسرائيل تحمّل نتائجه، أو النجاة من مسؤوليتها عنه كدولة احتلال على الأقل. نجحت هذه الجهود، نوعاً ما، في تهدئة الأمور وضبطها. وقبل يوم واحد من ذكرى النكبة، تم استدعاء رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية لزيارة عاجلة للقاهرة لإجراء مباحثات مع جهاز المخابرات المصرية، والتي بحسب كافة التصريحات حملت تهديدات إسرائيلية واضحة لقيادة حماس إذا ما خرجت الأمور عن نصابها.

المثير في المشهد برمته هو ذاك التحول في نهج أو تكتيك حركة حماس في الصراع مع الاحتلال. حركة حماس، ومنذ انطلاقتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بنت تاريخها ومجدها على استخدام المقاومة المسلحة باختلاف أدواتها مع الاحتلال، والتي بدأت بحجر ثم بسكين ثم باستشهاديين، وصواريخ محلية الصنع، وبعدها ثلاث مواجهات عسكرية دامية بين 2008 و2014. هذه التحولات باتت محل تساؤل لكافة المراقبين لنهج المقاومة الذي تتبناه حماس ومدى إيمانها بجدوى المقاومة اللاعنفية في مواجهة الاحتلال، وما إذا كان هذا التحول في نهج المقاومة مجرد تكتيك مرحلي لهدف سياسي تتجاوز فيه أزمة حكمها لقطاع غزة. فخلفية المنصة التي أقامتها الحركة في موقع ملكة على حدود مدينة غزة، والتي حملت صور غاندي ومارثن لوثر ونيلسون مانديلا، رموز المقاومة اللاعنفية في التاريخ الإنساني، لم تكن صورة مجردة من محاولة حماس لإحداث تغيير في وعي وفكر جماهيرها للتحول الدراماتيكي الذي تمر به. التحول بدأ مع الوثيقة التي أعلن عنها نهاية العام الماضي من قبل خالد مشعل، الرئيس الأسبق للمكتب السياسي للحركة، والتي اعتبرها العديد من المراقبين بدايات التحول في فكر ونهج الحركة لطبيعة الصراع والمسار الذي تذهب باتجاهه، وفي تحول شبيه بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي.

إن التمهيد السياسي والنضالي لإحداث تحوّل في الوعي والموروث المقاوم لدى أبناء الحركة، والذي بدأت خطواته الأولى من خلال الوثيقة السياسية ومن ثم نجاعة المقاومة السلمية في إحداث اختراق دولي، استدعى كافة الفرقاء في الإقليم إلى الجلوس مع الحركة والبدء بطرح خطط ورؤى للخروج من الواقع القاسي الذي تمر به من خلال عدم قدرتها على توفير متطلبات حكمها لغزة.

بالرغم من ذلك، ما زال سلاح الحركة وقدراتها الهجومية، سواء الصاروخية منها أو الأنفاق، تقف عقبة رئيسية في تعطيل أي تقارب مع المجتمع الدولي، خصوصاً أن الحركة ما زالت مصنفة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية في أوروبا وأميركا. سلاح الحركة برز كمعضلة في فشل المصالحة الفلسطينية، حيث تعتبر الحركة أن الاقتراب من سلاحها بمثابة تجريد لها من قوتها ومن أسرار بقائها وديمومتها. يبدو من الواضح أن ما يطرح الآن في إطار مساعي قوى إقليمية ودولية يكمن في إطار ما يمكن أن نطلق عليه «تخزين السلاح والتعهد بعدم استخدامه»، و«هدنة طويلة الأمد» تضمن لإسرائيل حفظ حدودها وعدم تهديدها تحت أي ظرف إقليمي. مقابل ذلك تحظي الحركة بمتنفس حياة يتمثل في إنعاش انساني للأوضاع الكارثية التي يمر بها القطاع، وهو ما بات يعرف مؤخراً بالفصل بين المسار السياسي والإنساني. تسهم السلطة الوطنية في رام الله بتقريب حماس كثيراً من الذهاب نحو هذا الخيار بفعل الإجراءات العقابية الأخيرة التي اتخذها رئيس السلطة محمود عباس بحق قطاع غزة، وسلسلة العقوبات التي تصاعدت حدتها في الأشهر الأخيرة، وما رافق ذلك من عقد المجلس الوطني من دون مشاركة حماس والجهاد الإسلامي. وهو ما اعتبرته الحركة إقصاءً وتهميشاً لها في الشراكة السياسية، بحسب مخرجات اتفاق القاهرة 2011.

لم تكن جلسات العصف الفكري التي عقدت في واشنطن، من دون حضور ممثل عن السلطة الفلسطينية، لإيجاد حلول للأوضاع المأساوية في قطاع غزة خلال الشهر الماضي، ولا مؤتمر بلجيكا أيضاً، بعيدين عن رغبة الإدارة الأميركية ومن خلفها الاتحاد الأوروبي لبحث سبل الخروج من الأزمة التي تمر بها غزة من ناحية ومحاولة للتمرير الناعم لصفقة القرن من ناحية أخرى. هذه الجهود المبذولة أجمعها تأتي في إطار البعد الإنساني للتحركات الإقليمية الأخيرة التي تقودها مصر وقطر للوساطة ما بين إسرائيل وحركة حماس. ولكن، وإن كانت هذه التحركات في ظاهرها مرتبطة بصفقة تبادل أسرى، إلا أنها لا تخلو من بحث الأوضاع الكارثية في غزة، والتي تتصاعد حدّتها مع مرور الوقت، ما يجعل الأمور أكثر قرباً من التوجه الناعم بشكل أو بآخر لإمكانية حدوث الفصل ما بين غزة والضفة.

إن من شأن هذا الفصل، وإن أصبح واقعاً، أن يشكّل مرحلة من مراحل صفقة القرن المرتقبة، والتي تتضح معالمها يوماً بعد آخر. قد يكون الحسم قد بدأ بملف إعلان القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الاميركية إليها، وإزاحة ملف اللاجئين عن الطاولة عبر وقف الدعم عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بصفتها الرمزية والمعنوية لهذا الحق. ويأتي ضم التكتلات الاستيطانية في الضفة، وتمزيق أوصالها، كإعلان عن وأد أيّ شكل للدولة الفلسطينية المنشودة، وإعطاء الفلسطينيين كيانية في غزة، محاصرة ومعزولة عن محيطها. إزاء هذا المشهد الديناميكي على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، تبدو عملية كيّ الوعي الفلسطيني متواصلة عبر منهجية دقيقة، تستند إلى عاملي الشرذمة وزيادة الهوة بين الفرقاء الفلسطينيين، في ضوء غياب أو تغييب للنموذج الوطني القادر على اجتراح الأمل للخروج من عنق الزجاجة التي وضع بها الكل الفلسطيني.

آن الأوان لوضع كل أدوات الفعل الفلسطيني في مواجهة عملية كيّ الوعي المستمرة للحق الوطني، خصوصاً في ضوء مسارات التعقيد المحلي والإقليمي. هذا الامر يتطلب من جميع القوى على اختلاف مشاربها مواجهة المخططات الدولية الساعية إلى تقزيم الحق الفلسطيني وإخراجه من بعده السياسي إلى مسار إنساني يفقد القضية جوهرها الحقيقي كقضية تحرر وطني، حتى لا تتحول كل تلك التحركات والتضحيات التي يبذلها سكان قطاع غزة إلى تغريبة فلسطينية جديدة!

الكاتب / طلال أبوركبة