ملاحظات في العام الحادي عشر للانقسام

لا يمكن لنا كفلسطينيين الانتصار في معركة نواجه فيها مختلف أنواع التحديات دون الالتفات الجاد للداخل ونزع فتيل الأزمات المحتملة وتفكيك الأزمات الظاهرة بهدوء وحكمة دون انفعال أو توتر في الأداء كي لا نقوض بأنفسنا المساعي الوطنية نحو بناء دولة حرة عاصمتها القدس الشريف.

* * *
إن قدرتنا كفلسطينيين على صون الحلم الفلسطيني تتطلب الإيمان المطلق بقدرة شعبنا على الإنجاز من خلال المزيد من الانفتاح على المكونات الشعبية وتعزيز أسس وآليات الحوار الداخلي على مختلف المستويات وجعل مسألة التفاعل الوطني ممكنة وقابلة للتحقيق سياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا لأن المجتمع القادر على توظيف امكانياته المتعددة وطنيا للمساهمة في صناعة القرار يكون الأكثر قدرة على صون القرار وحمايته والدفاع عنه بصلابة واقتناع.

* * *
إن هشاسة الحالة الداخلية يمكن تجاوزها بشكل تدريجي من خلال رؤية جدية تسعى لخلق مساحة حقيقية وليس شكلية للتفاعل، مساحة توفر آليات مرنة للحوار الوطني والعمل دون تشنج أو توتر قد يفسد ملامح الحالة الوطنية أو يساهم في تشتيتها بعيدا عن البوصلة المركزية المتمثلة في حماية الوجود الفلسطيني وتعزيز صموده من أجل حريتنا المنشودة.

* * *
لا يمكن النظر إلى الحالة الفلسطينية بمعزل عن نبض الشارع مهما بدا هذا النبض متواضعا أو متصاعدا لأن القدرة على بناء وترميم تصدعات الروح الفلسطينية – بعد كل سنوات الانقسام – نحو المستقبل يتطلب جهدا مضاعفا ومسؤلية جمعية تتجاوز الثنائيات الحادة ومناكفات الخطاب السياسي. هذه المسؤلية تشمل مختلف ألوان الطيف السياسي والمجتمعي الوطني معتمدة على رؤية شاملة وجريئة وليس من خلال خطابات جزئية تغفل بقصد او دون قصد مختلف أبعاد الأزمة السياسية الداخلية.

* * *
ما يمكن تحقيقه داخليا ووطنيا ليس مستحيلا إن تحررنا من مختلف أشكال التشنج الوظيفي والسياسي والمؤسساتي ومن ضحالة الأفق المحاصر بالعصبيات المنفرة والرؤية المحدودة اتجاه القدرات الوطنية المتعددة. هذا يعني الاهتمام بتطوير سياسات العمل الوطني والتحرر من مختلف أشكال الوصاية الايدلوجية التي فرضتها التراكمات الانقسام السياسية المختلفة نحو فضاء يشمل مختلف التطلعات الوطنية بالحرية. سياسات نابعة من عمق الايمان بقدرة وقوة الجبهة الداخلية التي تمثل الحصن الحقيقي لوجودنا الوطني.

* * *
إن إعادة انتاج الألم بأشكال مختلفة في كل مرة نظن فيها أننا تجاوزنا فصلا من فصول الخيبات يعيدنا بقسوة إلى المربع الأول، كأننا لم نكن ولم نبذل جهدا ولم نواصل العمل في قطاعات متعددة تهدف إلى تعزيز مقومات المجتمع على الصمود.
كأننا نعيد بعثرة جهدنا وتفتيتنا ثم محاولة ترميمنا مجددا. كأننا نغيب عنا تدريجيا في نفق مظلم ونحن نمعن في قمع ذاتنا دون ادراك لما يعده المستقبل بشقه المخيف المظلم.
لذا تظل الوحدة الوطنية ممكنة بعيدا عن الإحباط واليأس قريبا من النبض العام، هذا النبض الفطري الذي جعلنا نؤمن بالوطن دون أن يفسد أحد علينا هذا الإيمان.

* * *
لا نريد أن نشاهدنا نحرق ذاتنا كل يوم نرى فيها قدرتنا وهي تتلاشى تدريجيا أمام حجم الألم الذي نسببه لأنفسنا بقصد أو دون قصد.
الحقيقة لن يبق شيئ منا جميعا بعد عدة سنوات قادمة – ان استمر نهج الاقصاء المتعدد الأشكال والمستويات – سوى ما تتركه الجروح العميقة من ندبات على الجسد وعلينا تفادي النتيجة المحتملة للانهيار بتدارك الحالة وتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية وبث الأمل في الروح المتعبة. ليس هذا صعبا وليس مستحيلا بل ممكنا وقابلا للتحقيق.

* * *
إن ارهاق الذات الفلسطينية بفصل جديد من التشنج لن ينجح في رتق المزيد من الاهتراء في النسيج السياسي، وعليه فالذهاب نحو صيغة سياسية تفضي إلى صندوق الاقتراع يكاد يكون المخرج الوحيد من الأزمة المتصاعدة والممر الأكثر أمنا في ظل غموض الممرات الأخرى.

* * *
لفلسطين أجيال جديدة تخرج إلى الحياة برؤية تجمع بين الوطن والذاكرة والمستقبل، أجيال قادرة على مواجهة التحديات، غير قاصرة عن فهم صعوبات المرحلة، أجيال تبدع في كل مسار دون الحاجة إلى وصاية تدل على الطريق. أجيال لا تستحق الإهانة في غزة والضفة وفي أي مكان. أجيال عرفتها عن قرب في الجامعة وفي الميدان والعمل المؤسساتي الثقافي.

* * *
غزة مني وغزة منا، وغزة ليست فصيلا محددا أو فصائل بل نسيجا ثريا ودافئا ضمد جراحاتنا في الانتفاضة الأولى عندما كنا صغارا وعلمنا كل دروس الوطن وجغرافيا الوطن وتاريخ الوطن. غزة نحن كما رام الله ونابلس والخليل وجنين وبيت لحم وطوباس واريحا وقلقيلية وسلفيت وطولكرم والقدس العاصمة وبقايا روحنا في الجليل والمثلث والنقب …
غزة نحن وليس من الحكمة أن تكون عنوانا جزئيا للحالة الفلسطينية ولا لأي شكل من أشكال الإهانة مهما كان السبب.
غزة الجرح وغزة النبض وغزة الحياة التي تواجه كل أشكال المقبرة …
لولا هذه الجغرافيا الضيقة ببحرها وفضائها لما صار الحلم الوطني ممكنا بعد مأساة النكبة، لولا هذه الجغرافيا الضيقة بحصارها لما اتسع الحلم الوطني وتمدد نضالا وثورة.
غزة بلاغة التاريخ والأسماء التي امتزجت بروح الوطن المقدسة، غزة أبو عمار وأبو جهاد وصلاح خلف وأبو يوسف النجار ومعين بسيسو وهارون هاشم رشيد وكامل المغني ويسرى البربري وحيدر عبد الشافي ومحمد الأسود (جيفارا غزة) والقائمة أطول وأطول وأطول …
غزة الشيوخ والقساوسة والمساجد والكنائس …
لا يمكن اختصار كل هذا فجأة … أو تجاوز كل هذا فجأة …

* * *
نعم أنا منحاز للتاريخ كي لا يسرقنا الحاضر منا وكي نظل نشبهنا ولا نغترب عنا أكثر … كي يكون التاريخ ملهما لا فصلا منسيا في سجل الوطن.
لا يمكن أن تكون غزة سببا لأي شكل من أشكال التشوه، كما لا يمكن لها أن تكون سببا لأي تقسيم جغرافي أو سياسي وإن بدا لدى البعض قابلا للتأويل أو التبرير أو التفسير. فغزة بحاجة لجهد الكل الفلسطيني للخروج من نفق الانقسام المظلم نحو مسار وحدوي قادر على مواجهة التحديات. دون ذلك ستظل المتاهة تسرق أعمارنا جميعا وتبعثر جهدنا الوطني في أزقة اللاجدوى وسنخسر المزيد من الوعي القادر على بناء مستقبل يليق بتاريخ وتضحيات شعبنا على مر السنوات.

* * *
تدرك غزة أنها تدفع أثمانا باهظة على الدوام منذ أن تشكلت المدينة مع فجر التاريخ وصارت بوابة من بوابات الحضارة وهدفا من أهداف الغزو الخارجي المستمر حتى اللحظة.
تدرك غزة أنها تدفع ثمن الانقسام وتحولات المنطقة واختبارات القوى المتعددة على شعب هو جزء من كلنا الفلسطيني يحاصره الاحتلال منذ أن عرف طريق الجنوب الفلسطيني لتصبح غزة سجنا على أطراف الصحراء، يود قادة الاحتلال لو أن يبتلعه البحر، غير أن غزة التي نعرف صابرة وتصبر ليس ضعفا منها فهي تدرك بحكمة الجدات والأمهات كيف ومتى ترمم صورتها، هذه الصورة التي حاول الكثيرون تشويهها سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا ولم يفلحوا ولن يفلحوا فغزة دوما الأقوى والقادرة على الانتصار.

* * *
لست هنا في رام الله كي تكون غزة بعيدة … أو كي أفقد تاريخا شخصيا أو وطنيا … ولكنني هنا كامتداد للجغرافيا وامتداد للروح التي تعلمناها وحفظناها في الدروس اليومية وفي دعاء الأمهات … أنا هنا لأنني أؤمن بوطن اسمه فلسطين يحتضن كل الجغرافيا ولا يفرق بينها، وطن يحتضننا كما كانت تحتضننا الأمهات في الانتفاضة الأولى وهن يدفعن عنا خطر الجنود …
غزيتي جزء من فلسطينيتي، هي جزء من هذه الهوية الجامعة التي تحتضن التعدد الروحي والجغرافي وهي ليست تهمة في أن أكون هنا في رام الله كي أدافع عنها أو أبررها …
كما أن غزيتي ليست تهمة أدفعها عني بأي شكل من أشكال الصمت. إنها الصوت الذي يحركني ويدفعني كل يوم للعمل من أجل وطن لا يفرق بين مكوناته الجغرافية، فغزة الحاضرة في صميم الروح صورة مكثفة لوطن لم يعلمني التمييز.
وهي التراب الذي كما ذكر الامام الشافعي الغزي كحل العين المشتاقة حين قال:

سقى الله أرضا لو ظفرت بتربها‏

كحلت به من شدة الشوق أجفاني‏

كل عام وأنتم بخير.
فلسطين وطن موحد من أجل الحرية وضد اضطهاد المحتل.
فلسطين وطن ضد الانقسام والتمييز.
فلسطين وطن الحقيقة والمستقبل.

 

 

الكاتب / د. إيهاب بسيسو

أديب و وزير الثقافة الفلسطيني