تحقيق حول شبكات النفوذ الإسرائيلي في بروكسل

يعلم الجميع الدور الكبير الذي تلعبه الجماعات الموالية لإسرائيل على الساحة الأميركية. ولكن نفوذها غير معروف بالقدر نفسه في بروكسيل، مقر المؤسسات الأوروبية. حيث تقوم هذه الشبكات، وبمساندة نظيراتها في أمريكا ودعم تل أبيب لها، بترسيخ المكانة المتميزة لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي، الذي يرفض اتخاذ أي تدبير ضد هذا البلد بسبب انتهاكه حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

“فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، يتمتع اللوبي الإسرائيلي بمعاملة خاصة واضحة يمتاز بها على سائر السفارات الأخرى لدى الاتحاد الأوروبي”. هذا ما يشرحه لنا أحد المصادر في البرلمان الأوروبي. ويتابع هذا المصدر قائلاً:« عندما وضعت روسيا عام 2015 أسماء بعض النواب الأوروبيين على قائمة سوداء لمنع دخولهم الى أراضيها قام رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز فوراً بالحد من حرية الدبلوماسيين الروس في الوصول الى البرلمان. أما إسرائيل فلا تتردد في وضع النواب الأوروبيين الداعمين للقضية الفلسطينية على قائمة سوداء وتمنع أعضاء البرلمان الأوروبي من دخول قطاع غزة منذ 2011، مع بعض الاستثناءات النادرة، دون أن يؤدي ذلك الى أي رد فعل مضاد من جانبنا”.

في نهاية شهر يناير/كانون الثاني 2016 كان رئيس البرلمان الذي خلف شولتز في هذا المنصب أنطونيو تاجاني قد منع انعقاد مؤتمر صحفي دُعي إليه وزير سوري، بسبب اتهام نظام بشار الأسد باستخدام الأسلحة الكيماوية. ولكنه لم ير أي داع للاعتراض على الدعوة التي وُجهت الى آفي ديشتر، المشرف الأعلى على قمع الانتفاضة الثانية، للتحدث أمام لجنة الشؤون الخارجية في سبتمبر / أيلول 2018، مع كل التشريفات…

ولئن كان نفوذ جماعات الضغط العاملة على صون المساندة لتل أبيب في الولايات المتحدة الأميركية معروفاً من الجميع، إلا أن نشاطات هذه الجماعات لا تظهر تماماً على الملأ في أوروبا. مع ذلك فهي تنشط منذ بداية الألفية الثانية في توطيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه. وإن لم يكن رضى بروكسيل بنفس الأهمية الحيوية التي يمثلهما رضى واشنطن إلا أنه لا يقل عنه أهمية من الناحية الاستراتيجية. فالاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول بالنسبة لإسرائيل ولقد منحها تدريجياً مكانة متميزة في مجالات حاسمة كالبحوث العلمية والابتكار والمخابرات.

ولقد قام اللوبي الإسرائيلي بأول تمركز فعلي له في أوروبا إثر الانتفاضة الثانية التي اندلعت في سبتمبر /أيلول 2001. يقول دافيد كرونان، وهو صحفي إيرلاندي ومؤلف دراسة متبحرة حول الموضوع بالتعاون مع باحثين آخرين هما سارة ماروسيك ودافيد ميلر :“لقد أدركت إسرائيل ما لها من سمعة كارثية نتيجة قمعها للمقاومة الفلسطينية فحاولت تعويض شرعيتها المهتزة بتلميع صورتها لدى النخب الأوروبية”. وبعد انقضاء خمسة عشر عاماً، يبدو أن عملية الزراعة الاصطناعية قد نجحت تماماً وبات لتل أبيب شبكة نفوذ لا تضاهيها أي جماعة ضغط أخرى.

ولقد استطاعت إسرائيل الاعتماد على الشقيق الأكبر الأميركي. بل أن بعض المكونات في جماعة الضغط هذه هي من صنعه مباشرةً ، مثل ال “ترانزاتلانتيك إينستيتيوت” (المعهد العابر للأطلسي) الذي وضعته اللجنة اليهودية الأميركية أو كذلك ال “بناي بريت يوروب” . في حين أن هيئات أخرى استلهمت من أمريكا أساليبها، دون أن يكون لها روابط عضوية وثيقة بها، مثل منظمة “أصدقاء إسرائيل الأوروبيون” التي تأسست عام 2006 أو “يوروب إسرائيل بابليك أفيرز” المنظمة الأوروبية الإسرائيلية للشؤون العامة التي يذكر عملها بمنهج الأيباك (اللجنة الأميريكية الإسرائيلية للشؤون العامة). وبغض النظر عن دورها كممثل غير رسمي للمواقف الرسمية الإسرائيلية، فبعضها يقوم بمهام محددة، على سبيل المثال إن جي أو مونيتور أنشئت عام 2002 والتي برعت في فن نشر الأكاذيب لتشويه سمعة منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والفلسطينية لدى الممولين الأوروبيين.

لوبي كالحرباء متلون بكل الألوان

وبفضل القواعد الخاصة بجماعات الضغط في أوروبا والتي تتميز بمرونة أكبر منها في الولايات المتحدة الأميركية، فمن الصعب التعرف بدقة على مصادر التمويل التي تلجأ لها. إلا أن تفحص إعلانات الضريبة الخاصة بالمنظمات الخيرية قد سمح بتوضيح المصادر الرئيسية لتمويل جماعات الضغط هذه وهي مصادرة مقرها في أمريكا ومقربة من اليمين الأمريكي والإسرائيلي1 . كما أنها تستفيد من دعم الهيئات الدبلوماسية الإسرائيلية.

وثمة عدد لا يستهان به من مكونات هذا اللوبي تجمع بين الانحياز لإسرائيل والدفاع عن مصالح الجاليات اليهودية في أوروبا. ومع ذلك فلا يمكن القول إنها منبثقة مباشرة من هذه الجاليات. فالجمعية اليهودية الأوروبية على سبيل المثال، التي تفاخر بكونها أوسع خيمة تظلل المنظمات اليهودية في القارة الأوروبية لا تضم إلا عدداً قليلاً من الهيئات التي هي أوروبية المنشأ بالفعل.

وحتى لو لم تشكل هذه المكونات جسماً واحداً متماسكاً إلا أن ثمة نوع من الترابط فيما بينها فعلى سبيل المثال ستجد أن مناحيم مارغولان وهو أحد أبرز العاملين في أنشطة الضغط قد أسس هيئتين من الهيئات التابعة للوبي2. وأليكس بنيامين قد انتقل عام 2015 من منصب مدير منظمة أصدقاء إسرائيل الأوروبيين الى منصب مدير المنظمة الأوروبية الإسرائيلية للشؤون العامة . وهذه السرية التامة في التحرك فيما بين المكونات المختلفة جعلت من اللوبي جسماً شبيهاً بالحرباء، يتلون بلون الوسط الذي يدخله ويتمتع بمرونة كبرى فيه.

الهدف هو مراكز السلطة

من المجالات التي تدقق بها هذه الهيئات بشكل خاص السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد، والتي تحددها الدول حسب قاعدة الإجماع. وبالتالي فجزء كبير من الضغط يستهدف كل بلد بعينه كما يستند الى التوافق العام بالآراء المتعاطف مع إسرائيل في ألمانيا وأوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية، حيث يصحب هذه المواقف توجه أطلسي واضح. وإن كانت السفارات الإسرائيلية تبذل الجهود المكثفة في هذا الاتجاه فجماعات الضغط لصالح إسرائيل قد أقيمت في البلدان المستهدفة منذ زمن طويل كما هي الحال في المملكة المتحدة.

أما الضغط الذي يمارس على المفوضية الأوروبية التي تملك وحدها المبادرة التشريعية، وتضع القرارات الأوروبية موضع التنفيذ وتدير المعونة المالية لصالح البلدان المختلفة وبرامج التعاون معها، فيكتسي أهمية جوهرية. وبعض الإدارات تخضع لمراقبة عالية كإدارة التجارة والضريبة والاتحاد الجمركي المكلفة بمتابعة مسألة شائكة كمنتجات المستوطنات وكذلك إدارة البحوث والابتكار التي تمول مباشرة برنامج “أفق 2020” الذي تشارك به إسرائيل. ويحظى اللوبي بكل العناية من قبل هذه الإدارات. وكانت منظمة أصدقاء إسرائيل الأوروبيين قد رحبت أجمل ترحيب بتعيين سيسيليا مالمستروم في منصب المفوض لشؤون التجارة. أما المفوض لشؤون البحوث والابتكار والعلوم كارلوس موعيداس فلقد بذل الجهود الحثيثة في الترويج لمشاركة إسرائيل في البحوث الأوروبية.

خطب ود اليمين المتطرف

ولقد عمل اللوبي على زرع مناصرين أقوياء له داخل البرلمان الأوروبي. يتمثلون أساساً بالمجموعات المحافظةً والحزب الشعبي الأوروبي. أما التيار المسيحي الصهيوني الذي يرى في نجاح الدولة اليهودية المعلنة تحقيقاً لنبوءة توراتية فله أنصار أيضاً في البرلمان الأوروبي ولو بنسب أقل من الأنصار المتواجدين في الولايات المتحدة الأميركية. وهم يتجمعون داخل الائتلاف الأوروبي من أجل إسرائيل . وهذا الائتلاف، شأنه شأن المنظمات الأخرى داخل اللوبي، لا يكتفي بالحض على تعزيز الأواصر مع إسرائيل، بل يؤيد بحماس شديد السياسات المتطرفة التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية وينادي بشرعية سيطرتها على القدس بأسرها.

وأخيراً بإمكان إسرائيل الاعتماد على من يعتبرها حصناً منيعاً في وجه الإسلام. وهؤلاء تجدهم في صفوف المحافظين وفِي صفوف التيارات اليمينية الراديكالية أو المتطرفة التي تتقرب منها إسرائيل بالرغم من علاقاتها المشبوهة بمعاداة السامية. ستة من أصل ثلاثة عشر عضواً مؤسساً لأصدقاء “الياهودا والسامراء” في البرلمان الأوروبي ينتمون الى هذه التيارات. ولقد عقدت هذه المجموعة التي أنشأت عام 2017 العزم على تشجيع التبادل التجاري مع المستوطنات في الضفة الغربية، بالرغم من حظر القانون الدولي لها.

استقطاب شبكة النفوذ هذه للنواب الإوروبيين يمثل تضارباً في المصالح بالنسبة للأوروبيين. فعلى سبيل المثال تعمل إليز كوليغين في الوقت نفسه مستشارة سياسية لدى مجموعات المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين ولدى السفارة الإسرائيلية دون أن يُعرف بوضوح ما إذا كانت تتقاضى أجراً لنشاطاتها خارج البرلمان وهو الأمر المحظور في مدونة السلوك.

أما رئيس المندوبية البرلماني للعلاقات مع إسرائيل فلوفيو مارتاتشيللو في الحزب الشعبي الأوروبي فمستشاره الشخصي هو نونو واحنون مارتينز عضو المؤتمر اليهودي الأوروبي الذي يدعو الى انتهاج سياسة أوروبية “متوازنة” باتجاه إسرائيل. ويُبيّن تحقيق قام به ديفيد كرونين أن فلوفيو يقوم شخصياً بأكبر قسط من العمل داخل المندوبية بما يتيح لإسرائيل الحصول على وثائق داخلية ذات أهمية أساسية.

جاذبية الدولة الناشئة (“ستارت أب)

لا يمكن تفسير فعالية اللوبي بالتهاون الأوروبي وحده. يرى ديفيد كرونان إن “هناك عدد من النخب والدول الأوروبية التي تنظر بعين الرضى الى التقارب مع إسرائيل ولا تعتبر مسألة حقوق الإنسان مبرراً كافياً لتأجيله”. فلئن كان الرأي العام الأوروبي ينظر الى نفوذ إسرائيل في العالم على أنه أمر سلبي فإن عدداً من رجال الأعمال تجذبه فرص الاستثمار في “الدولة ال ستارت أب” (أي الناشئة وعالية التقنية). هناك العديد من الشركات الأوروبية والإسرائيلية المترابطة بشكل وثيق كما أن مستوى البحوث والتنمية في إسرائيل (4,25 % من إجمالي الناتج القومي وهو من أعلى المعدلات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ) يجعل منها شريكاً علمياً متميزاً. كما أن إسرائيل التي تمثل مستورداً مهماً للأسلحة الأوروبية باتت أيضاً مصدراً للتكنولوجيا الحربية المتقدمة الى البلدان الأوروبية ولا سيما الطائرات من غير طيار (درون drone ) المسلحة وبعضها تم اختباره في غزة ولقد أدركت جماعات الضغط تماماً هذا الأمر فاستغلت التناقضات بين مصالح النخبة الأوروبية وحرصها المعلن على القانون. ولو تم تغليب اعتبارات القانون لكان الأمر كارثة على اسرائيل. ففي عام 2009 أدى تجميد عملية النهوض بالعلاقات الثنائية مع إسرائيل بعد الهجمة الدامية على غزة الى تخفيض حجم مبادلاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي بنسبة 20.8%.

وفِي عام 2012 لعبت منظمة أصدقاء إسرائيل الأوروبيون دوراً حاسماً في تصديق البرلمان الأوروبي على الاتفاق حول “تقييم مطابقة المنتجات الصناعية وقبولها” والذي كان قد جُمّد منذ 2010. وشرع اللوبي وقتها بحملة مكثفة لتحفيز اهتمام مجموعة الليبراليين الأوروبيين، الذين يشعرون بالتردد ما بين حقوق الإنسان ومصالحهم الاقتصادية. فهؤلاء وافقوا في نهاية المطاف على إعادة فتح النقاش مما سمح ببروز أغلبية من الدول المؤيدة للاتفاق، ساعدتها في ذلك البلجيكية فريدريك رياس والبريطانية سارة لودفورد. هاتان السيدتان العضوان في منظمة أصدقاء إسرائيل الأوروبيين لجأتا الى حجة تقول بأن تسهيل دخول السوق الأوروبية الموحدة لشركة تيفا الإسرائيلية وهي المنتج الأول في العالم للعقاقير البديلة « سوف يتيح للمواطنين الأوروبيين الاستفادة من أدوية ذات قيمة عالية بسعر مقبول ».

ولقد أدت الحملة المكثفة التي قام بها كل من اللوبي والدبلوماسية الإسرائيلية في بروكسيل وفِي الدول الأعضاء (التي كانت مبدئياً تعارض رفع مستوى العلاقات مع تل أبيب) الى تعطيل المحاولات القليلة للسلطات الأوروبية بتجميد مستوى العلاقات مع إسرائيل. وفِي 2013 جرى تفسير التوجيهات الأوروبية الأولى التي كانت تستبعد الشركات والمؤسسات المقيمة في المستوطنات من أي تمويل أوروبي، جرى تفسيرها تفسيراً متساهلاً بوجب اتفاق خاص رضخ في نهاية المطاف لوجود هذه الأطراف في المستوطنات. أما التوجيهات الأوروبية الثانية التي كانت توصي بوضع علامات مميزة على المنتوجات المصنوعة في المستوطنات فلقد تبين أنها مستحيلة التطبيق عمليا.

الإدارة المسلحة بالأقفال

ويعمل جهاز المفوضية، سعياً منه لبلوغ أهدافه وبدافع غريزي بعدم البوح بالحقيقة أمام المجلس الأوروبي، على عرقلة أي محاولة لتشديد التعامل مع إسرائيل. ذلك مع أن زيادة الضغط هي من مصلحة الأوروبيين. أوضح لنا أحد الموظفين في هذه المؤسسة: “ينفق الاتحاد الأوروبي ثلاثمائة ألف يورو كل سنة للتخفيف من معاناة الفلسطينيين في حين أنه لو رُفع الحصار ، ولو جزئياً، على غزة وأزيلت القيود المفروضة على الوصول الى الضفة الغربية لكان في ذلك أثر أكبر بكثير على النمو الاقتصادي الاجتماعي للسكان في هاتين المنطقتين.

ولم ينجح يوماً أي من الاتحاد الأوروبي أو الدول الأعضاء في مساءلة إسرائيل حول الدمار الذي يلحقه جيشها بالمشاريع الممولة دولياً في فلسطين، ناهيك عن أي عقوبات. هذا مع أن لدى الاتحاد كل وسائل المساءلة، لا بل وعليه واجب المساءلة وهو واجب ذكر به القرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن في 23 ديسمبر 2016 ففي 18 مارس/آذار 2017 أدلى القسم القانوني في المفوضية برأي حول الموضوع، ذكّر بأن عمليات التدمير هذه منافية للقانون وبأن المجتمع الدولي قد طالب بشدة بمنعها. كما وأدرجت تلك الوثيقة السرية، التي استطعنا الاطلاع عليها، سلسلة من التدابير التي يمكن النظر بها للرد على هذه العمليات، بدءاً بالتعويضات المالية والى “تعليق جزئي أو كليّ للاتفاقات الدولية مع إسرائيل”. إلا أن المفوضية ظلت متمسكة بسياسة الاكتفاء بالتنديد اللفظي وعدم تجاوز هذه المرحلة، فتجاهلت استنتاجات الوثيقة تماماً.

زد الى ذلك أن بعض المنظمات مثل المنظمة غير الحكومية “إن جي أو مونيتور” تسعى لإبطاء الجهود التنموية للاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر الطعن بشركائه في الميدان. يقول أحد الإداريين الأوروبيين :“نحن مطالبون باستقبال ممثلي هذه المنظمة وهم مصحوبين بأحد ممثلي السفارة الإسرائيلية، وهو الأمر الغريب بالنسبة لمنظمة تزعم إنها غير حكومية. وتنعم هذه المنظمة باتصالات يسيرة مع كافة الجهات في كل من المجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي، فتحصل بالتالي على معلومات دقيقة للغاية حول كل المستفيدين من تمويلنا المشاريع في الأراضي.”

معادة السامية، السلاح الفتاك

ولقد أصبح اللوبي يلعب الدور الطليعي في الحرب الصليبية التي تشنها الحكومة الإسرائيلية على ما تسميه شبكات “نزع الشرعية” وعلى رأسها حملة المقاطعة الدولية “بي دي إس”3 الموجهة ضد إسرائيل طالما ظلت رافضة لاحترام التزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني. ولقد اعتبرت الحكومة الإسرائيلية هذه المبادرة الصادرة عن المجتمع المدني الفلسطيني بمصاف “الخطر الاستراتيجي” لا لما له من تأثير اقتصادي فحسب بل وعلى سمعة البلاد كذلك. ولقد أنشأت الحكومة في 31 ديسمبر/كانون الأول 2017 صندوقاً ب72 مليون دولار ممول جزئياً بتبرعات خاصة، من أجل محاربة الحملة هذه في الخارج. ويسعى اللوبي لتجريم الحملة، فهو لا يكتفي بالموقف الحالي للاتحاد، أي المعارضة لحملة المقاطعة والسماح بحرية الرأي في الوقت نفسه. وفِي القارة الأوروبية التي مازالت تتأثر بذاكرة إبادة اليهود يكتسي الاتهام الموجه لأي طرف بمعاداة السامية فعالية رهيبة. ويسعى اللوبي منذ عام 2016 لجعل الاتحاد يتبنى ما يسمى ب“تعريف العمل” في مجال معاداة السامية لدى “التحالف الدولي لصون ذاكرة المحرقة”، وهو تعريف يستند الى بعض الأمثلة التي تخلط في جزء منها بين انتقاد إسرائيل والعنصرية ضد اليهود. وفِي المملكة المتحدة كما في بعض الولايات في الولايات المتحدة الأميركية وضعت قوانين على أساس هذا التعريف، بما سمح بإلغاء العشرات من مهرجانات التضامن مع فلسطين بحجة الإشارة الى حملة المقاطعة.

ولقد عمدت بعض الهيئات الموالية لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، باغتنامها فرصة عدم انتباه المندوبين الى الأمر، فقامت بالالتفاف على لجنة “الحرية المدنية والعدالة والشؤون الداخلية”، ودفعت باتجاه التصويت في الجمعية العمومية في شهر يونيو 2017 على قرار يدعو الدول الأعضاء وكافة مؤسسات الاتحاد الى تبني تعريف “التحالف الدولي لصون ذاكرة المحرقة”. وفِي 6 ديسمبر 2018، صوت مجلس العدالة والشؤون الداخلية بنفس الاتجاه داعياً الدول الأعضاء الى تبني التعريف المذكور، وهو لم يستند في ذلك الى الأمثلة المثيرة للجدل إلا أنه لم يسقطها نهائياً. ولقد دعا هذا المجلس كل الدول الأعضاء للتصويت بنفس الاتجاه وبالتالي فاللوبي يعمل جاهداً لتبني التعريف برمته من قبل الدول الأعضاء. وكما أوضحنا آنفاً فلقد تبنت المملكة المتحدة هذا القرار عام 2016. ولا يصح القول إن المفوضية الأوروبية لم تتبن هذا التعريف من جهتها ، حيث أن منسقة المفوضية من أجل مكافحة معاداة السامية تطبق التعريف عملياً، كما سنورد في الفقرة التالية.

أعوان مواظبون

يتمتع اللوبي بمساندة المنسقة في لجنة التصدي لمعاداة السامية، أي الألمانية كاتارينا فون شنورباين ولقد أنشئت وظيفتها عام 2015 تلبية لنداء اللجنة اليهودية الأميركية وهي مقربة للغاية من الجماعات ذات المصالح الموالية لإسرائيل وهي تواظب على ترداد كل مقولات الإعلام التابع لهذا البلد، بما في ذلك الاتهامات بمعاداة السامية الموجهة لحملة المقاطعة.

وفِي شهر فبراير / شباط 2018 ساهمت في هجوم اللوبي المكثف ضد إحدى النواب الأوروبيات، البرتغالية الاشتراكية آنا غوميز ، التي كانت قد نظمت ندوة مع عمر برغوتي، مُطلق حملة المقاطعة. ولقد اتهمت المندوبة البرتغالية المنسقة فون شتورباين بانتهاك قواعد مدونة السلوك للعاملين الإداريين في البرلمان، إلا أن فون شتورباين حصلت على تأييد المفوضية.

وفِي نوفمبر 2018، وبمناسبة انعقاد مؤتمر حول حملة المقاطعة في بروكسل، أعلنت جمعية أصدقاء اليهود الأوروبيون والمنظمة الأوروبية الإسرائيلية للشؤون العامة أنهما سيتوجهان الى كل الأحزاب الأوروبية بنداء يدعو الى “رفض نشاطات المقاطعة رفضاً باتاً بصفتها معادية للسامية في جوهرها” إلا أن هذه المبادرة لا تحظى بإجماع الآراء في الجالية اليهودية. حيث تساءل النائب آرثر غودمان من المجموعة البريطانية “يهود أوروبيون من أجل العدالة بحق الفلسطينيين”، خلال مؤتمر صحفي تم تنظيمه للمناسبة:“من الغرابة بمكان أن يعتبر البعض أن هناك تركيز على إسرائيل أكثر من أي دولة أخرى وأن هذا التركيز هو نوع من معاداة السامية، ولكن هل هناك في العالم أي دولة أخرى تنتهج مثل هذا الاستعمار والاضطهاد؟”

ولهذه الاتهامات التي تشنها منظمة “إن جي أو مونيتور” ضد حملة المقاطعة آثار قد تكون فادحة أحياناً.“نحن مضطرون لقضاء وقتنا في تكذيب هذه الادعاءات الباطلة” هذا ما تقوله بكل أسف آنيتا جيرسكا المنسقة في الرابطة الأوروبية للجان والجمعيات المناصرة لفلسطين وتضيف“قد نسجل بعض النجاحات من حين الى آخر خاصة في مكافحة تبني التعريف الذي يحاول فرضه التحالف الدولي لصون ذاكرة المحرقة أو في حملة المقاطعة ولكن أي حملة جيدة تستغرق عدة سنوات، وليس لدينا في الوقت الحاضر إمكانيات كبيرة، خلافاً لما تتمتع به الهيئات الموالية لإسرائيل”. وتتمنى آنيتا تكثيف الشراكات مع الجمعيات اليهودية التي لا تنصاع لحملات التعتيم الإعلامي بحجة معاداة السامية.

انقلاب السحر على الساحر؟

هل تنقلب في نهاية المطاف على حكومة نتانياهو فعالية أعوانها في ضمان التأييد الأمريكي والمهادنة الأوروبية؟ فرئيس الوزراء المتأكد من حصانته بات يتحرك دون أي حرج، مكثفاً الاستيطان، معززاً الطابع العرقي للدولة وماضياً في ترسيخ تحالفاته مع نظم غير ليبرالية، مما يسيء بشكل متزايد لسمعة إسرائيل، بما في ذلك في الجاليات اليهودية. من المتوقع أن يؤدي تعميق الهوة بين حكومة نتانياهو والرأي العام الأوروبي الى تعقيد عمل اللوبي. في فبراير /شباط 2017 كان رئيس المنظمة الأوروبية الإسرائيلية للشؤون العامة قد ارتاب من تصويت البرلمان الإسرائيلي على مشروع قرار يسمح بإضفاء الطابع القانوني بشكل لاحق على سرقة الأراضي الفلسطينية. فلقد ذكر على مدونته الإلكترونية:” عندما تحدث أمور كهذه فإنها تلغي قسطاً كبيراً من العمل الجيد الذي نقوم به لتقديم إسرائيل في أحسن وجوهها في المؤسسات التابعة للاتحاد الأوروبي” شأنه شأن اللوبي في أمريكا، يجد اللوبي الإسرائيلي نفسه في أوروبا في مفارقة غريبة: فلم يسبق له أن كان بهذا النفوذ لدى النخب وفِي الوقت نفسه بهذه المسافة الفاصلة عن المجتمع المدني. وكأنه بذلك صورة معكوسة تماماً لحركة التضامن مع الفلسطينيين، التي تلاقي فيها المبادرات نجاحاً كبيراً في الميدان ولكنها لا تنجح في إقناع المسؤولين بتغليب القانون على ما يسمى بالسياسة الواقعية.

الكاتب / غريغوري موزي .. محلل سياسي و صحفي 

تقرير مترجم و نشر من قبل Orient XXI