لماذا تتراجع القضية الفلسطينية في الأجندات العربية والدولية؟

منذ زمن لم تعد القضية الفلسطينية على ذات المكانة التي كانت لها في النصف الثاني من القرن الماضي، في مركز اهتمامات السياسات العربية والإقليمية والدولية، وعلى الصعيدين الشعبي والرسمي، علما أن تلك القضية ما زالت حية وعادلة، وشعبها يكابد المعاناة نتيجة الحرمان من الهوية والوطن، ويقدم التضحيات في سبيل استعادة حقوقه المشروعة، التي أقر له بها المجتمع الدولي منذ سبعة عقود، وعلما أن إسرائيل تبدو اليوم أكثر من ذي قبل دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، لا سيما مع تأكيدها على كونها دولة يهودية حصراً، من خلال ترسيمها ذلك بقانون يهودية الدولة، ناهيك عن صدّها الجهود الدولية المتعلّقة بالتسوية، واستمرارها على مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وحصار غزة والهيمنة على الشعب الفلسطيني.

المعنى أن المشكلة تكمن في مكان آخر، فمنذ ثلاثة عقود تقريبا باتت قضية فلسطين تبدو مختلفة عن ذي قبل، إذ تم اختزالها، بالتحوّل من زمن النكبة 1948 وتداعياته، إلى زمن احتلال إسرائيل للضفة والقطاع 1967 وتداعياته، مع عقد اتفاق أوسلو 1993.
وقد انبثق عن ذلك، أيضاً، اختزال شعب فلسطين، بإخراج اللاجئين في الخارج من مفهوم الشعب الفلسطيني، وقصره على فلسطينيي هذه المناطق، من الناحية العملية، وهذه ليست تغييرات ثانوية، أو مجرّد تفصيلات. وهذا وذاك أدى بدوره إلى تغيير معنى ومبنى قضية فلسطين، واختزال الصراع مع إسرائيل إلى مجرّد سلطة تفاوض على شكل الكيان الناشئ في الضفة والقطاع، وعلى حدوده، وعلى تحسين أوضاع الفلسطينيين فيه.

الأسوأ أنه حتى قضية إقامة كيان للفلسطينيين، على جزء من أرضهم التاريخية 22 بالمائة، جرى تجزئتها وتفكيكها، بحيث قسّمت أراضي الضفّة إلى ثلاثة أجزاء أ، ب، ج، وبات ثمة مفاوضة على الحدود، وعلى شرعية المستوطنات، وعلى القدس، والمياه، والاقتصاد، والأمن، والمعابر، وعلى الأسرى، وعودة اللاجئين والنازحين، والمطار والميناء، والجدول الزمني.

وكما ذكرنا، فقد نجم عن اختزال قضية فلسطين مسألة أخرى على غاية الخطورة، أيضاً، تمثلت بتفكيك مفهوم الشعب الفلسطيني، مع إخراج ملايين اللاجئين، في الأردن وسورية ولبنان وغيرها، من هذا الإطار، ومن معادلات موازين القوى مع إسرائيل، وهو تحوّل تضمن المخاطرة بإزاحة الرواية الفلسطينية المتعلقة بالنكبة، وإضفاء شرعية على الرواية الإسرائيلية، التي تعتبر أن الصراع بدأ عام 1967، وأنه يدور بين حقّين متساويين على أرض الضفّة فقط، بعد أن بات ثمة تسليم بحق إسرائيل في الوجود.

ومشكلة الفلسطينيين في كل ذلك أن هذا التحوّل فصل بين مفهومي الحرية والتحرير، أي بين حقهم كشعب في الحرية والهوية وتقرير المصير، وبين تحرير الأرض، وبعدها فإنه اختزل مشروع التحرير الى مجرّد صراع على بقعة أرض هنا أو هناك، وأطاح بالرواية الفلسطينية بعيداً، وبدّد أهم عنصرين فيها، وهما الحقيقة والعدالة.

لم تقف المسألة عند هذه الاختزالات الثلاثة للقضية والأرض والشعب، ذلك أن هذا الأمر تفاقم بتحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة، تحت سلطة الاحتلال، أو قبل أن يرحل الاحتلال، فاقم من ذلك، أيضاً، تهميش منظمة التحرير وهي الكيان الشرعي الموحد للفلسطينيين، وحال الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني (منذ 2007) بين سلطتي الضفة وغزة.

في المحصلة فقد نجحت إسرائيل بفصل نفسها عن الفلسطينيين، وتجنّب الاحتكاك بهم، رغم بقائها في أرضهم، وسيطرتها على حياتهم، سيما مع بنائها الجدار الفاصل، والجسور والأنفاق، والطرق الالتفافية، التي باتت تعزل الفلسطينيين وتغيّبهم عن الإسرائيليين، إضافة إلى الخروج من غزة والاكتفاء بحصارها (2005).

هكذا فإن قيام نوع من كيان سياسي للفلسطينيين، بمرتبة أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي، أدى إلى إشاعة تصورات تفيد بأن القضية وجدت حلا لها، وأن الصراع الجاري هو مجرد صراع بين كيانين سياسيين، أو بين دولتين، وهو مجرد صراع على الحدود، أو على العقارات هنا أو هناك، على نحو ما يفعل ترامب، في اعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل (واعترافه بالجولان تحت سيادة إسرائيل)، ما أدى إلى تآكل قضية فلسطين، وتراجع مكانتها في سلم الاهتمامات العربية والإقليمية والدولية، شعبياً ورسمياً، بحيث بات الوضع يقتصر على مجرّد الضغط لتحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للفلسطينيين، وإسناد مواقفهم التفاوضية إزاء الإسرائيليين، كسلطة إزاء سلطة، أو ككيان إزاء كيان. طبعا ثمة عوامل موضوعية، خارجية، أسهمت وضغطت للدفع في هذا الاتجاه، ضمنها العجز إزاء إسرائيل، وإخفاق خيارات الفلسطينيين وخلافاتهم وانقساماتهم، وثقل المعطيات الدولية والعربية غير المواتية لكفاحهم، وتشتّت الشعب الفلسطيني، وانشغال العالم العربي بأوضاعه ومشكلاته الداخلية والخارجية.

الكاتب / ماجد الكيالي