ليس على القيادة الفلسطينية أن تتنحّى الآن

طالب الزميل أسامة أبو ارشيد في مقاله في “العربي الجديد” (31/5/2019) “أما آن للقيادة الفلسطينية أن تتنحّى؟”، القيادة الرسمية الفلسطينية بالتنحّي، وذلك بعد الحالة المتردّية التي وصل إليها المشروع الوطني الفلسطيني، والتي، بحسبه، أوصلتنا إليها هذه القيادة، نتيجة تراكمات طويلة من الأخطاء السياسية التي تمتد إلى عقود. وأسامة أبو ارشيد من الناشطين المدافعين بشراسة عن القضية الفلسطينية في واشنطن، أي على الخطوط الأمامية لحالة الصدام مع طبّاخي “صفقة القرن” في العاصمة الأميركية، ومن خلفهم من لوبيات وجماعات ضغط إسرائيلية ويمينية. وقد جاء مقاله على أمراضٍ عديدة يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني، وهو بذلك ينبّه إلى أهمية معالجتها فوراً، وتحديداً المتعلقة بـ”صفقة القرن”، فبغير ذلك، حسب قوله، “نحن من سيمضي إلى الجحيم لا صفقة العار”. ومع وجاهة تساؤلات أسامة، يبقى السؤال ما إذا كان هذا هو الوقت المناسب فعلاً للقيادة الفلسطينية أن تتنحّى، وهو ما نختلف عليه.

نتفق مع أسامة على جملة قضايا أوردها، من أهمها أن الوضع السياسي الحالي المتردّي هو نتيجة أخطاء تاريخية تراكمية منذ اتفاق أوسلو بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في العام 1993، وأن الفساد المستشري هو سرطان المشروع الوطني، وأن توصيات المجلسين، الوطني والمركزي، لا يتم تطبيقها، وأن الاعتقال السياسي جريمة، وأن الانقسام عار وطني، والقائمة تطول. ومع ذلك، تبرز مجموعة تحدّيات بشأن الاعتقاد أن تنحّي القيادة الرسمية سيحل كل هذه المشكلات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، فحالة العجز الراهنة للأسف شاملة ومؤسسة وبنيوية، وأحيانا ثقافية قيمية، تشارك في صياغتها ليس فقط القيادة الرسمية للشعب الفلسطيني، ولكن أيضاً بعض أحزابه السياسية ونخبه ومثقفيه ومنظماته غير الحكومية، أو مجتمعه المدني إن شئت، وغيرهم، فـ “من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر”، وربما كانت خطيئة المجتمع الفلسطيني أنه انتظر منذ “أوسلو”، من دون أن يسائل من شاركوا في صياغة الوضع الراهن.

من المستبعد أن يعمل تغيير القيادة الفلسطينية في هذه المرحلة على تجاوز هذه التحدّيات، فإصلاح النظام السياسي الفلسطيني معركة شاقة طويلة الأمد، تحتاج تكاتف قوى وطنية واجتماعية مختلفة لتخوضها، وتحدث التغيير المطلوب فيها. وسيكون لزاماً على المجتمع الفلسطيني أن يخوض هذه المعركة عاجلا أم آجلا إن أراد فعلاً التحرّر ودحر الاحتلال. ولكن هل هذا هو فعلاً التوقيت المناسب لفتح معارك داخلية مع القيادة الفلسطينية الرسمية ومحاسبتها على أخطاء “أوسلو” وما لحقها في اللحظة التي يكون فيها الشعب الفلسطيني في خضم المواجهة مع “صفقة القرن” والعدوان المسعور الذي يقوده فريق جاريد كوشنر (مستشار الرئيس الأميركي ترامب) وجيسون غرينبلات (مبعوث ترامب) وديفيد فريدمان (سفير ترامب في إسرائيل) ضد الفلسطينيين.

المعركة مع الإدارة الأميركية في أوجها، ومن يتابع حساب غرينبلات على “تويتر” يدرك حجم الهجمة الشرسة التي يتعرّض لها كل ما هو فلسطيني، قيادة رسمية وفصائل من “فتح” و”حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وحتى عامة الشعب الفلسطيني لم تسلم من تصريحاته التي تقطر سمّاً، ويتعدّى بعضها محاولته التنظير لصفقته المشؤومة، ليصل إلى الهجوم على الحلم الفلسطيني بوطن وكرامة وهوية. وتستحضر كاتب هذه السطور، في هذه اللحظة، الأدبيات السياسية للسجون الفلسطينية، وتحديداً نقاشات كتاب منير شفيق “حول التناقض والممارسة في الثورة الفلسطينية” (دار الطليعة، بيروت، 1971)، وما للخلط بين التناقضات الرئيسية والثانوية من أثرٍ مدمر على المشروع الوطني، فالتناقض الرئيسي في هذه اللحظة هو “صفقة القرن” الهادفة إلى تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، وليس الدخول في معترك تنحّي القيادة الفلسطينية، كما أن طبيعة المعركة هي إفشال الصفقة، قبل أن تكون بشأن الخوض حتى في قضايا الحل النهائي.

ومن جهة أخرى، تنحّي القيادة الفلسطينية في هذه اللحظة، في انتخابات عامة أو غيرها، سيفتح المجال أمام لاعبين إقليميين ودوليين عديدين، ليدلي كل منهم بدلوه، ومن يدري النتائج التي ستترتب عن ذلك، فهناك لاعبون كثيرون يتربص كل منهم لمحاولة إيجاد قيادة على مقاسه. وليس هذا سراً، فرفض القيادة الفلسطينية المستمر الحديث مع فريق كوشنر دفع جهات عديدة إلى التهديد بتنحيتها، وإيجاد قيادة بديلة لديها الاستعداد للقاء هذا الفريق، وحتى التعامل مع “صفقة القرن”. وأعلم تماماً من نقاشاتي مع مسؤولين فلسطينيين أن الوساطات الأميركية لا تتوقف من أجل إقناع القيادة الرسمية بالحديث مع مسؤولين أميركيين، ولكن هذه المحاولات فشلت، ولم يسجل حتى الآن أي اختراق لهذا الموقف الرسمي.

ثمّة سبب رئيسي، يستدعي عدم تنحّي القيادة الفلسطينية في الوقت الراهن، أن السياسة الرسمية الفلسطينية في التصدي لصفقة القرن تحقق إنجازات معقولة. صحيح أنها استراتيجية غير متكاملة، وبحاجة إلى تطوير إضافي، ولكن من المهم الاعتراف بأنها تنجز، ليس في بناء الدولة الفلسطينية والمشروع الوطني، وإنما بالتحديد في مقاومة الصفقة المذكورة، والشواهد على ذلك عديدة، فمن المهم ألا نمعن في جلد أنفسنا كثيراً، وننكر هذه الإنجازات التي من أهمها: ترنّح ورشة المنامة الاقتصادية، والتي لم تكتسب زخماً على صعيد رسمي او اقتصادي او شعبي او عربي او دولي، فحتى حكومة البحرين نفسها اضطرت للقول إنها فقط الجهة المستضيفة للورشة، وليست المنظمة لها. التأجيل المتكرر لإعلان الصفقة، ما أضعف قيمتها وأهميتها، وشكك في أنها قد تعلن يوماً، فقد كانت المرة الأولى، منذ بدأ الحديث عنها، أن يصرح مهندسها كوشنر، ويقول إنها ستعلن بعد العيد، ليتراجع تاليا، ويؤجل ذلك إلى أجل غير مسمّى. والأهم اعتراف سيد الدبلوماسية الأميركية، مايك بومبيو، وبعيداً عن الإعلام، بأن صفقة القرن قد لا تعلن، وقد لا تكتسب زخماً، وقد لا تطبق، وفيها شيئان جيدان وتسعة أشياء سيئة، وشكك في المشروع كله، وذلك في حديثه إلى رؤساء الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة، وهؤلاء فاعلون ومؤثرون في صناعة القرار الأميركي. ورابع الإنجازات، المشروع الأميركي الذي يجري التحضير لتقديمه إلى الكونغرس قريباً، للمصادقة عليه، والقاضي بمنع ضم إسرائيل المستوطنات أو أجزاء من الضفة الغربية، والتأكيد على حل الدولتين الذي تنكّر له ترامب وصفقته منذ اليوم الأول له في المكتب. واللافت أن شخصيات اعتبارية ذات ثقل مهم وراء المشروع، مثل إليزابيث وارن وجيف ميركلي وبيرني ساندرز وديك دوربين وديان فاينشتاين.

ويُحسب للقيادة الفلسطينية الرسمية عدم إيصال حالة الاختلاف مع الأنظمة العربية، حتى المتواطئة منها مع صفقة القرن، إلى حالة الصدام المباشر، ما يعني استمرارها بممارسة ضغط أخلاقي كبير عليها، في لحظةٍ لا يمتلك الطرف الفلسطيني أوراق ضغط مادية على هذه الأنظمة، حيث انتهى الزمن الذي كان فيه صلاح خلف (أبو إياد) هو من يتعامل مع هذه الأنظمة، عندما تنحرف بوصلتها عن القدس. كما أن الصدام مع الأنظمة العربية، الرجعية والتقدّمية (مع التحفظ على الوصفين) سيكون أسمى ما تطمح اليه إسرائيل، ومن ورائها فريق كوشنر وغرينبلات. وإذا حدث أن انهارت صفقة القرن، وسقطت وفشلت، وهذا وارد جداً، فللاستراتيجية السياسية التي تبنتها القيادة الفلسطينية في مقاومتها (الصفقة) دور، وليس السبب الوحيد أو الرئيسي، في هذا السقوط.

ليس المطلوب الآن تغيير القيادة الفلسطينية، وإنما تكثيف السياسة الفلسطينية في مواجهة صفقة القرن على المستويين، الدولي والشعبي. دولياً، وعربياً بالتحديد، ليس المطلوب فقط الإعلان عن مقاطعة ورشة المنامة بعدم مشاركة الفلسطينيين فيها، بل الانتقال الى مطالبة الدول العربية صراحة بمقاطعتها. والساحة الدولية غير مستغلة بشكل فعال، وفي وسع القيادة الفلسطينية أن تفعل أكثر بكثير مما تقوم به الآن، وينطبق ذلك على الميادين القانونية (رفع دعاوى دولية) واقتصادية (مقاطعات) وتحريك قوى فاعلة دولية، ليست بالضرورة رسمية، وغير ذلك الكثير. وشعبياً، المطلوب هو الإعلان للتحضير لأسبوع من العصيان المدني يسبق الورشة المذكورة، لإيصال رسالة عالمية، مفادها أن في وسع القيادة الفلسطينية فعلا التصعيد في مواجهة صفقة القرن، ولممارسة ضغوط على الأطراف العربية بعدم حضور الورشة. وفي اليوم الذي تُعلن فيه الوفاة الرسمية لصفقة القرن سيئة الذكر، وقد لا يكون ذلك بعيداً، فإن معركة الفلسطينيين الكبرى يجب أن تبدأ في اليوم الذي يليه، من أجل إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك إيجاد قيادة فلسطينية منتخبة خاضعة للمساءلة، يقاس بقاؤها في موقعها بمستوى تقدّمها بالمشروع الوطني الفلسطيني إلى الأمام.

الكاتب / ابراهيم فريحات