المصالحة او الهاوية..!

اكثر من اثني عشر عاما من الجنون الوطني والفوبيا من الشراكة الوطنية وحب الذات وتفضيل قضايا الحزب عن اهم قضايا الوطن، فوبيا الشراكة في الحكم خشية انها ستأخذ من هذا ما يملك وتسلب منه القيادة والمسؤولية والجاه والمال والسلطة، جنون وطني قد يكون الشفاء منه صعباً طالما بقيت بعض القيادات المجنونة تصور للناس ان الامر ليس عندها بل عند الطرف الآخر وهكذا كل يلقي بالمسؤولية على الطرف الاخر ولا يعترف احد انه سببا في حالة الضياع التي اوصلتنا الى حافة الهاوية السحيقة.. جنون اخذ الشعب الفلسطيني الى ابعد ما يتصورة العقل الوطني، انقسام يتعمق يوما بعد اخر وقد يكون وصل الى حدود الانفصال السياسي.. انقسام بل اكثر دمر الذات الوطنية وسلب ارادة الشعب وكان سببا في الفقر والمرض والازمات وانهيار الاقتصاد الوطني والحصار لا بل ان هذا الانقسام هو ما اوصلنا الى الحالة التي مكنت العدو منا والسيطرة على مقدراتنا.. المقاومة والمعززة للوجود والصمود الوطني على الارض، ضاع مستقبل الالاف الشباب وذهب الانقسام بهم الى التسول في وطنهم الذين اعتقدوا انه سيحميهم ويؤمن مستقبلهم.

كل ما لحق بالشعب الفلسطيني من دمار بسبب الانقسام على المستوى الوطني والشعبي والمؤسساتي والفردي شيئ والقادم اشياء اخرى، فلا اعتقد انه يخفى على احد اننا قد نقع في الهاوية جميعا بالقريب العاجل بعدما تكالبت علينا الامم عربا وعجما وكثرت الثعالب من قوميات واديان مختلفة باتت تجوب داخل حديقتنا ولم يعد هناك اي سور يحجبها عن غرفة نومنا ولا نهش اطراف اجسادنا النائمة وعقولنا التائهة وعواطفنا التي بعدت عن الانتماءات الوطنية والتصقت بالاحزاب والقيادات. كل ما لحق بنا من دمار يمكن بنائه لكن ما سيأتي لن يعوض ولن يبني ولن يكون بمقدور مائة جيل فلسطيني قادم ان يعيده من جديد..! هنا بتنا امام خيارين لا ثالث لهما: اما المصالحة واما الهاوية..! والهاوية معناها فقدان الوطن وقدسه ومقدساته وقضاياه وثوابته وترابه والشعب، فقدان الارض والتاريخ والجغرافيا، فقدان الثوابت والمقدسات والشرف والكرامة والدين وكل ما يتصوره العقل وما نملكه على هذه الارض.. الهاوية باتت اقرب منا الينا، بل وبرمج كل الاعداء مجتمعون دفعنا اليها دون رحمة او رأفة بانسانيتنا.. الهاوية ليست اقل من توقيع صك الاستسلام والقبول بما يريد الامريكان وغيرهم.. ضياع لا سابق له سيبقينا شعب تتقاذفنا الرياح على كل باب نقف لنتسول طعام اطفالنا لاننا لن نحتكم على رغيف عيش من قمح ارضنا وكل رغيف عيش يوفروه لنا ثمنه كبير من دمنا وتاريخنا وارضنا ووحدة صفنا، وبعدها لن نحتكم على قطعة قماش نستر بها عوراتنا ونداري سوءاتنا والقادم اكبر..!

التاريخ والاجيال يسجلوا كل صغيرة وكبيرة ويدركوا ماذا يعني اثني عشر عاما من اعمارهم اضاعها الانقسام ويدركوا ماذا يعني استمرار هذا المسلسل التدميري للمكون الفلسطيني والارض والانسان ويدركوا ماذا يعني التنكر لمتطلبات مقاومة المخطط الامريكي الذي بات واضحا لا يعترف بنا كشعب له حضارة وتاريخ وارض وماضي وحاضر ولا يعترف بنا حتي كأدمين لهم حقوقهم السياسية كما عرفها القانون الدولي فلا تجعلوا هذه الاجيال تحاسبكم والتاريخ يتبرأ منكم. لم يعد لدينا وقت متاح للمناورة وفرض الشروط والتحاور والبحث عن اتفاقات وتقديم اوراق للتوافق، لم يعد لدينا حتي امكانية انتظار احداً ليتاي الينا ويجمع صفنا فأن لم نسارع بجمع صفوفنا وتجاوز كل التوافه فاننا خاسرون جميعنا قد لا نخسر فقط بل اننا سنكون اجرمنا في حق انفسنا والاجيال القادمة والارض والانسان. لم يعد امامنا وقت للجدال السياسي والتناكف وتوجيه التهم فلن ينفع شيطنة الاخر واتهامة باعاقة المصالحة وتخوينه وفساد امره ولا ينفع توجيه الدعوات من على بعد او الطلب من الوسطاء الاسراع بجمع الاطراف الفلسطينية لوضع برنامج زمني لتحقيق وتنفيذ اتفاقات المصالحة.

المصالحة ليست صعبة ولا مستحيلة خاصة اننا قطعنا شوطا مهما واقتربنا من تحقيقها ابان اتفاق القاهرة 2017 وما علينا الان الا ان ندعو حكومة د. محمد اشتية للوصول الى غزة دون شروط لاستلام كل شيء حسب ما نص عليه الاتفاق واستكمال المصالحة من النقطة التي انتهت عندها والتجهيز لانتخابات تشريعية باقرب وقت ممكن لتتويج وحدة الصف واسقاط صفقة العار ومؤتمرالمهانة الذي فتح مزادا علنيا على دمنا وتاريخنا وقضايانا وجعل صبي يفرض شروطه ويقدم لنا وثيقة استسلام نوقعها صاغرين ومهزومين..!

ليس عيبا ان نتنازل اليوم عن كل شروطنا وثوابت احزابنا في الحكم وليست جريمة وطنية ان نحب ونحترم ونقبل بعضنا فالاخلاص لبعضنا انتماءاً وطنيا، وليست عيبا ان نتراجع قليلا ليعيش الوطن وتنجوا الامة ونحفظ كبريائها ودماء شهدائها وكرامة مقاتليها. لعل هذا ما سيدهش عرابي الصفقة واصحابها ووكلاء فريق ترامب اليهودي ويجعل كيدهم في نحورهم ويكشف كم هم تافهون وضعفاء امام الفلسطينيين الذين بوحدتهم ردوا على صفقتهم ومؤتمرهم وكل برامجهم التي لن تأتي لنا بشيء سوى المذلة والمهانة والضياع.

الكاتب / د. هاني العقاد