أفكار متشائلة من غزة غير القابلة للحياة!

بعد أن سمحنا للتاريخ إعادة نفسه بشكل مأساوي في 2008، 2012 و 2014 وعلى شكل حروب همجية أدت لاستشهاد الآلاف من المدنيين وإصابة عشرات الآلاف، يتحتم علينا الوقوف للحظة مراجعة نقدية جدية، بالذات بعد دخولنا العام العشرين بعد الالفين، والذي تنبأت فيه الأمم المتحدة بأن غزة ستصبح به غير قابلة للحياة…

بالعودة الى تلك الأيام الدموية، حينما كانت المستشفيات تستنزف كل طاقاتها لعلاج المصابين، أصدرت النظم العربية عشرات التصريحات تستنكر وتندد بالحرب الابادية التي شنتها إسرائيل على القطاع، وعقدت العديد من المؤتمرات الصحفية تلو الاخرى، وبعض القمم فارغة المضمون. ومازال الموقف العربي الرسمي من القضية الفلسطينية عبارة عن خليط من الجبن والنفاق. ولابد الآن من استجواب فشل هذا الموقف في فك الحصار الإسرائيلي الإبادي المستمر على غزة منذ ما يزيد على 13 عاماً وضآلة التحرك لمساندة أهل غزة.

من الواضح أن القضية الفلسطينية أصبحت عبئاً لا يستطيع النظام الرسمي العربي تحمله. ولكن ما حصل في السنوات الأخيرة من مشاركة هذا النظام ليس فقط بالتشفي فيما يحصل، بل في منع المواطن الفلسطيني الغزي من حتى حق الحماية التي يكفلها له القانون الدولي، مدعاة للتساؤل النقدي والخلاق عن مفهوم العروبة والتضامن العربي وكيفية الخروج من مأزق إحتكار النظام الرسمي العربي لهذه المفاهيم.

وأيضاً ما إتفق على تسميته (الشـارع العربــي) وخروج الجماهير للتضامن مع أهل غزة بشكل تميز كالعادة بالمطالبة بفتح الحدود والتوسل لسمو الامراء والملوك والجنرالات باجراء أي تحرك من شأنه ان (يخفف على الأخوة الفلسطينيين في غزة معاناتهم)، تراجع تدريجياً وعفا الله المؤمنين شر القتال (ما باليد حيلة). ونحن في غزة الآن نتساءل عن كيفية تحويل عبارات الدعم لنا المنطلقة في شوارع وعواصم الدول العربية إلى فعل حقيقي.

لقد سئمنا!! وكما يقال في غزة (طلعت روحنا)!

ما تبقى لنا هو الدرس الشعبي الذي ألهم النضال الجنوب أفريقي ضد نظام الأبارتهيد العنصري، حينما أصبح حتى تحية مواطن جنوب أفريقي أبيض حرام شرعاً بفتوى جماهيرية لا تنتظر شيوخ وكهنة القصور. وها هي فلسطين تصدر فتواها بتحريم التعامل مع إسرائيل أو شراء بضاعتها أو فتح سفارات في عاصمتها أو اللعب مع رياضييها أو التعاون مع جامعاتها التي تفرخ مجرمي حرب.

حتى لو إستقبلت حكومات عربية و غربية مجرمي الحرب الإسرائيليين، وحتى لو تم التنسيق أمنيًا مع إسرائيل، فانه لن يستطع أي نظام ديكتاتوري أو ديمقراطي أن يمنع مواطنيه من عدم التعامل مع اي شيء يحمل ختماً إسرائيلياً.

إن تجربة النضال ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا ما زالت حيةً. معظم من كان له شرف المشاركة في هذه الثورة العالمية لازال حياً، وجاهزاً للنضال ضد آخر نظام أبارتهيد. لن تساعدنا رسائل الود والتزامنا بحل الدولتين، ولن تسعفنا لا “التهدئة”، ولا المفاوضات العبثية المباشرة منها وغير المباشرة. ما يسعفنا هو تحالف شعبي فلسطيني دولي يرفع شعار المقاطعة BDS وعدم التطبيع باي شكل من الأشكال، على نمط ما حصل ضد آخر معاقل العنصرية في أفريقيا.

إن نضالنا وتضحياتنا التي تعدت المألوف لايمكن بأي شكل من الأشكال ان تؤدي إلى بناء معزل عرقي يحتفى به على إنه إنجاز تاريخي. إن غزة،2008 ، و2012، و2014، قد وضعت حداً لهذه المهزلة وأعادت مفهومي التحرير وتقرير المصير لوضعهما الطبيعي. أن كل المحاولات التي ضخت فيها مليارات الدولارات لتحويل القضية إلى مسألة صراع حدودي على 22% من الأرض وصلت إلى نهاياتها المتوقعة. ان التحرير وتقرير المصير لم يعودا شعارين من الماضي بل أصبحا الشعارين اللذين يجب أن يتمحور حولهما النضال الفلسطيني والاممي من أجل الوصول لسلامٍ عادلٍ وشامل.

ما تبقى لنا مع دخولنا في مرحلة “انتهاء صلاحية الحياة في القطاع” هو الإرادة الشعبية البعيدة كل البعد عن الشعارات الفارغة. ما تبقى هو حملة مكثفة ومتنامية من المقاطعة وعدم التطبيع تؤدي في المحصلة النهائية، على غرار ما حصل مع النضال الجنوب أفريقي، إلى الحرية والعدالة والمساواة. ما تبقى هو المقاطعة بكل أشكالها، إقتصادية، أكاديمية، ثقافية، رياضية، عسكرية، سياسية.

الكاتب / حيدر إبراهيم