“صفقة القرن”… الارتدادات والمآلات!

استنهاض الحالة الوطنية وترميم جُدُر الإسناد العربية عنصران مهمان لمواجهة الصفقة

“التطهير العرقي” أحد أكبر المخاطر التي تتهدد الفلسطينيين في الضفة والداخل

الانتهاكات الفادحة للقانون الدولي تُنذر بشريعة الغاب وتُشيع الفوضى وتُقوض ركائز السلام

محللون: تحلُّل السلطة من التزاماتها الأمنية والاقتصادية تجاه الدولة المحتلة بات ضرورة ملحة

 

رام الله- خاص بـصحيفة “القدس” – ما إن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثامن والعشرين من الشهر الماضي تفاصيل خطته المُسماة “صفقة القرن”، حتى بدأت القيادة الفلسطينية بحراك دبلوماسي على المستوى الأُممي وتحرُّكٍ داخليٍّ لإعادة ترتيب البيت الوطني، وسط دعواتٍ فصائليةٍ للتوافق على برنامج وطني، وفق استراتيجيةٍ جديدةٍ ترتقي إلى حجم المخاطر التي تتهدد الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية برمتها حال جرى تنفيذ الصفقة.

“القدس” حاورت قيادات وخبراء وكتاباً ومحللين، واستطلعت طبيعة المرحلة المقبلة، وملامحها الخطرة، والسيناريوهات المتوقعة فيما يخص الأرض والسكان والمُقدسات، وما تحمله الصفقة من نُذُر التطهير العرقي والترانسفير القسري.

“صفقة القرن” بلا قدس ولا لاجئين

من الواضح أن صفقة ترامب- نتنياهو “صفقة القرن” تريد للفلسطينيين دولة بلا سيادة وعاصمة دون القدس، وتشطب حق العودة، وتطرح “صفقة القرن” قضيّة اللاجئين على أنها باتت اليوم “مشكلة عالميّة”، على اعتبار أن “المجتمع الدولي يكافح من أجل تحصيل التمويل الكافي لمعالجة إشكاليات 70 مليون لاجئ ونازح في العالم اليوم”.

وتنتقص الصفقة من حقوق الفلسطينيين، إذ إنّ العاصمة السيادية لدولة فلسطين بحسب الصفقة يجب أن تبقى في المناطق الواقعة شرق وغرب الحدود الحاليّة للقدس، بما يشمل كفر عقب، والقسم الشرقي من شعفاط، وأبو ديس، ويمكن تسميتها القدس.

في المقابل، تطرح الخطّة انسحابًا إسرائيليًّا من أراضٍ داخل حدود دولة الاحتلال حاليًّا، تصفها بأنها “أراضٍ تملك إسرائيل ادعاءات قانونية وتاريخية شرعية فيها، وهي جزءٌ من وطن الأسلاف للشعب اليهودي”؛ مقابل عدم انسحابها من الضفة، وتصف الخطّة ذلك الانسحاب بأنه “تنازل مهم”.

والأراضي المطروحة للانسحاب هنا، وفق خارطة مبدئيّة نشرها ترامب على حسابه في “تويتر” للدولة الفلسطينية المتخيّلة، تتركّز تحديدًا في منطقة المثلث التي تضم: “كفر قرع، عرعرة، باقة الغربية، أم الفحم، قلنسوة، الطيبة، كفر قاسم، الطيرة، كفر برا، جلجولية”، وهي منطقة تقع داخل حدود إسرائيل وتسكنها أغلبية ساحقة من الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائيلية، إضافة إلى أراضٍ أخرى في صحراء النقب أيضًا، على أن يتمّ ضمّ المناطق المذكورة إلى “الدولة الفلسطينية”، بينما تضمَن “الصفقة” لإسرائيل سيطرةً كاملةً ونهائيّةً على غور الأردن وعلى المستوطنات، وتترك حدود الدولة الفلسطينية مفتوحةً للتفاوض المستقبلي بين الطرفين.

وتنصّ “الصفقة” أيضًا على أن إسرائيل “ستنفّذ التزاماتها تجاه غزة بموجب اتفاق السلام الفلسطيني- الإسرائيلي فقط إذا اكتسبت السلطة الفلسطينية، أو أي هيئة أُخرى مقبولة لدى إسرائيل، السيطرة الكاملة على غزة، ونزعت سلاح المنظمات الإرهابية فيها”.

وتنصّ الصفقة على أن “الولايات المتحدة ستشجع بقوةٍ الدول العربية على أن تباشر تطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل، والتفاوض على وثيقة السلام الدائم”.

الضفة الغربية.. ثمانية باستونات تتحكم بها سلطات الاحتلال

“يبدو أن إسرائيل عملت خلال عشرات السنين على فرض وقائع على الأرض ضمن خطة مرسومة إلى أن وصلت الأُمور إلى ما هي عليه الآن”، يؤكد خبير الأراضي والاستيطان عبد الهادي حنتش في حديث لـ”القدس” دوت كوم، الذي يشير إلى أنّ أي مصادرة أو بناء استيطاني يكون ضمن خطة مستقبلية عملت عليها إسرائيل.

ووفق حنتش، فإن خريطة صفقة القرن عملت على تقسيم الضفة الغربية إلى ثمانية باستونات، وفصل الكتل الاستيطانية عن الأراضي الفلسطينية وفرض السيادة والقانون الإسرائيلي عليها، إذ إنه من الملاحظ في الخريطة تلك، وجود أنفاق وجسور عملت إسرائيل على إقامتها، وهي عبارة عن 32 نفقاً وجسراً في الضفة الغربية، ليتبين أنها ضمن مخططات صفقة القرن، فيما الطرق الاستيطانية وصلت مساحتها إلى 1400 كيلو متر، ومزقت الضفة الغربية إلى تلك الباستونات، والباستون الواحد يقسمه الاحتلال بحواجز يتحكم بها متى شاء.

والباستونات الثمانية التي تحاول صفقة القرن فرضها بخريطتها لا يربط بينها سوى شوارع استيطانية وأنفاق تسيطر عليها إسرائيل، وهي: 3 باستونات تقسم وسط الخليل وغربها وشرقها عن مدينة الخليل، ووباستونان يفصلان القرى الشرقية والغربية عن مدينة بيت لحم، فيما يفصل باستون واحد مدينة القدس من ناحيتها الشمالية عن مدينة رام الله، وجعلت الصفقة محافظات جنين ونابلس وطولكرم وسلفيت باستونا واحداً، فيما مدينة قلقيلية وقراها تُعدّ باستونا واحداً، علاوة على ضم الأغوار وشمال البحر الميت التي تشكل 27% من مساحة الضفة الغربية، بما يحقق الخطة الاستيطانية المسماة “خط ألوان” الواصل من البحر الميت إلى مسافر يطا جنوب الخليل، وسعت إسرائيل إلى إقامة مستوطنات بمحاذاة الخط الأخضر لطمس معالم ذلك الخط، وزحفت تلك المستوطنات وقضمت أراضي من الضفة الغربية.

وفيما يتعلق بضم مناطق المثلث، وهي عبارة عن عشر قرى، فإن صفقة القرن تهدف إلى تحقيق مشروع استيطاني مرتبط بصفقة القرن، وللسيطرة على العامل الديمغرافي وأعداد الفلسطينيين بالداخل، فيما تسعى الصفقة إلى مشاريع أُخرى كالنفق الآمن بين قطاع غزة والضفة، الذي يبدأ من منطقة ترقوميا، وفتحت الصفقة إمكانية تبادل الأراضي في النقب، وكذلك جعل القدس عاصمة غير مقسمة لإسرائيل، وإمكانية قيام دولة فلسطينية على 40% من مساحة الضفة الغربية وعاصمتها قرية أو منطقة في شرقي القدس، وبهذا يمكن التخلص من 200 ألف فلسطيني في القدس، بحيث يبقى ما نسبته 12 في المئة فلسطينيين و88 في المئة يهوداً.

وقسمت اتفاقية أوسلو الثانية 1995 الضفة الغربية إلى 3 مناطق: “أ” وتشكل 18% من مساحة الضفة الغربية وتسيطر عليها السلطة الفلسطينية أمنياً وإدارياً، و”ب” وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية وتمثل 21% من مناطق الضفة الغربية، و”ج” وتمثل 61% من مساحة الضفة الغربية تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية، حيث تسمح صفقة القرن لإسرائيل بضم نحو 40% من أراضي المنطقة “ج”، وبقية مناطق “ج” يمكن من خلالها توسيع مخططات المدن الفلسطينية.

تحذير من التطهير العرقي ضمن مخططات الحركة الصهيونية

يتوقع الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أن تشهد المرحلة المقبلة 3 سيناريوهات على صعيد التعامل مع صفقة القرن، لكنه يرجح حدوث السيناريو الأول؛ فإما أن يكون السيناريو الأول أن تقوم السلطة بتغييرات غير جذرية، وتبقى السلطة كما هي من دون وقف التنسيق الأمني، ومن دون إجراءات كبيرة، وحتى الآن يبدو أن هذا السيناريو المعتمد عند القيادة الفلسطينية، لكن تقل احتمالاته إذا تم تطبيق الضم، مع الأخذ بعين الاعتبار درجة التطبيق أو التدرج بها، أو بقاء نتنياهو أو تغييره.

أما السيناريو الثاني، بحسب المصري، فهو أن الفلسطينيين لن يقدروا على تقبل صفقة القرن، ويسيرون بإجراءات متلاحقة “مقاومة، ووحدة”، وهو ما يُغير ويُحسن الأداء الفلسطيني، فيما السيناريو الثالث بأن يتم نوعٌ من التعايش مع الصفة أو خطة الإدارة الأمريكية من خلال أفراد ومجموعات.

وعلى رغم هذه السيناريوهات، فإن المصري يشدد على أنه يبقى حسبان الحركة الشعبية التي قد تغير الأمور، “هذه الحركة الشعبية عفوية، ومن أجل تحويلها إلى انتفاضة شاملة فهي بحاجة إلى استراتيجية وقيادة موحدتين، خاصة في مرحلة مثل هذه المرحلة”، مؤكداً أن وقف الاتفاقيات بداية الفرج الفلسطيني، ويجب أن لا تكون ردة فعل.

وفيما يتعلق بقضية تأثير صفقة القرن على المقدسات، يؤكد المصري أن الرؤية الأمريكية بشكل عملي تطرح تقاسم الأقصى، والسماح لليهود بالتقاسم الزماني والمكاني، “إذ إن التقاسم الزماني موجود، واحتمالية تنفيذ التقسيم المكاني ممكنة”.

في هذه الأثناء، يشير المصري إلى أنه “في حال بقاء الأداء الفلسطيني على ما هو عليه، فهناك خشية من الإقبال على مرحلة من التهجير الإجباري، وهذا الأمر موجود في رؤية الحركة الصهيونية أساساً، لذا يجب أن يتم تغيير الأداء الفلسطيني لإيقاف النوايا الإسرائيلية”.

وبشأن حل السلطة، يشدد المصري على أن الأصل عدم حل السلطة، وتحويلها إلى سلطة خدمية تخدم برنامجاً وطنياً، ونقل المهامات السياسية إلى منظمة التحرير، وحل جزء من الأجهزة الأمنية وتحويل أفرادها إلى المؤسسات الأُخرى، ودعم اقتصاد الشعب الفلسطيني، وحين يتم ذلك فإن إسرائيل سترفض المواجهة، “هناك فرق بين أن تنهار، وبين أن تسلم شيئاً بيديك إلى الاحتلال”.

وقف الاتفاقات.. ممر إجباري

يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل في حديث لـ “القدس” دوت كوم أن إسرائيل معنية بتطبيق صفقة القرن دون انتظار الموافقة الفلسطينية أو غيرها، خصوصاً أن الوضع العربي يُرسل إشارات لصالح إسرائيل، وهو ما بدا من زيارة عبد الفتاح البرهان، إذ يعني ذلك أنه لا يوجد إجماع حقيقي عربي، “لذا فإننا يجب أن نعي أن مرحلة أوسلو والبحث عن السلام والمفاوضات قد انتهت، وحينما تصادر إسرائيل حقوقنا في مناطق 1967، يعني أننا ذهبنا إلى صراع مفتوح على أرض فلسطين التاريخية، ونحن أمام منعطف بحركة التاريخ”.

ويشدد عوكل على أن عدم حصول الفلسطينيين على دولة في الأراضي المحتلة عام 1967 يعني أنه يقصر عمر إسرائيل، لكن المخطط الصهيوني يفكر بطريقة توسع حتى على المحيط العربي، “ستحدث ردود فعل عربية ودولية وفلسطينية وتحركات فلسطينة على طرح صفقة القرن، لكن كل ذلك لا يضغط على إسرائيل كي تتراجع عن تطبيق الصفقة”، مؤكداً أن الأهم ما يجب أن يفعله الفلسطينيون بوحدتهم، التي قد تتأخر قليلاً، على رغم وجود إشارات إيجابية، وفي النهاية سيقودنا التطور الطبيعي للأحداث إلى مرحلة الصراع المفتوح.

وفيما يتعلق بوقف الاتفاقات مع الاحتلال، يرى عوكل أنها وقفها ممر إجباري، وإذا حدث تأجيل أو مماطلة، فإن الأمور ستنتهي إلى إنهاء أوسلو وكل الاتفاقات التي وُقّعت، والزمن القريب يسير نحو إلغاء كل هذه الاتفاقات.

ويشير عوكل إلى أن إسرائيل تنتظر إتمام انتخاباتها لتنفيذ صفقة القرن، خاصة فيما يتعلق بفرض السيادة على الأغوار، وإسرائيل لا تريد أن تطرأ تطورات كبيرة تُحبط المخطط، وهذه الأمور ليست مرتبطة بنتنياهو، وعليها إجماع إسرائيلي.

ويرى عوكل أن الفلسطينيين سيمرون بمرحلة صعبة من الضغوطات، والصفقة نفسها تتحدث عن تقسيمٍ مكانيٍّ وزمانيٍّ لـ”الأقصى”، ولاحقاً فإنّ إسرائيل تتمدد بأطماعها إلى الحرم الإبراهمي وقبر يوسف وقبر راحيل، بذريعة أنها رموز دينية لها، كما يرى عوكل أن مرحلة الترانسفير للفلسطينيين قد تأتي، لكنها في مراحل أُخرى متقدمة، وهو جزء من المخطط الإسرائيلي الأصلي، بالضغط على الفلسطينيين بأشكال مختلفة من أجل ترحيلهم.

ويتحدث عوكل عن سيادة السلطة في أراضي الضفة الغربية، إذ يقول: “هذا الأمر تحدث عنه الرئيس أبو مازن بأن السلطة بلا سلطة، لن يتغير الأمر كثيراً، وتبقى السلطة من وجهة نظر إسرائيل تقوم بواجبها خارج الأراضي التي ستضمها، أما حل السلطة فإنه أمر وارد، لكن يبدو لي أنه أمر ليس من مصلحة الفلسطينيين”.

إخفاق أمريكي وإسرائيلي في تسويق الصفقة

يرى الكاتب والمحلل السياسي مهند عبد الحميد، في حديث لـ”القدس” دوت كوم، أنه في حال قيام دولة الاحتلال بضم الأغوار والمستعمرات، ولم تُنهِ السلطة التنسيق الأمني، فإن ذلك سيكبح الوحدة الوطنية في إطار المنظمة، وهناك خطران يمكن تجاوزهما كذلك بالتراجع عن التهدئة في قطاع غزة، أو إبرامها بمشاركة الكل الفلسطيني، وبوضع أجندة الانفصال عن الاحتلال، بما في ذلك التنسيق الأمني بمشاركة الكل الفلسطيني.

ويشدد عبد الحميد على أنه إذا أقدمت إسرائيل على ضم الأغوار والمستعمرات، وبقيت العلاقات الأمنية الاقتصادية على حالها، فإن السلطة ستوفر الغطاء السياسي لترجمة صفقة ترامب على الأرض، وهذا الموقف يُعدّ انتحاراً سياسياً، ومن شأنه تكريس هزيمة تاريخية مدمرة للجيل الذي بدأ ثورة التحرر الوطني، لهذا، فإن الممر الإجباري المتبقي هو خروج السلطة من شبكة الالتزامات الأمنية والاقتصادية تجاه الدولة المحتلة، وبالتأكيد لهذه العملية تبعات اقتصادية وأمنية، تحتاج إلى استعداد وإعادة بناء الحالة الفلسطينية ضمن أولويات تعطي الصمود الوطني مركز الاهتمام، وأهم ما في الصمود بعد الانفكاك استعادة الثقة بين القوى السياسية والسلطة والجمهور، واستعادة الثقة بين الكل الفلسطيني والشعوب العربية وشعوب العالم.

من جانب آخر، يؤكد عبد الحميد أن تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً، ووضع المقدسات الإسلامية والمسيحية والبلدة القديمة في القدس برمتها تحت سيادة الدولة المحتلة، يُشكلان وصفة سحرية لصراع ديني لا أحد يعرف مآلاته.

في شأن ثانٍ، يرى عبد الحميد وجود إخفاق أمريكي إسرائيلي في تسويق صفقة القرن حتى الآن، والاستثناءات التي تساوقت عربياً ودولياً مع الصفقة لا تكفي لتمريرها، وما يعزز ترجيح الإخفاق دخول ترامب ونتنياهو في أزمة حكم، قد يدفعان ثمناً لها في الانتخابات المقبلة، فيما يشير عبد الحميد إلى أنه لا يوجد إلا سيناريو واحد بعد الإعلان عن الصفقة، وهو التطبيق الإسرائيلي أُحادي الجانب.

وحول الموقف العربي من صفقة القرن، يؤكد عبد الحميد أن المؤشرات الخطيرة والمتسارعة للمواقف الرسمية العربية، والاندلاق المشين نحو التطبيع مع إسرائيل، لا يبعثان على الاطمئنان، ولا يمكن الركون إليها، صحيح أن بيانَي وزراء الخارجية العرب واتحاد البرلمانات العربية رفضا الصفقة، لكنها مجرد أقوال بدون أفعال، والمعادل للمواقف العربية هو المواقف الشعبية العربية.

مخاطر التطبيع العربي والضغوط على الفلسطينيين للقبول بالصفقة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب، في حديثه لـ”القدس”دوت كوم، أن “الإعلان عن صفقة القرن كان بادرة جيدة تهيئ الوضع الفلسطيني لإزالة العقبات أمام عملية المصالحة واستعادة الوحدة، والأهم من ذلك استعادة الثقة بين مختلف الأطراف، لكن لا ندري ما جرى بعد ذلك، وهو أمرٌ يثير الشكوك حول حقيقة وجود إرادة فلسطينية لاستعادة الوحدة لمواجهة الصفقة، إذ يجب علينا جميعاً توحيد كافة إمكاناتنا لمواجهة هذه الصفقة”، فيما يشير حبيب إلى غياب العقل الفلسطيني المفكر والقادر على اجتراح المواقف وشحذها في مثل هذه المواجهة.

وفيما يتعلق بوقف الاتفاقات مع الاحتلال، يرى حبيب أن قيادة المنظمة سبق لها أن قررت وهياكلها التنظيمية وقف الالتزام باتفاق أوسلو ومشتقاته، بما في ذلك بروتوكول باريس، لكن السؤال هنا: لماذا لم تقم السلطة ومنظمة التحرير بالالتزام بهذه القرارات؟ ثم يجب السؤال عن ماذا بعد اليوم التالي لوقف هذه الالتزامات، ما سيضع على عاتق القيادة أن توفر حلولاً للوضع الفلسطيني الداخلي في ظل التنصل من هذه الاتفاقات، وبخاصة أن علاقاتنا المعيشية والإنتاجية والاستهلاكية، وحتى السياسية، وحركة تنقل المواطنين ترتبط ارتباطاً مباشراً بسلطات الاحتلال، فإذا كان هناك فكاك من اتفاق أوسلو، فكان يجب على السلطة منذ وقتٍ مبكرٍ أن تضع الخطط لليوم التالي للانفكاك، ولم نشهد وجود خطة لديها حول ذلك لغاية الآن.

ويؤكد حبيب ضرورة العمل على الصعيد الدولي لمواجهة صفقة القرن، لكنّ الرهان على القرارات الدولية والمنظومة الدولية غير كافٍ دون المجالات الأُخرى، والجمهور الفلسطيني يفقد الثقة بقدرة المجتمع الدولي على إحقاق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، لأنه لا يُبشر بأيّ جديد.

ويعتقد حبيب أنّ التطورات للرد على صفقة القرن تعود إلى جملة من التطورات، وهناك إشارة من دول الاتحاد الأوروبي على أنه في حال إقدام حكومة نتياهو على ضم الضفة والأغوار والبحر الميت، فإن بعض دول الاتحاد ستقوم مباشرة بالاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال، وربما تكون الخطوات الفلسطينية مترددة في إطار هذه الوعود، وكان ما يكبح ردود فعل هذه الدول هو الدور البريطاني، والآن خرجت بريطانيا.

وبشأن بالدور العربي في مواجهة الصفقة، يؤكد حبيب أن عملية التطبيع العربي مستمرة، لكن الأكثر خطورة هو ضغوط من بعض الدول العربية على القيادة والشعب الفلسطيني على المستويات السياسية والمالية للقبول بهذه الصفقة أو على الأقل التعامل معها بشكل أو بآخر.

ويشدد حبيب على أن هذه الصفقة لن تمر، بمعنى أنها ليست تاريخية، لأن أخطر مراحل العمل الوطني اتفاق أوسلو ومتفرعاته، لأنه تم بموافقة القيادة الفلسطينية الرسمية، فيما صفقة القرن هذه هناك مواجهة من القيادة والشعب لها، ما يجعل تمريرها أمراً غير ممكن، وفي حال استمرار هذه الصفقة، وما يمكن أن ينفذ سينفذ بقوة الاحتلال، وهناك صراعات إسرائيلية داخلية، فهناك مَن لا يريد دولة فلسطينية بهذه الصورة التي تحاول فرضها صفقة القرن.

ويوضح حبيب أن “الإدارة الأمريكية لا يمكن لها أن تتراجع عن صفقة القرن، لأن ترامب اعتبرها إنجازاً تاريخياً، وأمريكا لا تتراجع باعتبارها دولة عظمى، حتى حينما يكون الرئيس ضعيفاً، ثم لماذا تتراجع وتوجد انزياحات عربية”.

إسرائيل ستواصل سياساتها التوسعية ومحاولات التطهير العرقي

يرى الكاتب عبد الغني سلامة في حديث لـ”القدس” دوت كوم أنّ تطبيق إعلان وقف الاتفاقات مع الاحتلال ليس هيناً، نظراً لتعقيد الوضع السياسي، وتشابك الكثير من القضايا الحياتية والحيوية مع الجانب الإسرائيلي، لكنه يظل موقفاً وطنياً، ومن الضروري اتخاذه، وترجمته عملياً قد تحتاج وقتاً، لتجنب الآثار السلبية والتداعيات الخطيرة التي ستنجم عنه.

وحول أثر صفقة القرن على المقدسات الدينية، يرى سلامة أنّ “القدس ستظل شكلياً تحت الوصاية الهاشمية، لكن إسرائيل ماضية في مشروعها التهويدي، وتنتظر الفرصة لتنفيذ “التقاسم الزمني”، وستظل كما هي الآن، تُضيق الخناق على وصول المصلين إلى الأقصى، وإلى الحرم الإبراهيمي كذلك”.

ويؤكد سلامة أن “إسرائيل ستواصل في المرحلة المقبلة سياساتها التوسعية بضم الأراضي وتفريغها من سكانها، وقد تستغل صراعاً إقليمياً أو دموياً من أجل تحقيق أهدافها بعملية ترانسفير قسري واسعة النطاق”.

ويرى أنّ “الموقف العربي الرسمي لا يمكن التعويل عليه في إفشال صفقة القرن، خاصة مع موجة التطبيع والانبطاح غير المبررة، لكنّ الرهان والأمل مُعلّقان على الشعوب العربية”.

ثلاثة مرتكزات لمواجهة صفقة القرن

يؤكد واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومنسق القوى الوطنية والإسلامية، ضرورة وجود 3 مرتكزات رئيسية لمواجهة صفقة القرن المرفوضة فلسطينياً، سواء شعبياً أو رسمياً أو فصائلياً، ولا أحد يقبل بها أينما يتواجد الشعب الفلسطيني.

والركائز هي: حراك سياسي دولي، بالرغم من وجود فيتو أمريكي، وذلك لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة جراءعدم تنفيذ إسرائيل القرارات الدولية، فيما الركيزة الثانية ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني لمواجهة الصفقة بإنهاء الانقسام، وسرعة إنجاز وقف الاتفاقات مع الاحتلال، وفرض مقاطعة شاملة على الاحتلال، أما الركيزة الثالثة فهي توسيع رقعة المقاومة الشعبية واستمراريتها وتوسيع المشاركة بها لرفض الصفقة.

وفيما يتعلق بتغيير وظائف السلطة، يقول أبو يوسف: “من غير الممكن أن تبقى السلطة مكبلة بالتنسيق الأمني واتفاق باريس الاقتصادي، وبالقضايا التي لها علاقة بمحاولة فرض الوقائع على الأرض وكل ما له علاقة بالاتفاقيات الموقعة، وكيفية التخلص من كل ذلك، والسلطة ذراع من أذرع منظمة التحرير التي بالتأكيد يجب أن تنتقل الشعب الفلسطيني من شعب تحت الاحتلال إلى شعب يتمتع بدولة”.

“الصفقة”.. فضحت سياسات الإدارة الأمريكية وخروقاتها للقانون الدولي

يؤكد خبير القانون الدولي د.حنا عيسى، في حديث لـ”القدس” دوت كوم أنّ “صفقة القرن” التي جاء بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واسمها بالأصل “السلام من أجل الازدهار”، فضحت كل ما كان يتم في السابق من كولسات لدى الإدارات الأمريكية السابقة، “إذ إن بنود الصفقة جميعها تحمي إسرائيل وتعطيها فسطين التاريخية على طبق من ذهب، وتستند أحياناً إلى اتفاقيات أو رواية الصهيونية”.

ويتابع: “هذه الصفقة تتناقض مع السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، حيث إن مندوبها بريج أكد عام 1967 أن الأراضي الفلسطينية المحتلة هي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، ويطبَّق عليها القانون الحربي، قبل أن يصبح القانون الدولي الإنساني موحداً عام 1977”.

ويشدد عيسى على أن الخروقات في صفقة القرن ليست فقط 300 خرق، وربما تصل إلى ألف خرق، والصفقة بمجملها لا تؤسس لقيام دولة فلسطين إلى جانب إسرائيل، استناداً إلى قرارين أساسيين، هما: (242) و(338 )، وهذا هو الخرق الأساسي فيما يتعلق بالقانون الدولي.

ويعتبر عيسى أن الخرق الأساسي في صفقة القرن هو ما قام به ترامب من خرق للقرار الصادر سنة 1947 عن الجمعية العمومية عندما تعذر على مجلس الأمن أن يصدر مثل هذا القرار، وكانت القاعدة القانونية الأُولى، ويؤسس لإقامة دولتين عربية ويهودية مع وجود اتحاد اقتصادي مشترك بينهما، وتحويل مدينة القدس بضواحيها إلى وحدة إقليمية ذات طابع دولي خاص، وهو الأساس الذي يجب أن نستند كفلسطينيين إليه، وهو قرار صوتت عليه الولايات المتحدة حينها، فيما يشير عيسى إلى أن “القرارات الصادرة عن الجمعية العمومية تُعد توصيات، بعكس ما يصدر عن مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية فهي قرارات، بالرغم من أن القانون الدولي لا يطبَّق بالنسبة للقضية الفلسطينية، وهي قوانين منحازة، لذا لا بد أن نعتمد على ذاتنا وحينما نكون أقوياء يصبح القانون الدولي لصالحنا”.

ويقول عيسى: إننا كفلسطينيين لا نستطيع إلغاء اتفاق أوسلو الذي تم برعاية دولية، لأنه بحاجة إلى قوى دولية حتى تلغيه، وقبل مرحلة أوسلو كنا قادرين على اللجوء إلى القانون الدولي، لكن بعد أوسلو أصبحنا مقيدين باتفاقيات أوسلو و”واي ريفير” و”شرم الشيخ” و”الخليل”.

“فتح”: تفعيل المقاومة الشعبية وترتيب البيت الداخلي

عن طبيعة الرد على صفقة القرن، يؤكد المتحدث الرسمي باسم حركة “فتح” د.حسين حمايل، في حديثه لـ”القدس” دوت كوم، أنّ العمل يجري ومنذ بداية إعلان صفقة القرن على تفعيل المقاومة الشعبية وترتيب البيت الداخلي الفلسطيني لأجل إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، وكذلك الاتفاق على برنامج وطني واحد يرتقي لمستوى الأخطار التي تواجه القضية الفلسطينية، إضافة إلى الحراك الفلسطيني على المستوى الدولي لمواجهة صفقة القرن.

ويشير حمايل إلى أن إنهاء الانقسام والتفاف الشعب الفلسطيني في مواجهة صفقة القرن من الأمور المهمة التي يجري العمل عليها، حيث يتم السعي لتشكيل لجان متخصصة من جميع الفصائل والاتفاق على برنامج واحد، وتفعيل المقاومة الشعبية، وتسخير كل الطاقات الفلسطينية لخدمة المشروع الوطني، ومواجهة صفقة القرن.

ويوضح حمايل أن برنامج الحركة لمواجهة صفقة القرن يندرج في إطار تفعيل المقاومة الشعبية، وأن تصبح المقاومة الشعبية موجودة لدى كل الشعب الفلسطيني، في مقاومة الاحتلال والمستوطنين، والعمل على برنامج تعزيز المقاومة الشعبية ومقاطعة المنتجات اللإسرائيلية.

ويشدد حمايل على أن “الشعب الفلسطيني سيبقى صامداً في أرضه ولن يخرج منها، وسيتصدى للاحتلال بكل ما أوتي من قوة، حيث سيبتكر شعبنا طرقاً إبداعيةً في مقاومة الاحتلال”.

ويضيف حمايل: “نأمل من العالم أن يساندنا، لكن توقعاتنا غير متفائلة، أما موقف العرب فكان جيداً في جامعة الدول العربية، ونأمل أن تكون هناك حاضنة وحصانة من الدول العربية والإسلامية، وكذلك أن يقف العالم، خاصة الدول الوازنة، عند مسؤولياته في حماية القانون الدولي”.

الشاعر: ضرورة إنهاء الانقسام والذهاب إلى الانتخابات

يشدد نائب رئيس الوزراء الأسبق ناصر الشاعر في حديثه لـ”القدس” دوت كوم على أن “المطلوب موقف فلسطيني موحد -وهو موجود- ضد صفقة القرن، لكن يجب ذلك أن يدفعنا إلى مزيد من التوحد وإنهاء الانقسام، وأن نتوجه للعالم جميعاً بكلمة واحدة بعدم التعاطي مع الصفقة، حتى لا تصبح مرجعاً للقضية الفلسطينية، وأن تصبح محطة من المحطات كوعد بلفور لتأتينا وثيقة جديدة، فهذا كلام خطير جداً”.

ويؤكد الشاعر أهمية التحرك السياسي الفلسطيني ضد صفقة القرن مع جميع الأطراف العربية والإقليمية والمؤسسات الدولية؛ من أجل عدم دخول ما تسمى صفقة القرن كوثيقة من الوثائق أو مرجعية لأية مباحثات أو حورات في أية عملية سلمية مقبلة”.

ويتساءل الشاعر: “ما الذي يمنعنا من إنهاء الانقسام الذي يجب أن ننهيه، وأن نذهب إلى انتخابات لإحياء الشرعيات الفلسطينية، حتى لا يقول أحد أنتم ليست لديكم شرعية لتمثيل الشعب الفلسطيني، واستغلال حالة الانقسام لتمرير أي أمور سياسية ضد الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية؟”.

ويعتبر الشاعر صفقة القرن “مسرحية تشكل مصلحة انتخابية لنتنياهو وترامب، ونحن غير مسؤولين عما يتفاهم عليه نتنياهو وترامب، ومن الضروري أن نُفرق بين أن نقبل ونتعاطى مع الصفقة، وبين أن تُفرض كأمر واقع، وهذا أمر لا يعطي الاحتلال أي حق، ولا ينبغي السكوت عليه”.

“الشعبية”: العودة إلى خطاب التحرر الوطني بدل الرهان على المفاوضات

يؤكد القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عمر شحادة في حديث لـ”القدس” دوت كوم “ضرورة استخلاص العبر بأن الرهان على المفاوضات على أساس أوسلو وصل إلى طريق مسدود، لذا يجب إنهاء كل الاتفاقيات والالتزامات والنهج والثقافة والرهانات السياسية على أوسلو وإنهاء كافة الالتزامات المترتبة، وفي مقدمتها التنسيق الأمني، ما يستوجب وضع استراتيجية جديدة لمرحلة جديدة تقوم على أساس العودة إلى خطاب التحرر الوطني بديلاً لاستراتيجية الرهان على المفاوضات، وإعادة الاعتبار لمبدأ المقاومة الشاملة باعتبارها الأُسلوب المعتمد لكل حركات التحرر الوطني”.

ويضيف: “كما أن الأمر يتطلب العودة إلى تحديد العلاقة الواضحة والنهائية واعتماد منظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني وقائداً موحِّداً لهذا الشعب، وتغيير وظائف السلطة، وإخضاع السلطة للمرجعية السياسية لمنظمة التحرير، واختزال وظائف السلطة بإدارة الشؤون الحياتية للفلسطينيين كجزء من استراتيجية المرحلة المقبلة ضمن حوار وطني شامل، والعمل على إحلال المبدأ الانتخابي والتوافقي بديلاً للمرحلة السابقة القائمة على المحاصصة”.

ويشدد على ضرورة أن “تقوم الاستراتيجية الجديدة على أساس إعطاء الأولوية في الخطاب التحرري الجديد للجماهير العربية وقوى التحرر العربي”.

ويؤكد شحادة أن “المواجهة الحقيقية يجب أن تعتمد على الوحدة الوطنية والحفاظ على الوجود الفلسطيني، مرتكزةً على أن المقاومة فقط هي شكل الحفاظ على البقاء والصمود، أما الرهان على وعود وعلى الحراك العربي والدولي فمعروفٌ سقفه ونهاياته المجربة في السياسية الفلسطينية، ولن يجدي نفعاً، بل لا بد من الاعتماد على المقاومة لإسقاط صفقة القرن وسياسيات الاحتلال، ولن يستطيع أحد القضاء على الشعب الفلسطيني ومقاومته، وهذه هي المهمة المباشرة والفورية للرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية حين عودته من نيويورك.