كيف يخسر اللوبي الإسرائيلي الدعم المزدوج من الجمهوريين والديمقراطيين في واشنطن؟

صديقٌ حقيقي لإسرائيل”.. كانت هذه هي الكلمات التي استخدمها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ليصف نفسه أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصاراً باسم “أيباك”، بعد يومٍ من حصوله على ترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية لعام 2008.

كان أوباما، البالغ من العُمر آنذاك 47 عاماً، يقف أمام آلاف الحضور في واشنطن، وواصل الحديث ليشكر جماعة الضغط (اللوبي) الداعمة لإسرائيل لمساعدته على تعزيز “الإجماع الحزبي المزدوج لدعم والدفاع عن حليفتنا إسرائيل”.

كانت تلك التصريحات مختلفة كل الاختلاف عن المراحل الأخيرة من رئاسته، حين انتقدت جماعة المصالح (أو جماعة الضغط) “أيباك” أول رئيس أمريكي أسود البشرة، وقادت الجهود الرامية لعرقلة إنجازه البارز في مجال السياسة الخارجية: الاتفاق النووي مع إيران.

أيباك أصبحت مجموعة كراهية

يقول موقع  Middle East Eye البريطاني، لطالما قدَّمت “أيباك” نفسها باعتبارها منظمة تحظى بالدعم المزدوج من الحزبين –الجمهوري والديمقراطي- وتهدف إلى الإبقاء على دعم إسرائيل من مختلف ألوان الطيف السياسي الأمريكي.

وقد أشاد الرؤساء الجمهوريون والديمقراطيون باللجنة، وحظيت بعض التدابير التي اتخذتها بدعمٍ إجماعيّ مزدوج من الحزبين في الكونغرس.

لكنَّ الزمن يتغير، إذ وصفت عضوة كونغرس ديمقراطية بارزة لجنة أيباك، التي قال عنها رئيس مجلس النواب الأمريكي السابق نيوت غينغريتش يوماً إنَّها “جماعة المصالح العامة الأكثر فاعلية”، الأربعاء 12 فبراير/شباط، بأنَّها “مجموعة كراهية“.

فقالت عضوة الكونغرس بيتي مكولم في بيانٍ قوي: “تُستخدَم الكراهية كسلاح للتحريض وإسكات المعارضة. وللأسف، هذه هي تجربتي مؤخراً مع أيباك، لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية”.

ظهرت صورة مكولم –إلى جانب صور زميلتيها في مجلس النواب رشيدة طليب وإلهان عمر-  في إعلانات للجنة أيباك تتهم “المتطرفين في الحزب الديمقراطي” بدفع سياسات معادية للسامية ومناهضة لإسرائيل “لفرضها على الشعب الأمريكي”.

أيباك تشبه منتقديها بالدواعش

ووصلت المنشورات إلى حد تشبيه أعضاء الكونغرس المنتقدين لإسرائيل بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. وحُذِفَت تلك المنشورات بعد ذلك.

وكتبت رشيدة طليب، عضوة مجلس النواب، تعليقاً على بيان مكولم: “قُل الحقيقة حتى لو ارتجف صوتك. وأنا أشك بأن صوت زميلتنا التي لا يعرف الخوف لها طريقاً، بيتي مكولم، يرتجف، لكنَّني أعرف أنَّها تنحدر من مكانٍ يؤمن بأنَّ الكراهية التي تُحرِّض على العنف لا تنتمي إلى أي مكان. إنَّني أثني على شجاعتها”.

لم تقبل مكولم -التي كانت قد قدَّمت من قبل مشروع قانون يهدف لمنع إسهام المساعدات الأمريكية لإسرائيل في سجن وإساءة معاملة الأطفال الفلسطينيين- أيَّاً من هذا.

فقالت: “تريد أيباك من أتباعها تصديق أنَّ مشروع القانون الذي قدمته، برقم H.R. 2407، لحماية الأطفال الفلسطينيين من التعرُّض للاستجواب وإساءة المعاملة والتعذيب في السجون العسكرية الإسرائيلية، يُمثِّل تهديداً أكثر شراً من داعش. هذا ليس خطاباً سياسياً فارغاً، هذا خطاب كراهية”.

جاء الرد بعد أيام، حين حذفت أيباك الإعلانات وقدَّمت اعتذاراً فاتراً للنائبات، لكنَّ الحادثة سلَّطت الضوء على تآكل الإجماع الحزبي المزدوج بشأن إسرائيل، والذي كان أوباما تحدث عنه عام 2008.

لغز أيباك

بعد ثلاثة أشهر من فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب الأمريكي، العام الماضي، حضر كبار قادتهم المؤتمر السنوي لأيباك، وطمأنوا المجموعة بأنَّ الكونغرس سيُبقي على دعمه الثابت لإسرائيل.

كانت هناك إشارات تحذيرية بأنَّ الإجماع الحزبي المزدوج حيال إسرائيل ربما دخل طور التآكل. فكان التقدميون اليساريون يزيدون من نفوذهم في سياسة الحزب الديمقراطي، متسبِّبين خلال ذلك في إدخال تغيير على الخطاب بشأن إسرائيل وفلسطين بين الديمقراطيين.

التزمت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وزعيم الأغلبية الديمقراطية بالمجلس ستيني هوير بكلمتهما لأيباك فيما يتعلَّق باتخاذ إجراءات داعمة لإسرائيل في غرفة الكونغرس التي يسيطران عليها، بما في ذلك مشروع قانون يدين حركة مقاطعة إسرائيل.

لكن في ظل منح الرئيس دونالد ترامب الحكومة اليمينية في إسرائيل كل ما تريده وأكثر، وجد بعض كبار الديمقراطيين من الصعوبة بمكان دعم سياسات البيت الأبيض بصورة كاملة.

أصوات انتقاد إسرائيل في واشنطن أصبحت أعلى

في الحقيقة، رفض بعضهم بقوة خطة الرئيس التي تدعمها أيباك من أجل إنهاء الصراع، وهي الخطة التي من شأنها السماح لإسرائيل بضم كل مستوطناتها في الضفة الغربية. وفي غضون ذلك، أصبحت انتقادات التقدميين لإسرائيل أعلى صوتاً.

وقد أوجد هذا لغزاً لأيباك: كيف نُفضِّل سياسات أحد الحزبين السياسيين دون استعداء الآخر؟

قال عمر بدار، نائب مدير المعهد العربي الأمريكي، وهي مجموعة مناصرة مقرها واشنطن: “تتعامل أيباك مع تناقض جوهري. فاللجنة تُروِّج لسياسة عدم مساءلة لإسرائيل، شيك على بياض لأي شيء تفعله إسرائيل، وهي تريد أن يكون ذلك مسألة تتمتع بدعم مزدوج من الحزبين. لكن توجد مشكلة هنا، فالواقع أنَّ خطابنا السياسي هو أنَّ عدم مساءلة إسرائيل ليست مسألة تحظى بدعم مزدوج من الحزبين”.

وأضاف أنَّ الإعلانات المُوجَّهة ضد النائبات الديمقراطيات، وإداة مكولم القوية للجنة، تكشف هذا التناقض.

وقال بدار لموقع Middle East Eye البريطاني: “إنَّني أشك حقيقةً في أنَّها مجرد مسألة وقت قبل أن نرى تفجُّر (الانتقادات) التالي”.

تبني قضايا الفلسطينيين

كرَّرت بيث ميلر، وهي مديرة الشؤون الحكومية بمجموعة JVP Action المرتبطة بمنظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام”، تعليقات بدار، قائلةً إنَّ التقدميين الأمريكيين يتبنون القضية الفلسطينية باعتبارها قضية جوهرية على أجندتهم.

وأضافت: “جرت العادة أن تحظى أيباك بدعمٍ مزدوج من الحزبين فعلاً، لكن هذا يتضاءل بقوة… فمع تنامي الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، وهو الحاصل بالفعل، يعني هذا كذلك أنَّه سيكون هناك دعم أقل لمجموعات مثل أيباك”.

وأردفت أنَّ مناصرة حقوق الإنسان الفلسطيني بات “جزءاً طبيعياً” من حملة التصدي لأجندة ترامب.

قالت ميلر لموقع Middle East Eye: “كلما زاد عدد الأمريكيين الذين يعلمون بشأن ما يجري في إسرائيل، زاد عدد الداعمين لحقوق الإنسان الفلسطيني. وبالتالي، نحن في لحظة تجد فيها مجموعات مثل أيباك، التي تحاول الدفع بسياساتٍ مناهضة للفلسطينيين وخطاب مناوئ للفلسطينيين، نفسَها في فضاء (انقسامٍ) حزبي أكثر فأكثر”.

إسرائيل والسباق الرئاسي

في ظل تحرك الديمقراطيين لاختيار مرشحهم الذي سيحاول هزيمة ترامب، من المرجح أن يصبح هذا الشقاق بين اللوبي الداعم لإسرائيل والحزب أكثر حدة.

فلن تصبح أيباك فقط مُمزَّقة بين الدعم غير المشروط للجمهوريين من جهة والديمقراطيين المنتقدين لإسرائيل على نحوٍ متزايد من جهةٍ أخرى. بل سيكون ترامب نفسه موجوداً على ورقة الاقتراع، يواجه خصماً على الأرجح سيعمل على إيجاد فروق بينه وبين ترامب في السياسة الخارجية.

علاوة على ذلك، دعا بيرني ساندرز، المرشح الأوفر حظاً في السباق الديمقراطي لنيل ترشيح الحزب في الانتخابات الرئاسية، إلى نهجٍ أكثر عدالة تجاه الصراع في الشرق الأوسط، لا تكون السياسة الأمريكية فيه داعمة لإسرائيل فقط، بل و “داعمة للفلسطينيين” كذلك. ويستعد السيناتور الممثل لولاية فيرمونت كذلك إلى وضع اشتراطات لتقديم المساعدة الأمريكية لإسرائيل إن لم تعمل هذه الأخيرة على إنهاء الاحتلال والأزمة الإنسانية في غزة.

وقال بدار: “أتصور أنَّ العلاقة ستصبح عدائية أكثر فأكثر”. وأضاف: “ستزداد حدة هذا التباين بمرور الوقت. إنَّني أتصور سيناريو تهاجم فيه أيباك بكل قوتها المرشح بيرني ساندرز إذا ما استمر تصدره”.

هجمات شرسة ضد بيرني ساندرز

في الواقع، تنشر مجموعة مرتبطة بأيباك إعلانات سلبية ضد ساندرز منذ فترة، تُركِّز على صحته وأهليته للانتخاب، وليس على السياسة الخارجية.

حاجج الكاتب جوناثان توبين في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع بأنَّه لم يعد من الممكن لأيباك في 2020 أن تستمر في تحقيق مهمتها في الدفاع عن إسرائيل بطريقة تحظى بدعمٍ حزبي مزدوج.

وكتب في صحيفة Haaretz الإسرائيلية: “في فترة من الانقسام الحزبي غير المسبوق، وفي ظل احتمالية أن يكون دعم إسرائيل نقطة خلاف حزبي في الحملة الانتخابية الرئاسية في الخريف، لاسيما إذا ما كان المرشح الرئاسي الديمقراطي هو بيرني ساندرز، يصعب تصور كيف يمكن لأيباك أن تواصل إدارة الدفّة بين الحزبين”.

وأضاف: “من المستحيل مهاجمة الديمقراطيين المناهضين لإسرائيل دون أن تبدو داعماً لترامب”.

“هجمات خسيسة”

يشير صعود ساندرز في استطلاعات الرأي، وتصاعد إعلانات أيباك التي تهاجم أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، إلى تحول لا يقبل الجدل في دعم الفلسطينيين داخل الحزب.

لكنَّ الكثير –إن لم يكن معظم- الديمقراطيين في الكونغرس حافظوا على التزامٍ قوي تجاه العلاقة الأمريكية مع إسرائيل والعلاقات مع أيباك.

في الحقيقة، نشرت جماعة الضغط الداعمة لإسرائيل، الخميس 13 فبراير/شباط، عدة تغريدات تشكر كبار المُشرِّعين الديمقراطيين على إدانتهم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، على خلفية نشره قائمةً بأسماء الشركات التي لها صلات بمستوطنات الضفة الغربية التي يعتبرها معظم المجتمع الدولي غير شرعية.

ودعت مكولم الحزب الديمقراطي لـ “اتخاذ موقف” داعم لحقوق الإنسان. وقالت: “تهدف لغة أيباك إلى شيطنة، وليس السمو، بالنقاش السياسي. قد تكون الهجمات الخسيسة مثل هذه شائعة في عصر ترامب، لكن لا ينبغي تطبيعها أبداً”.

وطعنت مكولم، في بيانها، في ادعاءات أيباك بأنَّها مجموعة تحظى بدعم مزدوج من الحزبين. وقالت: “تزعم أيباك أنَّها منظمة تحظى بدعم مزدوج من الحزبين، لكنَّ استغلالها لخطاب الكراهية يجعلها في الحقيقة مجموعة كراهية”.

وأضافت: “إنَّ أيباك، من خلال تحويلها معاداة السامية والكراهية إلى سلاح لإخماد النقاش، تسخر من الديمقراطيين وتهزأ بقيمنا الجوهرية. آمل أن يفهم الديمقراطيون ما هو على المحك، ويتخذون موقفاً لأنَّ العمل على تعزيز السلام وحقوق الإنسان والعدالة ليس شراً، بل هو صلاح”.

من جانبها، أثنت عضوة الكونغرس طليب، وهي فلسطينية أمريكية، على مكولم وانتقدت أيباك. فقالت طليب لموقع Middle East Eye في رسالة عبر البريد الإلكتروني: “إنَّني أثني على شجاعة وقيادة زميلتي، عضوة الكونغرس بيتي مكولم. إنَّها على حق، خطاب الكراهية يحرض على العنف ويسعى لإسكات المعارضة. وفي المعركة من أجل السلام والمساواة والكرامة وحقوق الإنسان لا بد أن نتصدى، وننتقد أي محاولة لعرقلة طريقنا نحو تحقيق العدالة للفلسطينيين والإسرائيليين والناس في مختلف أرجاء العالم”. ولم ترد أيباك على طلب من الموقع من أجل التعليق.