هل صحيح أن إنهاء الانقسام أولوية في الظرف الحالي؟

قد يبان من المستغرب أو حتى من المستهجن إثارة هذا السؤال. أما فتئنا ومنذ سنوات نطلب ونطالب ونشجع ونستحث الطرفين لرأب الصدع الذي نفترض انه يضعف القضية والوضع الفلسطيني ككل؟ أليس الإنقسام جائحة سياسية ألمت بنا وما زلنا نبحث عن لقاح لها ولم نجد؟

الإجابة على هذا التساؤل هي لا. هي ليست الأولوية الأولى. ليس لأن إنهاء الإنقسام غير ذي أهمية. كلا، هو على أهمية كبيرة ولكنه ليس أولوية في هذا الظرف بالذات، ذلك أنه توجد أولوية أخرى أسبق منطقيا، بمعنى أن إنهاء الإنقسام ينبغي أن يبنى عليها وتشكل أرضية له.

لكن، قد يقال أن هذه الأرضية موجودة ومنذ سنوات؛ منذ اتفاقية القاهرة الأولى في العام 2005 مرورا باتفاقيات أخرى تمت في القاهرة عبر السنوات وانتهاء باتفاقية القاهرة للعام 2011، وأخيرا ما أسمي بتفاهمات أو اتفاق 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017 الذي وقعه رئيسا الوفدين عزام الأحمد وصالح العاروري برعاية مصرية.

نعم، لكن هذه الاتفاقيات على أهميتها مصممة لاندماج حماس في النظام السياسي الفلسطيني القائم حاليا بما في ذلك الانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد إصلاحها. لكنها لا تصلح وحدها كأساس لإنهاء الإنقسام لأنها لا تتعرض أو تعالج المهمة الأساسية، أو الأزمة الواضحة الماثلة أمام الفلسطينيين الآن.

ما هي هذه الأزمة؟ تتمثل هذه الأزمة في ثلاثة جوانب: انسداد الأفق السياسي في المدى المرئي؛ السيطرة الفعلية، أو ضم إسرائيل الفعلي 76 في المائة من أراضي الضفة الغربية حتى لو لم تعلن “السيادة” عليها، وذلك حسب أرقام مؤسسة “بيتسيلم”؛ وتبعات تطبيع دولة الإمارات ومن سيسير في نفس الدرب من دول أخرى على تغير معادلة الحل السياسي من منظور إسرائيلي.

والنتيجة لهذه التحولات هو انتهاء حل الدولتين بالفهم الفلسطيني له، أي ليس معازل منفصلة عن بعضها البعض دون تواصل جغرافي ودون سيادة ودون حدود مع دولة أخرى ودون القدس، وكما يجيء في “صفقة القرن”.

ومن غير الواضح أن هذا الوضع سيتغير حتى لو لم يفز ترامب بولاية ثانية. فالموضوع يتعلق بالموقف الإسرائيلي وليس بموقف الولايات المتحدة الذي إن تغير في عهد بايدن إن فاز بالرئاسة، سيبقى تغييرا لفظيا فقط.

سأشير مباشرة لتبعات تطبيع دولة الإمارات على الموقف الإسرائيلي. فقد كان هذا الموقف وحتى مفاوضات كامب ديفيد في تموز من العام 2000 هو الأرض مقابل السلام، حتى لو كان حجم الأرض ونطاقها موضع خلاف.

تغير هذا الموقف بعد استلام نتانياهو السلطة وأصبح رئيسا للوزراء في العام 1996 أولا، وما بعد ذلك خاصة في دورته الثانية. كما هو معروف، لقد كان هو ضد اتفاقية أوسلو منذ البداية، ومنذ ذلك الحين وحتى التطبيع مع دولة الإمارات كان هو فعليا ضد حل الدولتين، لكنه في بعض الأوقات رفع شعار “السلام الاقتصادي” الذي كان أقرب للعلاقات العامه منه كتصور مفصل عن ما هو مقصود، وبطبيعة الحال لم يقبل أو يتم التعامل معه بجدية من قبل الجانب الفلسطيني.

ما حصل بعد الاتفاق على التطبيع مع دولة الإمارات، وخاصة إن سارت بعض الدول العربية في نفس الركب، هو أن اليمين في إسرائيل ونتنياهو تحديدا أصبح لديهم موقف وشعار جديد “للسلام”، وهو “السلام مقابل السلام”. وهذا ما تبجح به نتنياهو مباشرة بعد توقيع الاتفاق.

ماذا يعني هذا للجانب الفلسطيني كون فلسطين ليست دولة قائمة فعلا مثل دولة الإمارات ودول عربية أخرى لها حدود معروفة وسيادة عليها يمكنها من “تبادل السلام” مع دولة إسرائيل؟ فلسطين أرض تحت الاحتلال، وطموح لأن تكون دولة قائمة فعلا، حتى لو اعترفت بها الأمم المتحدة. ما هو الذي سيتم “تبادله” مع دولة إسرائيل؟ في “أفضل” الأحوال “سلام” مقابل حكم ذاتي محدود الصلاحيات في معازل منفصلة داخل دولة إسرائيل وفي ظل سيادتها. هذا إذا وافق على ذلك يمين اليمين المتحالف مع نتانياهو الذي يطمح لتهجير آخر واسع النطاق إن نشأ ظرف يسمح بذلك.

إن حل الدولتين قد انتهى، أو شارف على الإنتهاء، لسببين: لا يوجد “شريك” في الطرف الآخر وفي المدى المرئي خاصة بتنامي اليمين في إسرائيل ومنذ عدة سنوات وحتى الآن. وإذا كان من الممكن التطبيع مع أغلبية من الدول العربية، لن يوجد أي حافز لعقد أي “سلام” مع الجانب الفلسطيني.

أما السبب الثاني فيكمن في أن إسرائيل قد ضمت فعلا 76 في المائة من الضفة الغربية. وقد لا يكون من قبيل المصادفة أن النص المشترك الذي أعلن فيه عن العزم على تطبيع العلاقات بين الدولتين لم يستخدم كلمة “ضم”، وإنما عبارة “إعلان السيادة” على الضفة الغربية. والسبب يكمن في أن إسرائيل تمارس الضم الفعلي دون إعلان السيادة، وإن استخدمت كلمة “ضم” في الإعلان، قد تفسر على أنها تعني إيقاف الاستيطان وبناء المستوطنات، وهو الضم الفعلي.

إذا، إن كان الأمر هكذا، من الواضح أن هناك أولوية ينبغي أن تسبق إنهاء الانقسام، أو سؤالا تكون الإجابة عليه هي الأرضية، أو البرنامج المشترك، الذي يتجاوب مع الوضع الراهن، والذي يتم بناء عليه إنهاء الانقسام.

لا يوجد متسع هنا للدخول في هذا الجانب بتفصيل، وسأعود إليه في سياق آخر. وقد يكون هذا البرنامج المشترك، أو “المشروع الوطني” الجديد متعدد الأوجه، أو برنامجا مرحليا، لكنه في كل الأحوال عمل مقاوم بحكم التعريف، تتعدد فيه أعمال المقاومة حسب الظرف والسياق وبما يخدم القضية وليس خدمة للحزب السياسي.

ولن يكون من الضروري له التخلي عن شعار حل الدولتين من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، نظرا لأنه ما زال يوفر شرعية دولية لها وتتمسك به معظم دول العالم، حتى لو انه انتهى فعلا، لأن لا حل آخر مقبولا لمعظم دول العالم له نفس الشرعية الآن.

هذا البرنامج المشترك، حتى لو كان برنامجا مرحليا، سيكون مشتركا لكل الفلسطينيين، في الداخل والخارج. وهو الذي له أسبقية على إنهاء الانقسام، وشرط له.

عدا عن ذلك، سيكون إنهاء الانقسام تقاسم حصص فقط، بالطرق البائسة السابقة. وحسبك بها صفقة خاسرة.

 

* الكاتب / جورج جقمان