حق العودة للاجئين .. تحولات الفكر السياسي الفلسطيني

يمكن تعيين المحطة الأولى في تطور الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر مع انطلاق حركة “فتح” التي طرحت فكرة الكيانية الفلسطينية، مدعمة بمبادرتها لإطلاق الكفاح المسلح (1965). ففي تلك المرحلة تم التركيز على لملمة شتات الشعب الفلسطيني، وفرض وجوده على الخارطة. وكان شعار “التحرير” هو الشعار الطبيعي الملهم، آنذاك، الذي جمع شتات اللاجئين وعبر عن ردهم على النكبة؛ لدرجة أن شعار “العودة” تماهى فيه، تعبيراً عن تشبث اللاجئين بالماضي الذي فقدوه، وبمستقبل متخيل يحاولون بناؤه.

ما تقدم يثير الانتباه إلى مسألتين، الأولى أن حق العودة للاجئين، لم يطرح بوصفه وحدة بذاتها، أو لم يتم تمييزه، لسبب بسيط مفاده أن تلك الحركة نشأت قبل احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، لكن ذلك الأمر استمر حتى بعد الاحتلال، أما حق العودة فقد طرح بعد تبني البرنامج المرحلي (1974)، وحتى أن فكرة الكيانية الفلسطينية لم تكن تعني آنذاك إنشاء دولة فلسطينية في الضفة والقطاع بقدر ما كانت تعني إنشاء كيان سياسي فلسطيني يوحد الفلسطينيين ويعبر عنهم ويقود كفاحهم. المسألة الثانية أن فكرة التحرير تم تطعيمها أو تلقيحها، آنذاك، بفكرة “الدولة الديمقراطية العلمانية”. مع ذلك يفترض هنا التوضيح بأن ذلك لم يكن دليلاً على تطور حقيقي في التفكير السياسي الفلسطيني، إذ لم يجر الاشتغال على شرح أو تعميق مضامين تلك الفكرة وأبعادها كي نتكرس في الثقافة الشعبية، في الفكر السياسي الفلسطيني.

المحطة الثانية في تحول الفكر السياسي الفلسطيني تمثّلت بطرح شعار الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، على خلفية حرب تشرين الأول/أكتوبر (1973)، ولكن حال هذا الشعار لم تكن أحسن من سابقه (الدولة الديمقراطية العلمانية). إذ تم تسويق ذلك الشعار بصورة فجائية وفوقية وقسرية ومن دون تمهيد ثقافي مسبق. ولم يكن تبني ذلك الشعار (على الأغلب) بنتيجة تطور في الثقافة السياسية الفلسطينية بقدر ما كان تعبيراً عن استعداد القيادة للمساومة، وبالتالي، للتماثل مع الشرعية العربية والدولية، بدليل أن حركة “فتح” لم تتبنه رسمياً إلا بعد ما يقارب 15 عاماً في المؤتمر الخامس (تونس 1988)، في حين لم يتم تبنيه في المؤتمر الرابع (دمشق 1980)، وبدليل الحديث بداية عن إقامة “سلطة” على أية أرض يجري تحريرها مروراً باعتباره مجرد برنامج مرحلي (تكتيكي)، من دون ارتباط برؤية فلسطينية لطبيعة الحل النهائي، وصولاً لطرح فكرة دولتين لشعبين بالارتباط مع حل قضية اللاجئين على أساس القرار 194. وفقط مع الانتفاضة الكبرى الأولى (1987 ـ 1993) اكتسب طرح الدولة فلسطينية زخمه وإمكانيته الواقعية، كونها، أصلاً، كانت حالة فعل مجتمعية في الضفة والقطاع.

هكذا فقد حدثت النقلة النوعية الثالثة في مسار الفكر السياسي حدثت في مناخات تلك الانتفاضة الشعبية، التي جاءت في ظروف اختمار التجربة الكفاحية وانتقال ثقل العمل الفلسطيني من الخارج إلى الداخل، إلى ساحة الصراع المباشر مع العدو، بعد غزو إسرائيل للبنان وإخراج قوات منظمة التحرير منه (1982)، ما جعل للفلسطينيين في الأراضي المحتلة رأياً في تقرير مصيرهم بناء على رؤيتهم لأوضاعهم، وبعيداً إلى حد ما عن وصاية القيادات الرسمية في الخارج. وقد أحدثت هذه النقلة تحولاً نوعياً في السياسة الفلسطينية، في خطاباتها وأشكال كفاحها وعلاقاتها مع الفلسطينيين في مناطق 1948 ومع المجتمع الإسرائيلي، وكان من نتائج هذا التحول ظهور أطروحات سياسية مستقلة وغير تقليدية تمثل أهمها في إطلاق شعار “دولة ثنائية القومية في فلسطين/إسرائيل”، والدولة الواحدة، أي دولة المواطنين.

لكن المشكلة الأساسية لهذين الطرحين (الدولة الواحدة أو ثنائية القومية) أنهما ما زالا حكراً على مجموعات من المثقفين، ولم يأخذا طريقهما إلى الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي (طبعاً ولا الإسرائيلي)، وحتى الآن لا يوجد فصيل واحد يعلن عن تبنيه لهما، كما أن الثقافة السياسية التي تقف في خلفية هذين التصورين لا تحظى على شعبية في الشارع الفلسطيني خصوصاً أن الأحوال الراهنة لا تشجع أبداً على ذلك، والأهم من ذلك أنه ليس ثمة صدى لتلك الأطروحات في أوساط المثقفين الإسرائيليين، إذا استثنينا قلة من شخصيات محسوبة على تيار ما بعد الصهيونية أو المؤرخين الجدد، علماً أنه لا توجد مجموعات وازنة في المجتمع الإسرائيلي تؤيد تلك التيارات.

أما المرحلة الرابعة في تحول الفكر السياسي الفلسطيني فهي التي نشأت مع اتفاق أوسلو (1993)، والتي تضمنت ترويج ما هو أقل من الحل المرحلي، والدخول في مغامرة حل انتقالي، من دون تحديد ماهية الحل النهائي، ومن دون وضع محددات واضحة لقضايا القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات، وعموماً فنحن ما زلنا نعيش إرهاصات هذه المرحلة، التي وصلت إلى أفق مسدود مع انهيار حل الدولتين، وتحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة، تحت الاحتلال، وتهميش منظمة التحرير، وإزاحة اللاجئين من المعادلات السياسية الفلسطينية، وهي بحاجة إلى مبحث آخر، مع تأكيدنا على ضرورة التمييز بين مصطلحي التحول والتطور في مطالعة مسارات الفكر السياسي الفلسطيني.

الآن، يبدو أن ثمة مرحلة خامسة من مراحل التحول في الفكر السياسي الفلسطيني، وهي ليست نتاج انغلاق عملية التسوية، وانسداد أفق خيار الدولة المستقلة في الضفة والقطاع فقط، إذ هي، أيضاً، نتاج أفول الكيانات السياسية الفلسطينية، وانحسار مكانة منظمة التحرير، ونتاج تضاؤل البعد العربي في الكفاح ضد إسرائيل، على خلفية عمليات التطبيع، بما يفيد بتحرر الكفاح الفلسطيني من توظيفات النظام العربي السائد، ووقوف الفلسطينيين لوحدهم في مواجهة التحديات الإسرائيلية، وهي مرحلة من المبكر تحديد ماهيتها وأبعادها.

 

الكاتب / ماجد كيالي