أرض فلسطين لم تكن الخيار الأول لتأسيس إسرائيل

من نياغرا إلى روسيا مروراً بإفريقيا.. كاد أحد هذه المخططات أن يبصر النور في الاتحاد السوفييتي، العدو اللدود للولايات المتحدة وحليفة إسرائيل الأولى

قبل أن تمنح الدولة البريطانية فلسطين التي كانت تحت سيطرتها إلى المنظمة الصهيونية كوعد لتأسيس إسرائيل، طرح العديد من السياسيين مناطق عدة حول العالم، وكاد أحدها يبصر النور في الاتحاد السوفييتي، العدو اللدود للولايات المتحدة وحليفة إسرائيل الأولى.

في ما يلي الاقتراحات التي تم طرحها عبر التاريخ من أمريكا الجنوبية وصولاً إلى اليابان مروراً بإفريقيا:

مقترحات دول لتأسيس إسرائيل

دولة أرارات في أمريكا

في عام 1820، حاول مردخاي مانويل نوح أن يؤسس وطناً لليهود في جزيرة غراند آيلاند في نهر نياغرا في أمريكا باسم “أرارات” نسبة إلى جبل أرارات، مكان رسو سفينة نوح بحسب الرواية التوراتية.

أقام وقتها نصباً تذكارياً في الجزيرة التي كُتب عليها “أرارات، ملجأ اليهود، أسسها مردخاي م. نوح في شهر تشري، 5586 (سبتمبر/أيلول 1825) وفي العام الخمسين لاستقلال أمريكا”.

وأعلن نوح في خطابه عن استعادة اليهود إيمانهم بأنهم سيعودون ويعيدون بناء وطنهم القديم، داعياً إلى أخذ زمام المبادرة في هذا المسعى.

المقترح البريطاني في أوغندا

كان برنامج أوغندا البريطاني عبارة عن خطة لإعطاء جزء من شرق إفريقيا البريطانية للشعب اليهودي كوطن.

تم تقديم العرض لأول مرة من قبل وزير الاستعمار البريطاني جوزيف تشامبرلين إلى المجموعة الصهيونية بقيادة تيودور هرتزل في عام 1903.

عرض وقتها 5000 ميل مربع (13000 كيلومتر مربع) من هضبة ماو في ما يعرف اليوم بكينيا. كان العرض رداً على المذابح ضد اليهود في روسيا.

تم طرح الفكرة على المؤتمر الصهيوني للمنظمة الصهيونية العالمية في اجتماعه السادس عام 1903 في بازل، وتلاه نقاش حاد.

وُصفت الأرض الإفريقية بأنها “رقعة سابقة على الأرض المقدسة”، لكن مجموعات أخرى شعرت بأن قبول العرض سيجعل من الصعب إقامة دولة يهودية في فلسطين.

قبل التصويت على الموضوع، خرج الوفد الروسي معارضاً بشدة، وتم تمرير اقتراح النظر في الخطة بأغلبية 295 إلى 177 صوتاً.

في العام التالي، تم إرسال وفد من ثلاثة رجال لتفقد الهضبة. أعطاها ارتفاعها مناخاً معتدلاً، ما جعلها مناسبة للاستيطان الأوروبي.

ومع ذلك، وجد المراقبون أرضاً خطرة مليئة بالأسود والمخلوقات الأخرى. علاوةً على ذلك، كان يسكنها عدد كبير من الماساي الذين لم يبدوا على الإطلاق متقبلين لتدفق الأشخاص القادمين من أوروبا.

بعد تلقي هذا التقرير، قرر الكونغرس في عام 1905 رفض العرض البريطاني، واعتبر بعض اليهود المعترضين على الرفض أنه قرار خاطئ، فشكلوا المنظمة اليهودية الإقليمية بهدف إقامة دولة يهودية في أي مكان.

 خطة ستالين لليهود في روسيا

في 28 مارس/آذار 1928، أصدرت هيئة رئاسة اللجنة التنفيذية العامة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية مرسوماً “بشأن إلحاق كومزيت بالأراضي الحرة بالقرب من نهر أمور في الشرق الأقصى لتوطين اليهود العاملين”.

المرسوم يعني أن هناك “إمكانية إنشاء وحدة إقليمية إدارية يهودية على أراضي المنطقة المسماة”.

وفي 7 مايو/أيار 1934، قبلت هيئة الرئاسة المرسوم الخاص بتحويل تلك المنطقة إلى منطقة الحكم الذاتي اليهودي داخل الجمهورية الروسية.

وفي عام 1938، مع تشكيل إقليم خاباروفسك، تم تضمين منطقة الحكم الذاتي اليهودية (JAR) في هيكلها.

ووفقاً لسياسة جوزيف ستالين الوطنية، كانت كل مجموعة قومية شكلت الاتحاد السوفييتي ستحصل على إقليم تسعى فيه إلى تحقيق الاستقلال الثقافي في إطار اشتراكي.

وبهذا المعنى، كان أيضاً رد فعل على تهديدين مفترضين للدولة السوفييتية:

– اليهودية، التي تتعارض مع سياسة الإلحاد الرسمية للدولة.

– والصهيونية، التي تسعى لإنشاء دولة إسرائيل الحديثة، والتي عارضت وجهات النظر السوفييتية عن القومية.

كانت الفكرة هي إنشاء “صهيونية سوفيتية” جديدة، حيث يمكن تطوير ثقافة يهودية بروليتارية تعتمد اليديشية بدلاً من العبرية، ويكون فيها الأدب والفنون الاشتراكية الجديدة محل الدين باعتبارها وسائل التعبير الأساسي للثقافة.

لكن المنطقة التي اختارها ستالين كانت قاسية مليئة بالمستنقعات قرب الحدود مع الصين، كان يريد إبقاء اليهود أبعد ما يمكن عن مركز السلطة. ثم بدأت حملة البروباغندا للترويج للفكرة عبر إطلاق صحيفة وتشييد الشوارع بأسماء كتاب يهود والمسارح.

ألقت السلطات منشورات على الأحياء اليهودية تروي قصة عائلات هربت من الكساد الاقتصادي في أمريكا إلى المنطقة الموعودة وغيرها من أدوات الترويح آنذاك.

لكن الجهود في هذا الاتجاه انتهت بمؤامرة الأطباء -والتي اتهمت أطباء يهود وغير يهود بمحاولة اغتيال قادة سوفييتيين- وإصرار نخبة على تأسيس إسرائيل كدولة يهودية، إلى جانب الموجة الثانية من عمليات التطهير التي شنها ستالين قبل وفاته بوقت قصير.

مرة أخرى، تم إلقاء القبض على القيادة اليهودية وبُذلت جهود للقضاء على الثقافة اليديشية، حتى المجموعة اليهودية في المكتبة المحلية تم حرقها.

وبعد ذلك، ذهبت فكرة إقامة إقليم يهودي يتمتع بالحكم الذاتي في الاتحاد السوفييتي أدراج الرياح.

خطة فوغو لليهود في اليابان

على الرغم من الأدلة القليلة التي تشير إلى أن اليابانيين قد فكروا في أي وقت مضى في إقامة دولة يهودية أو منطقة حكم ذاتي يهودية، نشر الحاخام مارفين توكاير وماري شوارتز كتاباً بعنوان The Fugu Plan في عام 1979.

في هذا الكتاب الخيالي جزئياً، تحدث الحاخامان عن خطة اسمها خطة Fugu أو مؤامرة Fugu (河豚 計画 ، Fugu keikaku) وأشارا إلى المذكرات المكتوبة في الثلاثينيات من القرن الماضي في اليابان التي تقترح توطين اللاجئين اليهود الفارين من أوروبا التي احتلها النازيون في الأراضي اليابانية.

يدّعي توكاير وشوارتز أن الخطة، التي اعتبرها مؤيدوها على أنها محفوفة بالمخاطر ولكنها مجزية بالنسبة لليابان، بأنها سُميت على اسم الكلمة اليابانية للسمكة المنتفخة، وهي طعام شهي يمكن أن يكون ساماً قاتلاً إذا تم إعداده بشكل غير صحيح.

ولكن العديد من المؤرخين اليهود يشككون في صحة هذه المزاعم.

خطة مدغشقر

قدم هذا الطرح الباحث الألماني بول دي لاغارد وتأملت الحكومات البريطانية والفرنسية والبولندية الفكرة لفترة من الزمن؛ بعدها، استولت عليها ألمانيا النازية، وفي مايو 1940، أعلن هاينريش هيملر (أقوى رجال هتلر) في تأملاته حول معاملة الشعوب من الأجناس الغريبة في الشرق: “آمل أن يتم إخماد مفهوم اليهود تماماً من خلال إمكانية هجرة أعداد كبيرة من كل اليهود إلى إفريقيا أو أي مستعمرة أخرى”.

على الرغم من أن بعض المناقشات حول هذه الخطة قد تم تقديمها منذ عام 1938 من قبل أيديولوجيين نازيين آخرين مشهورين، مثل يوليوس شترايشر، إلا أنه لم يتم تنفيذ الخطة حتى يونيو/حزيران 1940.

مع اقتراب نصر ألمانيا في فرنسا، كان من الواضح أن جميع المستعمرات الفرنسية ستصبح قريباً تحت السيطرة الألمانية، ويمكن تحقيق خطة مدغشقر.

كان هناك شعور أيضاً بأن معاهدة سلام محتملة مع بريطانيا العظمى ستضع البحرية البريطانية تحت تصرف ألمانيا لاستخدامها في الإخلاء.

بموافقة أدولف هتلر، أصدر أدولف أيخمان مذكرة في 15 أغسطس/آب 1940 تدعو إلى إعادة توطين مليون يهودي سنوياً لمدة أربع سنوات، مع حكم الجزيرة كدولة بوليسية تحت قيادة قوات الأمن الخاصة.

ولكن تم تأجيل الخطة بعد فشل الألمان في هزيمة البريطانيين في وقت لاحق في عام 1940.

وفي عام 1942 تم التخلي عما يسمى “الحل الإقليمي للمسألة اليهودية” لصالح “الحل النهائي لقضية اليهود”، وهي السياسة النازية التي طبقتها ألمانيا لاحقاً بقتل اليهود.

ميناء دايفي في أستراليا

تم طرح عدد من الخيارات (بخلاف إسرائيل) لإعادة توطين اليهود منذ مطلع القرن. كانت أستراليا على وجه الخصوص محل اهتمام الدكتور إسحاق شتاينبرغ، وهو سياسي يهودي روسي بدأ رابطة فريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1935.

كان ينوي إعادة توطين أكثر من 75 ألف يهودي هناك، لكن لأسباب سياسية تم اقتراح جنوب غرب تسمانيا.

كان رئيس وزراء تسمانيا روبرت كوسغروف متقبلاً للفكرة وجال في المنطقة عام 1941.

لكن الدكتور شتاينبيرغ تعرّض لأزمة صحية أثناء تجواله في المنطقة أودت بحياته نتيجة التهاب حاد، فتوفي وماتت معه الفكرة من أساسها.

وأخيراً.. فلسطين

بعدما حدد ثيودور هرتزل رؤياه “لوطن قومي لليهود” في كتابه “دير جودنستات” عام 1896، أسس الحركة الصهيونية التي تهدف إلى ” إنشاء وطن للشعب اليهودي مكفول علنياً وقانوناً في فلسطين” عندما انعقد المؤتمر الأول لها العام التالي.

ورغم أنه كان يفضل الأرجنتين كدولة لقيامة دولة إسرائيل (كما أشار في مذكراته)، إلا أن الخيار وقع على فلسطين لقدسيتها في الديانة اليهودية ولموقعها الاستراتيجي الذي يخدم مصالح الغرب في المنطقة.

وفي عام 1916 تمت اتفاقية سايكس بيكو السرية باتفاق بين المملكة المتحدة وفرنسا والإمبراطورية الروسية وإيطاليا لتقسيم مناطق نفوذ السلطنة العثمانية.

وضعت فلسطين تحت سلطة البريطانيين وكان أول استخدام رسمي لعبارة “الوطن القومي للشعب اليهودي” في وعد بلفور عام 1917.