خطة إسرائيلية لإخلاء القدس من العرب

سحب للإقامة وترحيل قسري، وأسر الشهداء والأسرى على رأس المستهدفين

 

تراقب الأوساط الفلسطينية بقلق شديد ما يتردد في إسرائيل عن طرح أوساط يمينية متدينة في الكنيست مشروع قانون يسمح بسحب الجنسية أو الإقامة الإسرائيلية من آلاف المقدسيين، تمهيداً لترحيلهم خارج أسوارها، كجزء من خطة تهجير قسرية تستهدف الوجود العربي في المدينة.

وقدم 18 نائباً في الكنيست الإسرائيلي من أحزاب الليكود وشاس وإسرائيل بيتنا ويمينا، مبادرة من آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) الأسبق، مسودة قانون للجنة القانونية يجيز لدولة الاحتلال سحب الجنسية أو الإقامة الإسرائيلية من أي مواطن مقدسي يتلقى معاشاً من قبل السلطة الفلسطينية، تمهيداً لطرحه في الكنيست، والتصويت عليه بالقراءات الثلاث ليصبح مقراً قانونياً، وقابلاً للتطبيق.

آلاف المقدسيين في دائرة الخطر

مشروع القرار يستهدف آلاف المقدسيين العرب في القدس، فقطاع كبير من الموظفين مدرج ضمن الكادر الوظيفي للسلطة الفلسطينية، تحديداً في الوزارات ذات الطابع المدني الخدمي مثل التعليم والصحة والأوقاف، وحتى عوائل أسر الشهداء والأسرى تتقاضى مستحقات مالية رمزية، بجانب قطاع كبير من عناصر حركة فتح في المدينة، كل هؤلاء يقعون ضمن دائرة الاستهداف الإسرائيلي، وهي خطوة غير مسبوقة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية في 1994.

خالد أبوعرفة الوزير السابق لشؤون القدس، قال لـ”عربي بوست” إن مشروع القرار الإسرائيلي ينذر بدخول المقدسيين في مرحلة تهجير قسرية، فعدد المقدسيين الذين يتلقون معاشات شهرية من السلطة الفلسطينية يقدر بالآلاف، بجانب عدد كبير من عوائل أسر الشهداء والأسرى، حتى الأسرى المحررين من سكان المدينة، أو المبعدين قسراً إليها.

وأضاف أن هناك هدفاً غير معلن من هذا المشروع الإسرائيلي يتمثل بدفع السلطة الفلسطينية للتخلي عن مسؤولياتها في المدينة، بإجبارها على تقليص مستوى خدماتها المقدمة فيها، سواء بتخفيض الميزانيات المخصصة للمدينة، أو التوقف الكلي عن دفع المعاشات الشهرية لموظفيها في القدس.

وأوضح أن هذا الأمر سيوقع السلطة بأزمة مزدوجة، فإن أوقفت تقديم المخصصات الشهرية للمقدسيين فهي تتجاوز القرار الإسرائيلي، لكنها ستدخل بمواجهة مع الشارع المقدسي.

وضع استثنائي للقدس

تحوز مدينة القدس على وضع استثنائي منذ احتلالها عام 1967، فالسلطة الفلسطينية تصنفها ضمن مناطق السيادة التابعة للضفة الغربية، أما إسرائيل فحصلت على اعتراف أمريكي بالقدس عاصمة لها في 2017، وترتب على ذلك اعتراف عدة دول بذلك، نقلت سفاراتها من تل أبيب إليها.

يقدر عدد فلسطينيي القدس بـ380 ألفاً، أما اليهود فعددهم 600 ألف، لكن المقدسيين يعانون من ازدواجية الهوية، فالسلطة تمنحهم الهوية (الخضراء) الفلسطينية، أما إسرائيل فتمنحهم هويات (زرقاء) مؤقتة على شكل إقامات تتجدد كل عام، تسمح لهم بحرية الحركة والتنقل داخل المدينة، والاستفادة من خدمات التعليم والصحة.

لكن سكان القدس بذات الوقت لا يحق لهم الترشح أو التصويت بانتخابات الكنيست، ولهم الحق بالتصويت، دون الترشح، في انتخابات البلدية.

لكن عرفة استدرك بالقول إن عدد المقدسيين الحاصلين على جنسية إسرائيلية بامتيازات كاملة يمثل أربعة آلاف، “هم منبوذون من باقي المقدسيين، ولا يحظون باحترام، لأن إسرائيل تستخدمهم سماسرة أراضي وعقارات يعملون في جمعيات استيطانية مثل “إلعاد” و”عطيرت كوهانيم”، على حد تعبيره.

مخاطر القانون على القدس

تأتي خطورة القانون الإسرائيلي الجديد كونه يتحكم بمفاصل حياة المقدسيين، لأن جل الخدمات المدنية كالكهرباء والتعليم والصحة تديرها إسرائيل، ويستفيد منها المقدسيون بدفع مبالغ رمزية، أما السلطة الفلسطينية فتدير خدمات على أطراف المدينة، وتتركز أساساً على الخدمات التعليمية عبر وزارتي الأوقاف والتعليم، نظراً لرفض المقدسيين الالتحاق بالمدارس الإسرائيلية.

وفي حال جرى تطبيق القانون الإسرائيلي، سيعامل المقدسي داخل مدينته كالأجنبي دون إقامة، وسيدفع مبالغ مالية على شكل غرامات بسبب إقامته المسحوبة، ومبالغ مضاعفة أخرى مقابل تلقيه خدمات التعليم والصحة بسبب سحب التأمين الصحي الممنوح للمقيمين.

يعتبر الإسرائيليون أن القانون يعبد الطريق لفرض مزيد من السيادة على القدس، في ظل التطبيع العربي مع الإمارات والبحرين والسودان، وعدم وجود موقف قوي تتمتع به السلطة الفلسطينية، بعد أن باتت مستهدفة أمريكيا وإسرائيليا وعربيا عبر حصارها ماليا وسياسيا.

سلسلة قوانين تستهدف القدس

حنا عيسى الوكيل المساعد للشؤون المسيحية بوزارة شؤون القدس قال لـ”عربي بوست” إن القانون الإسرائيلي يأتي كحلقة متكاملة من قوانين بدأتها إسرائيل منذ احتلالها القدس في 1967، واتضحت نواياها لاستهداف المدينة بعد إقرارها لقانون قومية الدولة في 2018، وبموجبه بدأ تطبيق أخطر بنوده في القدس بترحيل أكثر من 15 ألف مقدسي خلال عامين فقط، بسبب تنظيمهم لحركات احتجاج ووقفات ضد سياسات الاحتلال، واتهمهم القضاء الإسرائيلي بعدم الولاء للدولة.

وأضاف أن إسرائيل تسعى من خلال هذا القانون لتطبيق خطة “أسرلة القدس”، وتحويلها إلى مدينة يهودية ديموغرافياً، بتقليص نسبة العرب المسلمين والمسيحيين إلى 12% من إجمالي عدد سكانها، وإن استمرت بإقرار قوانين مماثلة ستصل لهدفها خلال خمس سنوات فقط.

يعاني سكان القدس من أوضاع اقتصادية في غاية الخطورة بسبب الإجراءات الإسرائيلية، كما تراجعت الخدمات التي تقدمها السلطة الفلسطينية فيها، فهي تصنف ضمن أقل المدن حصولاً على وظائف في السلطة مقارنة بباقي محافظات الضفة الغربية، ويقدر معدل البطالة فيها بـ35%، أما نسبة الفقر وصلت إلى 80%.

كما لا تتوقف بلدية القدس المحتلة عن فرض مستويات مرتفعة من الضرائب لا تناسب مستويات دخل المقدسيين، وتحديداً ضرائب “الأرنونا” المفروضة على عقاراتها بشكل تعسفي، دون تحديد نسبة معينة، وتتراوح قيمتها بين 5-20 ألف دولار سنوياً على كل عقار مقدسي، إضافة لضرائب الدخل المتراوحة بين 35-65% على إجمالي الدخل السنوي للمقدسي.

وقد ساهمت هذه الإجراءات لدفع آلاف المقدسيين لمغادرة المدينة، هروباً من الإجراءات الإسرائيلية المفروضة عليهم، وعدم قدرتهم على تحمل مزيد من الضرائب بحقهم، حيث تعمل الإجراءات الإسرائيلية بتشريعات الكنيست، أو قرارات الحكومة والبلدية، ضمن حلقة متكاملة من التضييق على الوجود العربي في المدينة.

مخاوف من تهجير قسري لسكان القدس

جمال عمرو الأكاديمي المقدسي المتخصص بشؤون القدس قال لـ”عربي بوست” إن “ما يجري في القدس مخططات جرى التحضير لها منذ سنوات، فإسرائيل تنتهز الظرف السياسي الذي يسمح لها بتمرير ما تراه مناسباً من مشاريع تستهدف المدينة، وعند قراءة المشهد الحالي نرى السلطة تتعرض لحصار سياسي ومالي عربي، قبل أن يكون حصاراً أمريكياً أو إسرائيلياً، لذلك اختارت إسرائيل توقيتاً مناسباً لها لصياغة مشروع في ظل سيطرة اليمين الإسرائيلي على مقاليد الحكم”.

وأضاف “مخاطر هذا القانون أنه قد يتوسع ليشمل كافة سكان المدينة، بإجبارهم على مغادرتها بالقوة، وقد تتبنى الدول المطبعة كالإمارات تمويل خطة الترانسفير الجديدة بتأمين مساكن للمقدسيين داخل الضفة الغربية”.

* تقرير / عدنان أبوعامر