منظمة التحرير الفلسطينية : عود على بدء أم ماذا ؟

الحديث في قضايا منظمة التحرير الفلسطينية وعنها أمراً أصبح مُستهًلكَاً نظراً للإهتمام العام السابق بالمنظمة وما آلت اليه الأمور على الساحة الفلسطينية خصوصاً بعد الخروج من لبنان وما تبع ذلك لاحقاً من توقيع اتفاقات أوسلو .
 
كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي كبش الفداء لنوايا وأخطاء وسياسات القيادة الفلسطينية التي إستعملت المنظمة للوصول الى أهدافها في أوسلو، ولم تتردد بعد ذلك في التضحية بها على مذبح السلطة الفلسطينية كبديل لمنظمة التحرير، والحكم الذاتي كبديل للتحرير .
 
إن فشل السلطة الفلسطينية في تحقيق أي انجاز وسقوطها الملحوظ عقب حرب غزة الرابعة والمطالبة الشعبية بإسقاطها نتيجة لذلك قد دفع البعض الى إعادة فتح ملف منظمة التحرير الفلسطينية والمطالبة بإعادة إحيائها كبديل عن السلطة الفلسطينية وكإطار جامع للعمل الفلسطيني مجدداً في حقبة ما بعد إسقاط السلطة الفلسطينية .
 
منظمة التحرير الفلسطينية، ومنذ نشأتها، كانت تشكل بالنسبة للفلسطينيين هدف التحرير كما كانت تجسد مفهوم الدولة الفلسطينية الغائبة والتي يسعى جميع الفلسطينيين الى رؤيتها تتجسد على أرض فلسطين . لقد أدَّت اتفاقات أوسلو الى استبدال حقائق وواقع القضية الفلسطينية بوهم الدولة. وهكذا، فإن استبدال الحقيقة بالوهم هو ما أدى الى ما يعانيه الفلسطينيون الآن في بحثهم المضني عن دولتهم من جهة وعن قضيتهم أو ما تبقى منها من جهة أخرى، فلا هذا موجود بمفهومه التقليدي ولا ذاك بعد أن فقدت القضية معظم معالمها .
 
يعكس هذا النمط من التفكير في العودة الى حاضنة منظمة التحرير الفلسطينية سذاجة واضحة وافتقاراً الى الرؤية السليمة لأن منظمة التحرير الفلسطينية كانت نتاج حقبة مضت وانتهت بما لها وما عليها وتم تفكيك مؤسساتها أو اضعافها ودمجها عملياً ضمن إطار السلطة الفلسطينية .
 
المطالبة بإحياء منظمة التحرير الفلسطينية هي محاولة يائسة للتشبث بالماضي المُشَرِّف وبحقبة النضال الفلسطيني في وقت تغيرت فيه الظروف والمعطيات الفلسطينية والعربية وكذلك طبيعة القضية الفلسطينية وواقع العلاقة بين أطراف الصراع وهم بشكل أساسي الفلسطينيون والاسرائيليون والعرب بشكل لم يعد يسمح باللجوء الى خيار مثل خيار منظمة التحرير الفلسطينية ونهجها المعلن في الكفاح المسلح بعد أن تنازلت القيادة الفلسطينية والعرب علناً عن هذا النهج وقبلوا بتصنيفه ضمن لائحة الارهاب .
 
البحث عن مخرج للأزمة لا يأتي من خلال التعلق بحبال الهواء، مثل المطالبة بالعودة الى أيام وعهد منظمة التحرير الفلسطينية، بل يأتي من خلال إعادة تأكيد الالتزام بمبادئ الميثاق القومي الفلسطيني الذي قامت منظمة التحرير على أساسه . وهذا ما قد يشكل بحد ذاته المدخل الصحيح والضمانة المطلوبة لأي محاولة لخلق بديل جامع ومقبول للسلطة الفلسطينية، أو للتقدم بمسار بديل عن مسار أوسلو وفلسفتها.
 
السلطة الفلسطينية قامت نتيجة لاتفاقات أوسلو كبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية وكترجمة لفلسفة أوسلو حيث تم استبدال هدف التحرير بالحكم الذاتي تحت الاحتلال، وتم استبدال الدولة بسلطة تابعة للاحتلال تعكس وهم الدولة بديلاً عن الدولة، وتم العبث بالميثاق القومي الفلسطيني، وتم تحويله الى الميثاق الوطني الفلسطيني، ومن ثم تم العبث به وتجريده من مفاصله الأساسية، وتم تجنيد المؤسسات الوطنية الفلسطينية لصالح فلسفة السلام القائم على الاستجداء والمستند الى هدف الحكم الذاتي عوضاً عن التحرير والاستقلال الناجز.
 
تشهد الحقبة الحالية والمقبلة واقعاً جديداً متفاقماً للفسطينيين يستند الى الاستيطان الشرس والقوانين العنصرية المرافقة له بحيث يتم التعامل مع الفلسطينيين تحت الاحتلال باعتبارهم أدنى درجة من اليهود حتى ولو كان بعض أؤلئك الفلسطينيين يحملون صفة المواطنة . وهذا يرفع من درجة التحديات التي يجابهها الفلسطينيون والتي تضيف الى حقب الاحتلال المختلفة حقبة التمييز العنصري المستند الى قانون يهودية الدولة والى الممارسات العنصرية للحكم الاسرائيلي .
 
اسرائيل إذاً ليست دولة احتلال فقط، بل هي دولة عنصرية باعتبارها دولة لليهود فقط وليس لمواطنيها مهما كانوا . وهذا الواقع يتطلب التعامل مع دولة الاحتلال والى أن يتم التحرير، باعتبارها أيضاً دولة عنصرية لا يمكن أن تتسع لكل مواطنيها مما يعني أن السلام هو شعار غير قابل للتنفيذ في ظل منظومة من القوانين العنصرية وكذلك الممارسات العنصرية التي تتجاوز ممارسات الاحتلال الدموية والجائرة الى ممارسات التمييز العنصري التي تمس كل وجه من أوجه الحياة .
 
الصعوبات أمام الفلسطينيين في ازدياد في حين أن الامكانات المتاحه في تناقص . والفلسطينيون أمام خيارات مفروضة كونها محكومة للظروف المحيطة بقضيتهم وبواقعهم كشعب تحت الاحتلال، أكثر من كونهم أمام خيارات مفتوحة تسعى الى تحقيق آمالهم وطموحاتهم أو حتى جزأً منها . والعودة الى الماضي من خلال منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن لا تشكل ضمن المعطيات السائدة هدفاً أمام الفلسطينيين للمرحلة المقبلة .

* الكاتب / د. لبيب قمحاوي